أسئلة الورشة

في الأيام الماضية، شاركت في ورشة للكتابة الإبداعية، ضمت عددا كبيرا من المهتمين بالكتابة، والذين يحملون شغفا خاصا تجاهها، والذين يودون لو كتبوا شيئا ليس للنشر، ولكن لمجرد إحساسهم، أنهم يستطيعون الكتابة.
ولأن ورش الكتابة لم تعد أفكارا دخيلة على عالم الإبداع، مثلما كان ذلك منذ حوالي عشرين عاما، حين كتب المترجم الراحل طلعت الشايب، مناديا بضرورة تعليم الكتابة الإبداعية. فقد أصبح الناس يقبلون عليها، تجد مبدعين كثيرين يديرون مثل هذه الورش، ومبدعين مسقبليين ربما، يشاركون بجهد لالتقاط ما يمكن أن يفيدهم.
ومثلما هو معروف، فإن هذه الورش ليست أكاديمية، أي لا تحتاج لشهادة دكتوراه، وغير ذلك من الشهادات الكبرى، لمن يشرف عليها، وإنما شهادة إلمام بجوانب الكتابة كلها، وسيرة طويلة معها، وهذا يمتلكه أشخاص قضوا جزءا كبيرا من أعمارهم في هذا الدرب، وحفظوا حفره، وتفرعاته.
من الأسئلة التي رددت في هذه الورشة، سؤال عن رواية السيرة الذاتية، وهل هي رواية يعتد بها، أم جنس آخر من أجناس الكتابة الإبداعية؟
والحقيقة رواية السيرة يمكن أن تكون رواية عادية، وقد ذكرت مرة أن أول ما يكتبه الروائي حين يكتشف موهبته، وأنه يستطيع أن يكتب، هو الأشياء التي يعرفها. هو يعرف بيته وسكانه، ويعرف شارع البيت وما يدور فيه من حركة وسكون، يعرف أقاربه جيدا ويعرف حكاياتهم، وربما يعرف شيئا عن تاريخ الأسرة، وإن كان فيها أشخاص صالحون أو ضالون؟ وسيستخدم كل ذلك أو بعضه في روايته الخيالية، من دون أن يذكر أسماء حقيقية، أو حتى شوارع ومدنا حقيقية، لكن كل من يعرف الروائي ويعرف عالمه الحقيقي، سيقرأ سطورا حقيقية، أدمجت في رواية خيالية.
وبمرور الوقت، سيسعى الروائي إلى التخلص من سيرته، واكتشاف عوالم أخرى بديلة، قد يصادفها حقيقة، حين يسافر أو ينتقل من محيطه القديم إلى محيط جديد، وقد يخترعها بعد أن يقرأ كثيرا، ويتعرف إلى بلاد أخرى، عبر القراءة عنها، ولطالما كتب الروائيون عن أقطار لم يزوروها قط، بالاتقان نفسه الذي كتب به من زار تلك الأقطار.
وأذكر حين كتبت محاولتي الأولى، أن أخذت اسم القرية التي ولدت فيها، من دون أن أغيره، أيضا أدخلت أشخاصا كانوا من الأهل والجيران في الرواية، وحتى ذكرت عيوب البعض، من دون أن يتبادر إلى ذهني إنني أقتحم خصوصية أحد. لأكتشف بعد سنوات، أن تلك الرواية، كانت تجميعا لشذرات من السيرة، من دون أن تحمل حكاية حقيقية أو حكاية سلسة، إضافة إلى أنها كتبت بلغة شعرية صرفة، لا تتناسب مع السرد. وأستغرب أنها قدمتني لهذا العالم، وجعلني التشجيع الذي حظيت به بعد صدورها إلى الاستمرار، وما زلت أرفض الموافقة على طبعة جديدة، مكتفيا بتلك الطبعة القديمة، التي تمت قراءتها بمحدودية، في زمن بعيد.
سؤال آخر من مشاركة عن كيفية معرفة الكاتب أن روايته انتهت ولا تحتاج إلى إضافات أخرى، وهذا أمر ليس صعبا بالتأكيد. فالكتابة تستمر في العادة حاملة الأحداث والشخوص في دربها، قد تسقط شخصية في الطريق، وقد تظهر شخصية أخرى في المنتصف، أو حتى قبل النهاية بقليل. لكن لا بد للحدث الرئيسي أن يستمر، والبطل الرئيسي إن كان ثمة بطل رئيسي، أن يستمر، وفي النهاية، تصل الرواية وحدها إلى نقطة حتمية لا يمكن تجاوزها، إلا لو أراد الكاتب حشو نصه بإضافات غير ضرورية.
سؤال أيضا عن استخدام التفاصيل في الكتابة، هل إبراز تفاصيل كثيرة للأمكنة، والشخوص، أمر حيوي أم هو من عيوب الكتابة؟
أنا أعتقد أن التفاصيل مهمة ما دامت تخدم النص وتخدم الحدث والفكرة، ولا تقنعني إن أحسست بها عبئا على النص، وتملأه حد أن يصرخ مستغيثا، ولطالما أحببت أو اقتنعت بالأعمال التي تمنحني شبعا طفيفا، أكثر من التي تتخمني، وعندي كتّاب أحب كتابتهم، لكن تعذبني تفاصيلهم التي أجدها غير ضرورية. فالكاتب التركي أورهان باموق لديه أفكار مدهشة، وأسلوب متناغم جميل، ويعرفك بالتراث التركي، والميثولوجيا التركية بإتقان، فقط يدخلك في تفاصيل ليست ضرورية في معظم الأحيان. فلا جدوى من الوصف الدقيق مثلا، لمزهرية، بها بعض الورد، موضوعة في ركن في غرفة أو صالة، وغالبا لن تشكل أي إضافة لو تركت، ولن تشكل خللا لو حذفت.
ولو قرأت مثلا رواية «موت ريكاردو ريس»، للكاتب البرتغالي الراحل جوزييه ساراماغو، ستجد نفسك داخل غرفة في فندق، سيقيم فيه الطبيب ريكاردو، وتجد أنك محاصر بتفاصيل في تلك الغرفة، لن تتخيل أبدا أنها موجودة. وتظل تقرأ عن عيوب الستائر، وشقوق الجدران، ورائحة مبيد الصراصير، والقفل المتخلخل، صفحات كثيرة، من دون أن تمسك بخيط يقودك إلى سكة الخروج، أو بهار لاذع يوقظك من النعاس، هكذا.
التفاصيل هنا في رأيي ليست ممتعة، وإنما ضد المتعة بالفعل، وطبعا هذا لا يقلل من عظمة ساراماغو، وإنما هي نتوءات أنا تعثرت بها، وقد يجدها غيري سهولا منبسطة، ومرحة أيضا.
سؤال كان جديا فعلا، من مشارك بدا شغوفا ومهتما بتدوين ما يسمعه، وقال بأنه يملك حكايات كثيرة، يمتلك ثقة بأنه سيكتبها:
هل من الممكن أن ينجح شخص بدأ القراءة المعرفية، ويحاول الكتابة بعد تجاوزه الخمسين، أن يصبح كاتبا بالفعل؟
هذا سؤال جيد وإجابته في غاية البساطة. لا يوجد عمر محدد لتبدأ فيه، يمكنك أن تبدأ من سن المراهقة، ويمكنك أن تبدأ من سن السبعين، وهناك كتاب عديدون نجحوا وهم شيوخ تجاوزوا السبعين. مثل البريطانية ماري ويسلي التي صدرت أولى رواياتها وهي في الحادية والسبعين.

*كاتب من السودان

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    نهارك سعيد يادكتور: السؤال الذي أودّ طرحه بين يديك؛ لماذا لانقدّم تعريفًا ممييزًا للروايّة العربيّة؛ يحمل خصوصيّة الذوق العربيّ المعاصر؛ بدل السير وراء الرّوايات الأجنبيّة؟ وتكون البدايّة من ورش الكتابة الإبداعيّة…فمهما كان عالم الرّواية منفتحًا على ( الإنسانيّة ) بمشتركات مباشرة وغيرمباشرة؛ تبقى ( الخصوصيّة ) لها نكهتها وذوقها ولغتها ورؤيتها وأسلوبها وشخصياتها وهمومها وطموحاتها الإيجابيّة والسلبيّة؟ فحينما أقرأ رواية أجنبيّة أجد أنّ سمتها الانفتاح في
    التناول والسرد؛ بفكرة تحمل اللغة غالبًا…فيما سمة الانفتاح هذه في الرّواية العربيّة غير موجودة غالبًا؛ لأنّ اللغة هي التي تحمل الفكرة؛ أي العكس…وبالتالي مفهوم الرّواية العربيّة الداخليّ لا يتطابق مع المفهوم الداخليّ للرّواية غير العربيّة.مع التقدير.

  2. يقول جزائري عربي مسلم:

    جميل ما تفضلت به هنا دكتور ومثمر ومفيد.. التفاصيل تخلى عنها بعض كبار الأدباء مثل نجيب محفوظ الذي يقتصد في وصف الأمكنة والشخصيات، ومثل ميلان كونديرا الذي له رأي صريح في هذه المسألة ملخصه أنه لا ضرورة لرسم تفاصيل الشخصيات مثل أبيض او أشقر.. لأن السياق هو الأهم..المشكلة أن كثيرا من الروائيين يجهدون أنفسهم في وصف التفاصيل في سبيل الإيهام بالواقع لكن ما يبحث عنه القارئ هو البهار اللاذع كما وصفته أي التوتر السردي كما يصفه رفائيل باروني ويجعل القارئ يترقب بشوق مآلات الحبكة…..

اشترك في قائمتنا البريدية