مع قدوم شهر تموز/يوليو من كل عام يتصاعد جدل حاد حول طبيعة ما جرى يوم 14 تموز 1958، جدل لم يحسم بعد كل هذه العقود لتبقى أسئلته معلقة مثل، 14 تموز ثورة أم انقلاب؟ أيهما أفضل للعراق الأنظمة الجمهورية المتعاقبة؟ أم النظام الملكي؟ إسقاط الجيش في 1958 للنظام الملكي، هل فتح الطريق أمام سلسلة الانقلابات العسكرية التي أوصلت العراق إلى ما وصل إليه؟ هل بالإمكان تخيل مسار مغاير لما حصل في 1958 لو أن الحركة العسكرية لم تنجح؟ ومع كل هذه الاسئلة طالما كان للعميد الركن عبد الكريم قاسم قائد الحركة حصة الأسد من المديح أو الشتم، حسب وجهة نظر الناظر إلى ما حدث.
ولأن عبد الكريم قاسم لم يكن سياسيا، ولم يكن منتميا لأي تنظيم سياسي سوى تجمع من ضباط الجيش لا ماهية سياسية له، أطلق على نفسه «تنظيم الضباط الأحرار» سيرا على ما جرى من حركة الجيش في مصر قبل ذلك بست سنوات، ولكن حتى هذا التنظيم لم يحظ بالاستمرارية، اذ انقلب بعضهم على بعض وأعدم المنتصر المهزومين من رفاق الأمس.
المفارقة أن عبد الكريم قاسم لا يحظى اليوم بمن يدافع عنه سوى الشيوعيين، أو من يكون قريبا من طروحاتهم. بالتأكيد كان هنالك تيار قاسمي من غير المسيسيين من الطبقات المسحوقة، التي تماهت مع بعض ما أنجزته حكومة قاسم خلال عمرها القصير، لكن المدافعين عن عبد الكريم قاسم فكريا وعقائديا، والمفندين لطروحات مهاجميه عادة ما يكونون شيوعيين، فهل كان قاسم قريبا من الحزب الشيوعي؟
إن تاريخ قاسم ينفي وجود أي علاقة أو حتى تقارب مع الحزب الشيوعي العراقي، وقد يشير البعض إلى حقبة التقارب عام 1957 بين ما عرف بـ»جبهة الاتحاد الوطني» السياسية والتنظيم السري للضباط الأحرار، والجبهة كانت مكونة من الأحزاب الأربعة الأقوى في الشارع وهي، الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث وحزب الاستقلال، وكان لهم ممثلون ينسقون أعمال المعارضة السياسية، وقيل إن هناك اتصالات تمت بين تنظيم الضباط الأحرار والأحزاب، ومن ضمنها الحزب الشيوعي، حتى ان قاسم أبلغهم بساعة الصفر، لكن لا وجود لأي وثائق تثبت ذلك، سوى مذكرات بعض الأشخاص من تلك الحقبة.
نجحت الحركة واستعان عبد الكريم قاسم بأحزاب الجبهة لتشكيل حكومته الأولى مستبعدا الشيوعيين منها، لتجنب إثارة القوى المحلية والإقليمية والدولية، واستبعاد اتهام ما حصل في العراق على إنه انقلاب شيوعي، لكن الحزب الشيوعي الذي تقبل أمر عدم مشاركته في الحكومة على مضض، لجأ إلى الشارع، الذي كان يشهد تنامي نفوذ شيوعي غير مسبوق، وتوج هذا الحراك بتشكيل ميليشيا (المقاومة الشعبية) ذات الصبغة الشيوعية، التي منح قاسم أمر قيادتها للعقيد طه البامرني مكافأة له، وهو ضابط لم يكن شيوعيا ولا حتى من تنظيم الضباط الأحرار، لكنه كان آمرا لفوج الحرس الملكي، وهو الذي أمر باستسلام الحرس الملكي لمهاجمي القصر الملكي من اللواء 20، وبذلك يكون قد سلم رؤوس العائلة المالكة لقوات الحركة على طبق من ذهب صبيحة 14 تموز 1958 في ما عرف لاحقا بمجزرة قصر الرحاب .
في مارس/آذار مع قيام مجموعة من الضباط من رفاق قاسم بالانقلاب عليه، في ما عرف بـ»انقلاب الشواف» في الموصل بدعم وتحريض من نظام جمال عبد الناصر، الخصم اللدود لقاسم. كانت اللحظة المناسبة التي فرض الحزب الشيوعي فيها نفوذه، وأبدى مديات قوته للاصدقاء قبل الخصوم، من خلال جماهيره العنيفة وميليشيا المقاومة الشعبية التي سيطرت على مدينة الموصل بعد فشل الانقلاب، وقد ارتكبت في أحداث الموصل جرائم قتل ضد خصوم الشيوعيين السياسيين قدرها المبالغون بخمسة آلاف قتيل، بينما يرى حنا بطاطو في كتابه عن الحزب الشيوعي ان خسائر أحداث الموصل كانت بضع مئات.
بعد أقل من شهرين ومع حلول ذكرى يوم العمال العالمي الأول بعد 14 تموز في 1 ايار 1959 كان الحدث الاهم بالنسبة للحزب الشيوعي ليظهر لقاسم مدى قوة الحزب ونفوذه عبر تنظيم مظاهرة اعتبرتها ادبيات الحزب الشيوعي الاكبر في تاريخ العراق حتى ذلك الحين، وادعت أنها ضمت مليون شخص، وهي مبالغة إذا علمنا أن سكان بغداد حسب إحصاء 1957 كان 800 ألف نسمة.
إن ثقل المظاهرة الهادرة هزت الشارع العراقي وهي تهتف مطالبة بحصتها من الحكومة، في شعار بات مطلبا شيوعيا رسميا هو: «عاش الزعيم عبد الكريم الحزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيم»، وانحنى قاسم للموجة العاتية، وفي 13 تموز 1959، أجرى تعديلاً وزارياً، أدخل بموجبه الدكتورة نزيهة الدليمي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الوزارة، وتم تعيينها وزيرة للبلديات، وبذلك كانت أول امرأة يتم استيزارها في الشرق الاوسط، كما عين كل من المحامي عوني يوسف، وهو ماركسي غير منتم للحزب الشيوعي وزيراً للأشغال والإسكان، والدكتور فيصل السامر وهو مؤرخ يساري وزيراً للإرشاد، والدكتور عبد اللطيف الشواف القريب من الحزب الشيوعي وزيراً للتجارة.
لكن بعد يوم واحد فقط من التعديل الوزاري، وفي الذكرى الأولى للثورة، في 14 تموز 1959، حدث ما بات يعرف عند الشيوعيين بأحداث كركوك، وما يطلق عليه اعداؤهم مجزرة كركوك 1959، الشبيهة بما حصل في أحداث الموصل. وقد اعتبر مؤرخو تلك المرحلة أحداث كركوك القشة التي قصمت ظهر التقارب بين قاسم والحزب الشيوعي العراقي وبدء هجوم قاسم على الحزب، الذي أخذ شكل التحرك (خطوة خطوة) على مناطق نفوذ الشيوعيين، فقام قاسم بحل ميليشيا المقاومة الشعبية بعد ان سحب تسليحها، كما حيد اغلب الضباط الشيوعيين في الجيش، عبر نقلهم إلى مواقع غير فعالة أو إحالتهم للتقاعد، وبذلك اطمأن لعدم امكانية قيام الشيوعيين بانقلاب عسكري يطيح بحكمه، ثم ابتدأ بالقضاء على نفوذ الحزب في المنظمات الجماهيرية مثل النقابات والاتحادات العمالية والفلاحية واتحاد الطلبة وغرفة التجارة.
ومع تعرض قاسم لمحاولة اغتيال في اكتوبر 1959 نفذها حزب البعث، بدعم من نظام الجمهورية العربية المتحدة، وقف الشيوعيون مع قاسم بتحشيد الشارع تأهبا لمنع حدوث انقلاب عسكري بعد قتل رئيس الوزراء، لكن قاسم نجا من عدة رصاصات اصيب بها، ولم يثنه موقف الشيوعيين الداعم عن نهجه، بل ازداد تعسفا تجاههم، وبدا ذلك واضحا بعد ثلاثة اشهر، عندما أقر قانون تسجيل الأحزاب في يناير 1960، فما كان من قاسم الا ان قبل تسجيل داوود الصايغ وهو ماركسي منشق عن الحزب الشيوعي، تقدم بطلب تسجيل باسم الحزب الشيوعي، ووافقت له وزارة الداخلية على الطلب، وتم رفض طلب الحزب الشيوعي الاصلي الذي تقدم به زكي خيري، لتبدأ صفحة من الصراع عاد فيها الشيوعيون إلى العمل السري بعد تعرضهم لحملات اعتقال وتعسف واسعة غطت الثلاث سنوات المتبقية من عمر حكومة قاسم، التي اطاح بها البعثيون في انقلاب 8 شباط/فبراير 1963 .
يبدو ان السبب الرئيس في موقف الشيوعيين غير الحازم من عبد الكريم قاسم هو ضغوط السوفييت عليهم، وذلك لخصوصية حقبة الحرب الباردة، وإدارة خروشوف لملفات الأزمات السياسية الشائكة حينئذ، ويمكننا أن نقرأ ذلك واضحا في زيارة نائب رئيس الوزراء السوفييتي ميكويان لبغداد في أبريل/نيسان 1960، لافتتاح المعرض الصناعي السوفييتي في بغداد، وإعلانه الدعم الرسمي لنظام قاسم، رغم أزمة قاسم مع الرفاق الشيوعيين العراقيين، وكانت كلمات قاسم التي قالها في المؤتمر الصحافي الذي نقلته الاذاعة العراقية في 10 ابريل، واضحة ومباشرة إذ قال «نحن لسنا بلادا شيوعية، نحن ديمقراطية حرة، أصدقاء للعالم الشيوعي وللعالم غير الشيوعي، لا نأخذ أوامر من أحد لكننا نتعاون مع الذين هم أصدقاؤنا الحقيقيون. إن الاتحاد السوفييتي يقدر مبدأ الشعب العراقي في مقاومة الطامعين والامبرياليين، وأنا اؤكد للشعب العراقي بأن القيادة العراقية مستقلة، والصداقة مع الاتحاد السوفييتي مبنية على المنافع المشتركة».
أما ميكويان فقد رد، وحسب مراسل «الهيرالد تريبيون» في بغداد الذي كتب في 13 ابريل 1960؛» قال ميكويان بأن قاسم أخبره بأنه يريد أن يطبق أفضل صيغة ديمقراطية في العراق، وأضاف، ونحن من جانبنا فهمنا سياسته وسنتعاون مع الجمهورية العراقية». كتب سكرتير الحزب الشيوعي حسين الرضي (سلام عادل) رسالة إلى قيادة الحزب، وقد كان يتنقل متخفيا من مكان إلى اخر منذ 8 شباط حتى ألقي القبض عليه في 19 شباط 1963 محاولا ادارة المقاومة ضد قوى الانقلاب البعثي الذي اطاح بقاسم، وقد اثبت سلام عادل إدانته لنظام قاسم، واتهمه بالاستسلام لـ»القوى السوداء»، ووصفه بالديكتاتور، فقال ؛»إنَّ السبب الرئيسي الذي أدى إلى سيطرة الانقلابيين على الحكم هو العزلة التي أصابت تدريجياً ديكتاتورية قاسم عن الشعب وعن القوى الوطنية. ولكن الانقلاب الرجعي الراهن يبدأ بعزلة أشد من تلك العزلة التي انتهت اليها ديكتاتورية قاسم».
اذن لماذا لا يذكر الشيوعيون كلمات رمز من رموزهم عندما يستذكرون قاسم بكل كلمات الحب التي تصل به احيانا إلى حد التأليه؟
كاتب عراقي
صادق الطائي
وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين ولا حول ولا قوة الا بالله
من الصعب الحكم على ما حدث بالإستعانة بما حصل من أحداث منذ ذلك الفجر الدامي و لليوم ، غير أنه هناك حقائق لا يختلف عليها .
خرج العراق من الهيمنة العثمانية بلداً فقيراً لا أجنحة له . الحكم الملكي الذي لم يستمر أكثر من ٣٧ عاماً قام بتحقيق الشيء الكثير خلال هذه الفترة القصيرة مع قلة المال و الكثير من الأحداث المضطربة . مع ذلك كانت ( و مع شديد الأسف، و لا زالت ) مظاهر الفقر و الجوع و المرض و الجهل تعتصر سكان بلاد النهرين .
بدون شك تحت تأثير ما جرى في مصر قام بعض الضباط بالتحرك و التقارب معاً و بضربة حظ في ذلك الفجر الدامي إرتكبوا مجزرة قلبوا بها نظام الحكم .
يفترض أن لا يقوم الجيش بإستعمال السلاح إلا لحماية البلاد و البشر الساكنين ، فإذا بأولئك الضباط يخونوا القسم و بلا مبرر حقيقي ، بل نابع من طموحاتهم الشخصية التي دون وعيٍ غلفوها ، و أقنعوا نفسهم بذلك ، بالحرص على مصالح الشعب و الفقراء .
و الفقراء من الشعب كانوا ، و لا زالوا الأغلبية ، فسكروا طرباً نشوانين على وقع تلك المزامير _ و من يلومهم !
و نفس الفقراءوجدوا الحزب الشيوعي يطنب شرحاً لتلك المزامير ، دولة العمال و الفلاحين و الإشتراكية و غيرها من الأحلام …و الناس تحب أن تشغل نفسها .
غير أن الحقيقة كما أراها هي أن البلد دخل مرحلة حرب أهلية على نارٍ هادئة منذ ذلك الفجر الدامي الظالم و حتى الْيَوْمَ ، مروراً بسنوات ٢٠٠٦/٢٠٠٧ الأكثر دموية .
لم تكن نهاية الرأسين في إنقلاب ١٤ تموز أقل مأساوية من نهاية أقطاب الحكم الملكي _ و لكن هذه عدالة القدر !
أما الملايين التى هتفت لتموز و مؤسس “الجمهورية العراقية الخالدة”_ فلم تكن تسير إلا بروح القطيع .
كما للأفراد قدرهم ، فللشعوب قدرها أيضاً ، و ذاك كان قدر العراقيين _ و لا أعرف متى سيسكن القدر !