القرآن الكريم معجزة الله الخالدة والخاتمة للبشرية جمعاء، خُتم بخاتم الأنبياء والمرسلين من ميزه الله بخُلقه العظيم، فحَمله في حركته وسلوكه فكان قرآنا يمشي على الأرض، ليُطبق عملاً ومنهجاً أمام أعين الناس فكان لهم معلماً ومربيا، وخُص به الإنسان ليكون أكرم المخلوقات وأشرفها، أنزله الله رحمةً وشفاءً لما في الصدور وتعديلاً للسلوك والعادات ومنهج الجهل الذي يسود في المجتمعات وما تحمله من قيم لا تتناسب مع كرامتهم الإنسانية لتحقيق وجودهم، فكان الكتاب العدل والميزان الذي لا يَضل، بُسط فيه للناس ليكون حياتهم وذكرهم وإخراجهم من الشقاء الدنيا ومذلتها إلى سعادة الآخرة وكرامتها.القرآن الكريم كلام الله المُنزل للناس كافة نَزل به الروح الأمين، ليكون نذيراً وبشيراً و هدى للمتقين، كتاب امتاز عن غيره من الكتب المخطوطة بأيدي بشرية، فهو كتاب محفوظ من الزلل والتحريف والتبديل، أحكامه وسننه ثابتة لا تقبل التأويل ولا الترجيح، أنزل بدلائله وحججه وقصصه وأمثاله، ليتناسب مع كل ما يخص الحياة الإنسانية على الأرض، نزل بالوحي على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم متوافقاً مع ما يحدث من مواقف وأحداث تتعلق بالحياة البشرية واستقرار الحياة واستوائها وصلاحها للناس كافة، فهو كتاب السعادة الذي لا يشقى جليسه، الُمخرج من عنت الدنيا وضيقها لسعتها وراحتها، هو مأدبة الله التي لا يَشبع منها الطائعين والعلماء، وهو العين التي لا تنتهي ينابيعها لتروي زرعاً يبقى حياً بفوائده، وهو الشفاء لكل داء الجسد والنفس والروح، وهو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهو النجاة من كل كرب وبلاء، وهو الكلام الذي تلين به القلوب وتقشعر له الأبدان، وهو لباس لأهل التقوى يُرتدى بالخوف والرجاء، وهو الكنز المكنون الذي لا تنتهي عجائبه وفوائده، هو قرآن عربي غير ذي عوج لا انحراف ولا ميل ولا زيغ في إتباعه لا يهدي إلا إلى صراط الله المستقيم.القرآن الكريم يمشي على الأرض بأخلاق المُتلقي عن ربه محمد صلى الله علية وسلم، فكان قدوة ومعلما للناس يخرجهم من وحُولِ الظلمات والشهوات إلى نور الإيمان والطاعات، ليِتخلقوا بأعظم أخلاقه وأرقى سلوكياته الإنسانية، ليُعلمهم قيام حضارة ومدنية وعدالة اجتماعية ما عُرف مثلها قط، لا تقوم إلا على الارتباط بالرب الخالق لامتداد القيم والسلوكيات من شريعته، لتبني نظمها وقوانينها بما يتوافق مع ما يرتضيه، حضارة جَعلت ميزان العدل الحق شريعتها فتُربي أفرادها على إقامته وتشريعه في عباداتها ومعاملاتها ومؤسساتها.القرآن الكريم ارتبط بسنته صلى الله عليه وسلم ليكون مكملاً لما جاء به وشارحاً له ومبيناً لتفاصيله التي لم يفصلها في آياته، وليكون التشريع والمنهج الوحيد لحركة الحياة، فطُبق على الأرض من خلال شخصه صلى الله عليه وسلم فجاء شاملا كاملا لكل مناحي الحياة، فكان الرحمة المهداة حتى لا يلتفتوا لمنهج آخر ولا ينشغلوا بغيره لتحقيق سعادتهم وأمنهم. القرآن الكريم ما جاء ليتلى ويتغنى به في المآتم والمناسبات، ولا أن يُقرأ ويتلى ويحفظ دون مراعاة لمدلولاته ومحتوياته ودون فهم لكل أمرٍ أو نهي، ولا أن يُهجر بسلوكه وآدابه، ولا أن يُجعل حرزاً معلقا على الأبواب والجدر للحماية والحفظ من الحسد والآفات، ولا أن يتلى ويقرأ عند الكر بات والأحزان أو يهجر ليتلى في شهر واحد بحلول شهر رمضان إن وجد وقت للتسابق في ختمه دون وعيه.لقد مُيز السابقون من مجتمع الصحابة رضي الله عنهم بمعرفتهم لكتاب ربهم ففهموه وعقلوه، وعرفوا خطابه وانتبهوا لأمره ونهيه، فتخلقوا به وحاسبوا أنفسهم وعدّلوا سلوكياتهم وسارعوا ليجعلوه منهجاً مُطبقاً في كل تفاصيل حياتهم بدأً من أنفسهم وأسرهم حتى تعاملاتهم مع مجتمعهم، لذا استحقوا رفعة الله وتقديره وأن يكونوا خير مجتمع لقيادة الناس، لم يهجروا كتاب ربهم ولم يوضع على الرفوف تُزين به المكتبات دون أن يتناول للتفكر بآياته وأحكامه ليُستخرج منها العبر والفوائد التي تدل على الطريق السوي في اتخاذ القرارات وتوجيه الإرادة نحو خيارات الحياة التي تحدد مستقبل الأجيال، لم يؤخروه وراء ظهورهم بل قدّم أمامهم ليكون أول خطواتهم، ولم يبحثوا عن قوانين موضوعه لا تأتي بالعدالة الإنسانية وتسعى للمصالح المادية، تدارسوا كتاب سعادتهم وأمنهم فانصرف عنهم الخوف والشقاء، علَموا أبناءهم آياته وأحكامه وحُفظ في صدورهم ليكون موجهاً لحركتهم وسلوكهم منذ نعومتهم فكبروا ليكونوا قادة وأسيادا للناس كافة.القرآن الكريم المنهج الذي يصلح لبناء المجتمع بكل جوانبه في أي زمان ومكان، خصه الله للصلاح والإصلاح لجميع الأجيال مهما طال امتداد الحياة البشرية، فهو الباقي بصلاحه حتى زوال الأرض ومن عليها، فهو من يُسعى به لإقامة العدالة المطلقة لجوانب المجتمع دون أن يسوده الاضطراب والظلم أو الحرمان، بل يُربي الفرد والمجتمع على التكافل والتعاضد ورص الصفوف، ليقوم على وحدة القلوب ومودتها المنطلقة من صدق الصادقين وإخلاصهم، فهو من ينظم الآداب والأخلاق فيدل الناس للرقي والتميز عن باقي الشرائع والأديان سالباً للأذهان والعقول لحلاوته ورقيه فيتبعونه أفواجا من مشارق الأرض ومغاربها.القرآن الكريم يتلى ويتغنى به ليَدخل القلب ويُحرك وجدانه ومشاعره، وينطلق للعقل متفكراً متدبراً لحكمة وبصائره، فينعكس سلوكاً وأدباً وقيماً في العبادات والمعاملات اليومية للفرد والمجتمع، فيكون الفرقان الذي يسير به بين الناس، ويكون نور الطريق الذي لا تطفئ أعمدته، ويكون الحياة التي لا تنفك عن الاتصال به، إنه الغذاء الدائم الذي لا يشبع منه طلابه، وهو الزاد الذي يُحمل في سكنات الإنسان وحركاته، وهو الأنيس لكل مستوحش في ظلماته ليكون الصاحب والرفيق المتعبد بتلاوته، ليتقرب به لرب السموات والأرض الرحمان الرحيم بعباده.فما أحوجنا اليوم كمسلمين وفي شهر رمضان، شهر القرآن العظيم الذي خَصَه الله به فأنزله في ليلة خير من ألف شهر، أن نراجع أنفسنا وحالنا مع كتاب ربنا.آمال أبو خديجة