أحمد طه والمسفر ومئة مسلسل في العام… عندما يقول ترامب «ريان يا فجل»!

حجم الخط
0

ليس «الخبر» في أن يخطب ترامب، فالخبر إذا أعلن أنه سيتوقف عن الكلام، والرجل لديه إسهال في التصريحات، لدرجة أنه يقول الشيء ونقيضه في نفس واحد دون أن يهتز له رمش، ولم يعد يمثل كلامه أهمية، إلا لمن ساقهم حظهم العاثر للعمل في «شيفت» المساء والسهرة في وسائل الإعلام!
ولهذا عندما تم الإعلان عن أنه سيلقي خطابًا في الساعة الرابعة فجرًا، لم أجد نفسي مكترثًا إلى حد انتظاره، وعندما فتحت عيناي على عواجل الشاشة، حيث خطابه، قررت تجاهله دون أن أتبين من العواجل سوى اسمه، فالرجل يبدو لي أنه يريد أن يجذب الانتباه إلى نفسه، باعتباره ممثلًا فاشلًا، يريد دائمًا أن يكون في بؤرة الضوء، وعندما يخشى الممثل على نفسه من انحسار الأضواء، فإنه يجذب الانتباه له بالحديث عن أمر يخص حياته الخاصة، أو بفكرة طائشة كما تفعل إلهام شاهين!
الرئيس الأمريكي، الذي ابتُلي به الكوكب، يتحدث بمجرد أن يفتح عينيه، ويعتبر الكلام جزءًا من إدارته لشؤون بلاده في السلم والحرب، بما مثّل عبئًا إضافيًا على وسائل الإعلام التي تهتم بالأخبار، حتى أفقد الخبر معناه، وأفقد «العاجل» أهميته، ففي المقابل من يمكنه تجاهل تصريحات من هو على رأس الدولة الأكبر في العالم، حتى وإن قال «ريان يا فجل»!
ليس منطقيًا تصور أن ترامب لديه خطاب مهم يؤجله لبضع ساعات منذ استيقاظه من النوم، وهو لا تبل في فمه فولة، ويقال في حالته إن فمه بلا عتبة، فالكلام يتدحرج من داخله لخارجه، وهذا هو سبب التناقض في الجملة الواحدة، فلا أعتقد أنه يفكر في ما سيقوله، ويدير الأمر داخل عقله، قبل أن ينطق به لسانه ويطرحه على المستهلك!
وقراراته تشبه كلامه، ولذا فقد أوقعته عشوائيته في شر أعماله بحرب تجنبها الرؤساء السابقون، وأجمعت مراكز الدراسات والأبحاث الأمريكية على وعورتها، فإيران ليست العراق، وليست كما اعتقد هو أنها فنزويلا، ليقوم بعملية سطو مسلح ويخطف الرئيس وزوجته ويسيطر على نفطه!
ما ينتظره الناس هو أن يعلن ترامب وقف الحرب، أو البدء في الغزو البري، وكلاهما قرار صعب، فرغم أنه يعيد ويزيد، ويلت ويفت في أنه حقق أهداف الحرب بما قتل من القادة الإيرانيين، لكنه يدرك أن الهدف الأساسي هو تغيير النظام، وهو يقول إن النظام تغير، ويتحدث عن أفراد، وكأنه لا يعرف معنى النظام!
الغزو البري سيقود إلى حرب مفتوحة، كلفتها عالية عليه، ومهما قتل من الإيرانيين، فإن هذا لا يساوي شيئًا من تأثير عشرة توابيت يرسلون من هناك لواشنطن، فضلًا عن أنه سيدخل المنطقة بقرار كهذا في دائرة الجحيم!
ومهما يكن الأمر، فإن الوقت لا يزال مبكرًا لأي من القرارين، ولو اتخذ قرارًا لأعلنه في التو واللحظة، ولما صبر حتى يعلنه بعد بضع ساعات!
عندما اطلعت على «العواجل»، اكتشفت أنه لا شيء فاتني، فلا جديد قال، ولا مهم أعلن، وما فعله هو أنه أرهق الشاشات، والعاملين في هذا «الشيفت» الذي كان عنوانًا للهدوء، فصار هو مصدر الضوضاء، وفي فترة ميتة كانوا يستغلونها لظهور المذيعين والمذيعات الجدد للتدريب والناس نيام! منك لله.

مقابلة أحمد طه مع المسفر

ولأنه يفوز باللذات كل مغامر، فقد فاز الفتى من الصعيد الأقصى في مصر بالاهتمام، وهل هناك صعيد إلا في المحروسة؟!
قناة «الجزيرة مباشر»، استضافت أستاذ العلوم السياسية القطري محمد صالح المسفر، وقيمته أنه ليس مستهلكًا على الشاشة، وهناك قيمة إضافية للمقابلة هي أن من يستضيفه هو أحمد طه.
وطه متربع الآن على عرش المقابلة التلفزيونية، وعلى مدى ثلاثة عشر عامًا بدأها في «الجزيرة مباشر» مصر، ثم «الجزيرة مباشر» بدون مصر، طور من نفسه بشكل مذهل، وحتى لا نظلمه فإن هذا التمكن ليس حاصلًا فقط اليوم، ولكنه قبل سنوات، وإن كانت الحفاوة به من كتاب ومثقفين في أوجها الآن!
وإلى درجة أن مثقفين مصريين كثيرًا ما يبدون الحسرة لأن كفاءة مهنية كأحمد طه لا تستفيد منها المحطات التلفزيونية لبلده، فاتهم أن الإعلام المصري في وضعه الحالي ليس بيئة طبيعية للكفاءات، ولأني متابع للمشهد، وأرى هذه الوجوه المحتفى بها، وتقديمها على أنها الإعلام المصري، فإنني أشعر بالخجل، وقد تم إخفاء كفاءات مهنية كبيرة بفعل فاعل، والفاعل مجهول، دون أن نعرف الفلسفة من وراء ذلك!
يذاكر أحمد طه موضوعه، ويدرس الشخصية التي يحاورها، ويدير حواراته بمهنية ويقظة، فتكون المقابلة حديث «السوشيال ميديا»، وإن كانت مقابلته مع المسفر لها نكهة خاصة لدى المتابعين، والتي استغلها واحد من أقصى المدينة يسعى، وفسر لي باستغلالها أشياء كثيرة!
الفتى أعلن على صفحته أن قناة الجزيرة حذفت مقابلة المسفري من على جميع منصاتها، ليذيعها هو، ويكتب أهم ما جاء فيها، ليبرر ضيق الحكومة القطرية بها، وقد انتشرت صفحته وما كتبه انتشار النار في الهشيم، وقام الآلاف بإعادة النشر، وجمع متابعات ولايكات بعدد نجوم السماء، في فترة وجيزة!
بطبيعة الحال ليس سرًا أن المسفر لم يأت بالذئب من ذيله، ولم يكن كلامًا ممنوعًا في الخليج، فقد دعا لعدم التورط في الحرب مع إيران، والقيادة القطرية نفسها ذهبت لأبعد من هذا بإعلان إن إيران دولة جارة، مطالبة بوقف الحرب عليها.
وليس سرًا كذلك أن المقابلة لم تُحذف، ولعل هذا يفسر لماذا يقوم نشطاء على منصات التواصل بنشر أخبار كاذبة، عن طرد هذا المذيع، أو وقف هذا المحلل، أو مصادرة هذا الرأي.
فقد تبين أنه من المفيد لهم ذكر اسم قناة الجزيرة في جملة مفيدة، أو غير مفيدة! هل تقاعدت مفيدة شيحة؟!

مئة مسلسل.. والعدد في الليمون

لا أعرف على أي أساس قال رئيس المجلس الأعلى للإعلام، والوزير المصري السابق خالد عبد العزيز، إن مصر تستطيع أن تنتج مئة مسلسل سنويًا، هل لتوافر الأموال الطائلة لذلك، في بلد يمر بأزمة اقتصادية طاحنة، أم لتوفر ما يسميه أهل الصنعة بـ«الورق»، أي السيناريوهات؟!
ربما لا يقدر صاحبنا أن الدراما صناعة، وواحدة من الصناعات المهمة، وإذا استمر الأداء كما هو الحال الآن، فإننا أمام استنزاف للمال العام، يستوجب إدانة من يهدره، وعليه أن يحدد لنا معيار القدرة، ومقاييس النجاح.
ولا يكفي أن تحتكر شركة إنتاج الدراما، ثم تعرضها على قنواتها، وتحدد مكسبها بما باعته لها، لأنها تذكرنا عندما كنا أطفالًا وكان أحدنا يجرب حظه في أن يكون تاجرًا ناجحًا، فيشتري له والده قلم الرصاص بخمسة قروش، فيبيعه بقرش، ويمشي في الأرض مرحًا لأنه كسب قرشًا. ولدى المصريين مثل رائج: هو من لحيته وافتل له!
فبالمقارنة ببلد مثل تركيا في المجال، يتبين لنا أننا نلعب ونلهو، فالدراما التركية تُصدَّر، وتُعرض في الخارج وتمثل موردًا للنقد الأجنبي، وصل لحاجز المليار دولار سنويًا، وكانت في حدود النصف مليار قبل سنوات، فأين مصر عند المقارنة؟! قليل من المنطق يا ناس!

أرض جو:

هتف المذيع: مصر خط أحمر، ورئيس بلدي خط أحمر، فاعتقدت أنه سيتعرض لمن قال إن مصر دولة هشة، ولآخر سبق له أن دعا لتفكيك الدول ذات الكثافة السكانية العالية، التي تحيط بإسرائيل، ولا أظنه يقصد رام الله!
لكنه بعد أن صال وجال في الخط الأحمر، لم يذكر أحدًا من الذين يسلخون مصر بألسنة حداد من مثقفي الإقليم، ولكنه ملأ الهواء بشحنة عاطفية جياشة، وكيف أنهم يحبون الجميع، ويقدرون كل الخلائق، ويتمنون الخير لكل من على ظهر البسيطة، من بشر وزواحف. جديدة هذه اللغة!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية