رام الله – «القدس العربي»: يصف أكثر من محلل فلسطيني ما مرت به إسرائيل يوم الإثنين بأنه «الساعات الأقسى في تاريخ صراعاتها الداخلية، وبأنه المقدمة الطبيعية للحرب الأهلية»، فيما يطلق رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية السابق عاموس يدلين ورئيس معهد Minde of Israel على أحداث معسكري «سديه تيمان» و»بيت لبيد» توصيف «الجبهة الثامنة» التي تواجهها إسرائيل، وبمشاركة وزراء وأعضاء كنيست.
وبدأت الأحداث بارتكاب جنود متطرفين من حراس سجن «سديه تيمان» اعتداء جنسيا خطيرا على أحد معتقلي قطاع غزة، حيث نقل الى المستشفى، ليفتضح الأمر، وتتدخل الشرطة العسكرية لاعتقال الفاعلين المشتبه في ارتكابهم أعمال اللواط مع المعتقلين وتحويلهم الى المحكمة في إحدى القواعد العسكرية.
مع انتشار الخبر، يقتحم ملثمون من بلطجية تيارات صهيونية متطرفة القاعدة العسكرية لإطلاق سراح الجنود المشتبه بفي تورطهم في الجريمة، ويستدعي الجيش ثلاث فرق عسكرية لتعزيز القاعدة ولفرض النظام وتطبيق القانون، ويعلن أن الاقتحام حادث خطير يمس بأمن الدولة. في المقابل يعود المحلل السياسي الفلسطيني عصمت منصور للوراء قليلا وتحديدا الى يوم 24 آذار/مارس 2016 في حي تل الرميدة في الخليل، ليستعيد إعدام الشاب الفلسطيني عبد الفتاح الشريف (21 عاما) الذي كان قد طعن جنديًا إسرائيليًا، ليتم تحييده برصاص جندي إسرائيلي، ليأتي بعده جندي آخر يدعى إيلور عزاريا، ويطلق عليه رصاصة في رأسه، بينما كان مستلقيًا على الأرض.
في هذه الحادثة المؤلمة التي تكررت بعد تلك الواقعة يتذكر الفلسطينيون تاريخ 21 فبراير/ شباط 2017 عندما أصدرت محكمة إسرائيلية حكما بالسجن 18 شهرا على الجندي الإسرائيلي الذي أدين بقتل الفلسطيني الجريح.
وفي تلك الفترة حيث كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد صرح بإنه سيؤيد أي قرار للعفو عن عزاريا.
لقد حظي قتل الشاب الفلسطيني الجريح بتغطية واسعة بعد نشر صور للحادثة التي صورت على جهاز هاتف محمول، وبثتها البرامج الإخبارية الإسرائيلية حيث ظهر عزاريا وهو يصوّب بندقيته ويطلق النار على رأس الشريف، الذي كان طريح الأرض، عاجزا عن الحركة.
ورغم تصريحات نتنياهو إلا أن قادة الجيش الإسرائيلي، ورئيس الوزراء تعرضوا في أعقاب الحادثة للانتقاد الشديد من اليمينيين في المجتمع الإسرائيلي بسبب انتقاد ما فعله عزاريا.
اليوم تبدو القضية التي قسّمت الرأي العام بين الجمهور والسياسيين وأفراد الجيش الإسرائيلي وتركز الاهتمام حول أخلاق الجيش مادة تستدعي النظر في حالة دولة الاحتلال بعد أحداث معسكري سديه تيمان وبيت ليد.
وبعد الحكم على الجندي القاتل نظمت عشرات المظاهرات الداعمة والمؤيدة للجندي الاحتلالي، لقد حمل المتظاهرون يافطات كتب عليها «أيتها العائلة العزيزة نحن معاك ونحتضنك ونؤيدك»، وكذلك شعار «كل الاحترام للجيش وجنوده» .
وبتاريخ 8 أيار/مايو 2018 أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إطلاق سراح الجندي القاتل وذلك بعد انتهاء مدة عقوبة الجندي القاتل التي لم تتعد تسعة أشهر (حكم بالسجن 18 شهرا) حيث خفض رئيس أركان جيش الاحتلال غادي إيزنكوت العقوبة أربعة أشهر قبل أن تأمر لجنة بخفض جديد للعقوبة.
التطور الأبرز في قضية عزاريا كان بتاريخ 18 تموز/يوليو 2024 حين منعت وزارة الخارجية الأمريكية، الجندي السابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي من السفر إلى الولايات المتحدة، نتيجة تورطه في قتل شاب فلسطيني خارج نطاق القضاء.
جاءت الخطوة الأمريكية بعدما توصلت واشنطن في أيار/مايو الماضي إلى أن خمس وحدات من قوات الأمن الإسرائيلية مسؤولة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
مشهد أخر جاء من مدينة القدس رصدته جمعية «عير عميم»، وهي مؤسسة حقوقية غير حزبية تتعامل مع تعقيدات الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في مدينة القدس يوم 13 حزيران/يونيو من العام الجاري عندما أطلق جندي اسرائيلي خارج خدمته النار على فلسطيني صاحب متجر مما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة وإصابة ثلاثة فلسطينيين آخرين بجروح طفيفة.
وفقاً لمصادر فلسطينية، فإن الشجار نشب بعد أن لاحظ الجنود خريطة فلسطين عند مدخل المتجر، لكن شرطة الاحتلال أعلنت أنها ستفحص ادعاءات الجندي وزملائه بأنهم شعروا بالتهديد، في حين أكدت الشرطة عدم وجود آية شبهات أو مؤشرات على وقوع هجوم إرهابي.
وحسب جمعية «عير عميم» فإن ما لم يُذكر من قبل الشرطة الإسرائيلية أو في وسائل الإعلام هو تصرف الشرطة بعد الحادثة، لقد استخدمت الشرطة ممارسات تذكر بتصرفات الجيش الإسرائيلي في الخليل، حيث قررت قوات حرس الحدود إغلاق المنطقة أمام حركة الفلسطينيين وأخلتها بالعنف.
ولاحقا، رفضت المحكمة طلب الشرطة بتمديد اعتقال الجندي مطلق النار، بحجة أنه لا يمكن استبعاد روايته. وأكدت الشرطة أن هناك وسيلة للتأكد مما حدث بالضبط أثناء إطلاق النار، قبله وبعده، نظراً لوجود عدد لا يحصر من الكاميرات في البلدة القديمة.
وحسب تعليق المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور لـ«القدس العربي» فإن ما جرى يوم أمس هو حدث يشبه ما حدث بـ 7 أكتوبر لكنه حدث إسرائيلي داخلي، هزّ المنظومة السياسية والأمنية.
ويشدد منصور على أن الحدث يعكس مظهرا للعصيان والفوضى تقوده رغبة اليمين الإسرائيلي في تعزيز السيطرة على مفاصل الدولة في إسرائيل.
ويرى أنه إلى جانب المظاهر الداخلية وخطرها الداخلي في إسرائيل «تكمن الخطورة علينا وعلى حياتنا وواقعنا ووجودنا، فالخطير في مشهد الأمس هو تداعياته على سلوك المؤسسات الاحتلالية تجاهنا كفلسطينيين، حيث هناك سياسات الاعتقال وشروطه، الحواجز وممارسات القتل التي تقف خلفها أوامر إطلاق النار، ومجمل سياسات تعامل الاحتلال مع الفلسطينيين التي تقوم على السيطرة والنهب» .
ويوضح أن ما يجري في إسرائيل هو إعادة صياغة المنظومة والركائز التي قامت عليها اسرائيل طوال عقود بصورة تشبه اليمين المتطرف وتتوافق مع طريقة تفكيرهم بنا.
ويشدد على أن المظهر يوصف بالخطير، حيث أظهر مدى قوة وتماسك وتطرف الجهات اليمينية وتغلغلها في الدولة وجهاتها الرسمية، حيث يحق لنا السؤال: «كيف جاء كل هؤلاء خلال دقائق وكانوا أمام المعسكر/السجن الإسرائيلي؟» .
ويكمل منصور: «مشهد خطير بكل الأبعاد، نحن أمام تحول مهم نشهده في دولة الاحتلال، وحتى على مقاعد الكنيست عندما سأل النائب أحمد الطيبي عضواً في حزب الليكود حول مدى مقبولية أن يقوم الجنود باغتصاب السجناء رد عليه «نعم، اخرس» .
وتابع: «عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين يعتقدون أن كل شخص مخطأ ويستحق العقاب، فالردع هو ما يهم إسرائيل، فيما تحركهم غريزة الانتقام التي يقودها الخطاب الشعبوي في مرحلة جديدة من الفاشية» .
وعكس الحدث حالة من الصمت إزاء ممارسات الجنود، وحالة تشير إلى تواطؤ المؤسسة الأمنية مع المتطرفين والجنود المتهمين بالتعذيب والاغتصاب، والمطالبة بإطلاق سراحهم، وهي ممارسات تشبه حالة الصمت على جرائم «شبيبة التلال» في الضفة الغربية، وتصادمهم مع الجيش اثناء محاولات إخلاء البؤر الاستيطانية، والاعتداء على شاحنات المساعدات الإنسانية التي تتجه من الضفة الغربية الى قطاع غزة.
ويخلص إلى أن هناك تغللاً لليمين المتطرف في الجيش والضباط والرتب العليا، وهو ما جعل مرجعية هؤلاء للحاخامات والوزراء المتطرفين، فبن غفير يدير الشرطة وسلطة السجون، وسموتريتش يدير شؤون المالية والإدارة المدنية، وها هم يريدون حكم النيابة العسكرية والجيش.