قبل نحو عشرة أيام تصاعدت أصوات منزعجة في شمال لندن، تطالب برحيل مدرب ناديها أرسنال، الاسباني ميكيل أرتيتا، كونه سيخفق في احراز لقب للعام السادس على التوالي، قبل أن تنقلب فجأة الى المطالبة بتشييد تمثال خارج أستاد «الامارات» تكريماً له في حال نجح في احراز لقب بطولة الدوري الممتاز للمرة الأولى منذ 2004، ودوري أبطال أوروبا الذي تأهل الى مباراته النهائية للمرة الأولى منذ 2006.
هذه التفاصيل الصغيرة والجزئيات والحيثيات التي ربما يكون المرء لا يتحكم بها، تلعب دوراً كبيراً في تقلب المزاج من نقيض الى نقيض، فتعادل مانشستر سيتي غير المتوقع مع ايفرتون، مسح فجأة الأجواء السلبية التي طغت على لاعبي أرسنال وجماهيرهم بعد تذبذب العروض واهتزاز النتائج، الى درجة أفقدت الفريق فارقه المريح على قمة الدوري الإنكليزي بعد خسارتين أمام بورنموث ومانشستر سيتي في الجولات الأخيرة، وبينهما خسارة نهائي كأس رابطة المحترفين، وأيضا الخروج من ربع نهائي كأس إنكلترا على يد المغمور ساوثهامبتون، وفجأة وبعد تعادل السيتي، تحول أرسنال الى وحش كاسر، فأنهى مقاومة فولهام بثلاثية في الشوط الأول ليدخر طاقته لمواجهة أتلتيكو ويهزمه بأريحية الى حد ما، ليبدو مرشحاً بقوة لاحراز لقب الدوري الممتاز، وهو ما سيزيده طاقة وايمانا بقدرته على الفوز على باريس سان جيرمان في المباراة النهائية لدوري الأبطال في نهاية الشهر الجاري.
أرتيتا كان من الممكن أن يفقد وظيفته في أكثر من مناسبة في السنوات الأخيرة، خصوصا بعدما خسر لقب الدوري في الأمتار الأخيرة في آخر موسمين، لكن الايمان بمشروع المدرب الاسباني، الممتد من أعلى هرم الإدارة الى قاعه، زرع روح التكاتف والتعاضد، والعمل كفريق واحد بمعنى الكلمة، فالمدرب ليس وحده من يقود الأمور، فهو قد يكون الوجه الإعلامي لكل ما يفعله أرسنال، لكن في الواقع هناك جيش من الموظفين يعملون بجهد عال لجلب النجاحات والألقاب الى هذا النادي، ضمن مشروع طويل الأمد.
جاك كرونكي، ابن مالك النادي، كان واضحاً في 2018 عندما نجح والده في شراء الحصة الكاملة في ملكية النادي، عندما قال أنه «الآن يبدأ العمل»، بل وقف الى جانب المدرب «المغمور» أرتيتا بكل قوة. فلا ننسى أن هذه كانت أول وظيفة لأرتيتا في عالم التدريب، وكان من السهولة أن تتم اقالته على خلفية فقدانه الخبرة، في أول هزة وخيبة على مدى السنوات السبع الماضية، لكن مجدداً، الايمان بالمشروع، والالتزام بالفكرة والتطبيق، أبقى المدرب الاسباني على رأس هذا المشروع.
لو قارنا بما فعلته إدارة أرسنال مع أرتيتا، وما فعلته أندية كبرى أخرى بمدربيها، سنفهم بالضبط ما تعنيه كلمة «مشروع»، فأندية كبرى مثل تشلسي أنفقت أكثر بكثير مما أنفقه أرسنال في السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، لكن تشلسي لم يعد ذلك البعبع المخيف، بل ارتكبت ادارته حماقات وأخذت قرارات غريبة، أبرزها في الشهور الأخيرة، التخلي عن مدرب واعد، هو انزو ماريسكا نجح في احراز لقبين كبيرين للنادي الموسم الماضي، بينهما أول نسخة لكأس العالم للأندية، وكان من المفترض أنه يقود «مشروع البلوز»، لكن عند أول كبوة، انهار كل شيء. والأمر نفسه حدث على مدى سنوات عند جار أرسنال وعدوه اللدود توتنهام الذي عانى، ولا يزال، منذ اقالة قائد مشروعه ماوريسيو بوتشيتينو، رغم انه استعان بأكبر الأسماء في عالم اللعبة، على غرار جوزيه مورينيو وأنتوني كونتي، الا أنه اليوم على شفا الهبوط الى غياهب «التشامبيونشب». مانشستر يونايتد أيضا عانى، بل هو أبرز مثال اليوم اذا راقبناه عن قرب، بماذا سيفعل مع مدرب واعد مثل مايكل كاريك، فهل سيبني معه مشروعه الجديد، أم يتخلى عنه عند أول كبوة ويهدم كل شيء.
ريال مدريد مثال آخر على التخبط الإداري الواضح، فرغم اتخاذ قرار الاستعانة بمدرب شاب واعد يعرف النادي جيداً، وهو شابي ألونسو، الذي أثبت قدراته مع ليفركوزن، ونجح في كسر هيمنة الوحش الكاسر بايرن ميونيخ في الدوري الألماني، الا أنه بدل بدء بناء مشروع طويل الأمد معه، تنازلت إدارة مدريد لرغبات مطالبات فردية وعقليات صبيانية لنجومه، وأنهت ما كان يمكن أن يكون مشروعاُ مزدهراً وناجحا.
عملية البناء ضمن مشروع واضح، يساعد المدرب وجهازه التدريبي المعاون واللاعبين على الوصول الى الأهداف المرجوة بأسرع وسيلة ممكنة، وكلما طالت المدة زادت الثقة وإمكانية تحقيق النجاحات، فأرسنال اليوم لديه هوية واضحة وشخصية قوية، مبنية على خط دفاع حديدي متين، تم العمل عليه منذ سنوات وصولا الى ما نراه اليوم، ولأنه سمح بالنمو والتطور، رأينا هذا التفاهم والانسجام العالي بين اللاعبين وعلاقتهم الرائعة مع الإدارة والجماهير، ولا يتحقق هذا بلا «مشروع»، والأهم الالتزام والايمان به.
لكن من الجميل حقاً أن تظل كرة القدم أيضا في جوهرها حكاية انتماء تتجاوز لغة المال والأرقام، حيث يختار مشجع ما، أن يربط قلبه بنادٍ يمثل شارعه وهويته المحلية بدلاً من ملاحقة بريق العمالقة (في نفس المدينة) والنجاحات الجاهزة. ففي مدرجات الأندية المجتمعية الصغيرة، تُعاش التفاصيل الحقيقية للعبة؛ هناك حيث يعرف المشجعون بعضهم بالأسماء، ويشعرون بأنهم شركاء في كل تعثر وصمود، مما يحول التشجيع من مجرد هواية إلى ممارسة للوفاء اليومي. كما أن رؤية الأجيال وهي تتوارث تلك المقاعد الخشبية القديمة في مواجهة ناطحات السحاب التي ترمز للمال، تعيد تذكيرنا بأن القوة الحقيقية للنادي تنبع من قدرته على أن يكون قلباً نابضاً لمجتمعه، وأن الانتصار الأكبر ليس دائماً في اعتلاء منصات التتويج، بل في الحفاظ على تلك الشعلة الإنسانية متقدة وسط عالم يسعى لتحويل كل شيء إلى سلعة.
حتى فريق Leicester City F.C يبدو أنه أخذ شعاره بجدية أكثر من اللازم؛ فمثل الثعلب الحضري تمامًا، ظهر فجأة في قلب المدينة، أربك الجميع، سرق الأضواء للحظات أسطورية، ثم اختفى تدريجيًا في العتمة.
في لندن قد تمرّ الأيام دون أن تلاحظ “الإنجليز الأصليين” بوضوح وسط ازدحام المدينة، لكن ما إن يحل يوم مباراة لفريق محلي صغير حتى يحدث التحول السريع، حيث يظهرون فجأة كأن المدينة ضغطت زر استدعاء، و يتجمعون حول الملعب والمقاهي وكأنهم كانوا موجودين دائمًا في الخلفية، ثم بعد صافرة النهاية يذوبون وسط الزحام بهدوء في الشوارع والقطارات، ويختفون من المشهد بنفس السرعة التي ظهروا بها.
مشروع ارتيتا سينهار لأنه على غرار مشروع دييغو سيموني مدرب فريق اتليتيكو مدريد مشروع يعتمد على الدفاع و انتظار اصطياد هدف. قد يحقق له لقبا لكنه سينطفىء و يبقى مجرد فريق ينشط البطولات و يكتفي بالمرتبة الثالة و لعب ربع او نصف نهاءب دوري الأبطال. مما سيجعل الجمهور يمل من طريقة لعب أرسنال و بهذا سيفقد الفريق ، نهاءيا،روحه التي زرعها المدرب الفرنسي أرسن فنجر. و يبقى مثل البطة العرجاء.
نعم، بعض الاماكن والمرافق والمؤسسات يمكن اعتبارها بمثابة “بقايا سردية ثقافية” ما زالت تقاوم الذوبان الكامل داخل بريطانيا المعاصرة. هي لم تعد تمثل “المركز الثقافي” المجتمع (المتنوع) كما في السابق، لكنها أصبحت أشبه بـجزر رمزية، أو مساحات ذاكرة ثقافية يعيش فيها جزء من الماضي داخل مدينة تغيرت كثيرًا. و بالمناسبة الاستثمار في هذه المساحات (او ضخ دماء جديدة فيها أو إحياء بعضها) قد يقلل من قوة سرديات اليمين المتطرف، لانه بالإضافة إلى تعزيز الهوية الحضرية للمدن، فإن أي استثمار او تطوير يمنع فقدان هذه “الجزر الرمزية” و يمنح المدينة طبقات تاريخية وثقافية واضحة، و بالتالي يقلل التوترات الناتجة عن التغير السريع، لأنه عندما يشعر السكان أن هناك أماكن ما زالت تعكس حياتهم وتاريخهم، حتى داخل مدينة متغيرة، يقل الإحساس بالاغتراب.