أطباء غزة على حافة الانهيار

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة – «القدس العربي»: داخل مبنى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، يجلس الدكتور جمال أبو هلال، رئيس قسم جراحة العظام في مستشفى غزة الأوروبي، مستندًا إلى جدار رمادي تقشّر طلاؤه بفعل القصف. منذ إخلاء المستشفى الأوروبي قبل نحو عام، يعمل أبو هلال وزملاؤه هنا في ظروف لم يتخيلها يومًا.

بدءًا من غرفة الدم

يصف اللحظات الأولى لدخوله قسم الطوارئ قائلًا: «رائحة الدم والغازات تسبقنا دائمًا. أشلاء أطفال ونساء وشيوخ تتناثر أمامنا. أيادٍ وأرجل مبتورة، وحروق بمختلف أشكالها. صرخات الأمهات، وحسرات الآباء، وعيون تبحث عن أمل».
وبينما يتحدث، ترتسم في عينيه علامات تعبٍ لا تخطئها العين. يتذكر مواقف لا تفارقه: «نجلس على الأرض من شدة الإرهاق، وننام دقائق معدودة لنعود بعدها إلى العمليات. أحيانًا تتوقف الأجهزة فجأة، فنهرع لتبديل أسطوانات الأكسجين وسط صرخات المرضى».
ويروي لـ«القدس العربي» اللحظة التي اضطر فيها لإكمال جراحة معقدة إذ كان الدخان يتصاعد من قصف قريب: «الجلد المحترق امتزج برائحة الموت، لكن لم يكن أمامنا سوى الاستمرار لإنقاذ حياة المريض».
ويختم شهادته بصوت مبحوح: «نعيش كل يوم بين أمل ضئيل في إنقاذ روح، وخوف دائم من أن نكون نحن الضحايا التالين». ثم يضيف: «نبتسم للمريض حتى لو كنا نبكي من الداخل… فقط لنمنحه شعورًا بأن الحياة ما زالت ممكنة».
وفقًا لآخر بيانات صادرة عن منظمات دولية، تبدو صورة الواقع الصحي في غزة أكثر قتامة من أي وقت مضى. «منظمة الصحة العالمية» تؤكد أن من أصل ستة وثلاثين مستشفى في القطاع، لم يبقَ قيد العمل غير 14 مستشفى فقط، تعمل إما جزئيًا أو بكفاءة محدودة، وهو ما يعني أن نصف القدرة العلاجية تقريبًا قد خرج من الخدمة، في وقت تتزايد فيه الإصابات يوميًا.
كما وثّقت المنظمة الأممية حتى منتصف العام نحو 697 هجومًا مباشرًا أو غير مباشر على المرافق الصحية منذ بداية العدوان، في واحدة من أعنف الحملات التي استهدفت القطاع الصحي في تاريخ النزاعات الحديثة.
وتشير دراسة علمية نُشرت في يونيو 2025 إلى أن عدد العاملين في المجال الصحي الذين فقدوا حياتهم وصل إلى نحو 1,583 شهيدًا بين أطباء وممرضين ومسعفين، وهو رقم يعكس حجم الثمن الباهظ الذي يدفعه المنقذون أنفسهم تحت القصف المستمر.
أما «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، فقد أعربت عن «صدمتها» من الضربات التي طالت مجمع ناصر الطبي، الذي أصبح الملاذ الأخير للطواقم والأهالي بعد إخلاء مستشفى غزة الأوروبي، مؤكدة أن المجمع يواجه «ضغوطًا غير مسبوقة» من حيث عدد الجرحى ونقص الإمدادات، رغم امتناعها عن ذكر حصيلة نهائية للطواقم أو مركبات الإسعاف المتضررة.

إنعاش على الأرض

في غرفة الإنعاش في المجمع الطبي الذي يخدم أكثر من مليون نازح، يروي الطبيب سامر أبو عودة تفاصيل ليلةٍ لم ينم فيها دقيقة واحدة: «وصل إلينا أكثر من خمسين مصابًا خلال ساعة. كنا نعمل على الأرض لأن الأسرة لا تكفي. أحد المرضى كان طفلًا لا يتجاوز السابعة، فقد نصف وجهه في قصف منزل أسرته».
ويحكي لـ«القدس العربي» عن لحظة انقطاع التيار الكهربائي: «اضطررنا لإكمال عملية جراحية على ضوء الهواتف المحمولة. كانت ثواني فاصلة بين الحياة والموت».
ويضيف: «أصعب ما نواجهه هو الاختيار بين من نعالجه أولًا. أحيانًا نترك مصابًا ينزف لننقذ آخر لديه فرص أكبر في الحياة. قرار المفاضلة هذا يقتلنا من الداخل. كيف نترك جريحًا يموت!!».
ورغم كل ذلك، يرفض سامر التوقف عن العمل: «أعرف أن حياتي مهددة، لكن واجبي يحتم عليّ البقاء. هؤلاء المرضى هم أهلي».
وعلى أمتار من غرفة العمليات، تقف الممرضة شذا طوباسي تحاول إنعاش مصاب بجرح في الصدر. تقول لـ»القدس العربي»: «أعمل أكثر من 18 ساعة متواصلة. لم أرَ أطفالي منذ أسبوعين».
وتصف مشهدًا لا يفارقها: «أمسك بيد طفل يحتضر بينما يبحث والده عن سرير فارغ. أسمع صرخات الأمهات في كل زاوية».

وتعترف بأن الخوف يرافقها دائمًا: «أحيانًا أشعر أنني لن أعود إلى بيتي. لكنني أتمسك بيد المريض لأمنحه الأمان الذي أفتقده».
وتختم بابتسامة باهتة: «القوة الحقيقية تأتي من نظرات الشكر والعرفان في عيون الناجين. هي ما يجعلنا نثبت رغم كل شيء».
«ما يعيشه الأطباء في غزة يتجاوز الإرهاق البدني إلى صدمة نفسية جماعية». هذا ما يؤكده الدكتور ياسر أبو جامع، المدير العام لـ»برنامج غزة للصحة النفسية»، في حديثه عن الحالة العصبية للأطباء العاملين في القطاع.
يوضح لـ»القدس العربي» أن التعرض المستمر لمشاهد الدم والأشلاء يرفع احتمالات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب الحاد، واضطرابات النوم. مضيفًا: «كثير من الأطباء يكبتون مشاعرهم ليستطيعوا العمل، لكن هذا الكبت يتحول إلى انهيارات لاحقة قد تظهر بعد انتهاء الحرب».
ويحذر من غياب برامج الدعم النفسي: «إذا لم نتحرك الآن لتأمين جلسات علاجية، فإننا نزرع قنابل موقوتة ستنفجر في شكل أمراض مزمنة وفقدان للقدرة على ممارسة المهنة». داعيًا إلى إنشاء مراكز دعم فورية داخل المشافي، وتوفير فرق إغاثة نفسية دولية «قبل أن نفقد منقذينا إلى الأبد».
ويؤكد الدكتور منير البرش، مدير عام «وزارة الصحة» في غزة، أن «ما يشهده القطاع الصحي يتجاوز حدود الاستهداف العسكري إلى محاولة مدبرة لشلّ قدرة غزة على إنقاذ جرحاها ومرضاها».
ويشير إلى أن الأطباء والممرضين يعملون تحت ضغوط نفسية هائلة قد تدفع بعضهم إلى حافة الانهيار أو حتى التفكير في الانتحار، لولا إيمانهم العميق بسمو رسالتهم الإنسانية وإصرارهم على الاستمرار رغم كل شيء.
ويوضح لـ»القدس العربي» أن الكوادر الطبية باتت تعمل في ظروف «أقرب إلى ميادين المعارك»؛ فهي تنام في ممرات المشافي، وتجري العمليات تحت القصف وأصوات الانفجارات، وتضطر لاتخاذ قرارات إنقاذ سريعة في ظل انقطاع الأجهزة أو نقص التخدير والمحاليل.
ويحذر البرش من أن استمرار هذه الانتهاكات يهدد بانهيار شامل للمنظومة الصحية خلال أسابيع قليلة، مشددًا على أن المخزون الدوائي في معظم المشافي قد ينفد خلال أيام، في حين تواجه وحدات العناية المركزة خطر التوقف بسبب شح الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية.
ويطالب المجتمع الدولي بـ»تأمين حماية عاجلة للمشافي ومراكز الإسعاف» عبر تدخل أممي يضمن ممرات آمنة لوصول الإمدادات الطبية والوقود، إلى جانب دعم نفسي ولوجستي للطواقم التي تعمل بلا توقف منذ شهور.
ويناشد منظمات حقوق الإنسان بتوثيق الجرائم بحق العاملين الصحيين، داعيًا إلى «آلية رقابة دولية» تلزم سلطات الاحتلال بوقف استهداف الطواقم الطبية وضمان وصول المساعدات، مؤكدًا أن «إنقاذ الأرواح يجب أن يعلو على أي حسابات سياسية أو عسكرية».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية