علاقتي بالعراق علاقة عاطفية عاصفة، تخللها المضحك كالمبكي، ليدمغني وشمه الفراتي بكوبياء حبر ليله. كان هذا يكفي — مثل مسقط رأسي دمشق — لتشكيل تضاريس بنيتي الداخلية المؤلمة، والآتية من كوني ابنة ما بين القهرين في تاريخنا العربي الحديث، القهر الفاشي الذي تشكل في عام 1963 في هذين البلدين الساحرين.
لكن أثناء طفولتي في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، في منطقة شارع بغداد في دمشق (وأظن ان الطريق سمي كذلك لانه كان يخرجك من العاصمة السورية بإتجاه العاصمة العراقية براحة، بسبب تصميمه الحديث المستقيم، الذي رسمه مهندس تصور انه يرسم تفصيل مشروع التئام بلاد العرب، لا إختلاق بلاد الرعب كأوطان). كانت الحدود ما بين البلدين ما زالت مفتوحة ومرحبة كل الترحيب بالزائر.
في وقتها، شكل جارنا اللطيف بشير ابو قورة مكتب سفريات لينقل الركاب بين دمشق وبغداد خلال بضع ساعات، حيث كان لهم، مثلنا نحن، أقارب واحباء في كل من المدينتين. كان الأصدقاء من العراق يأتون لينزلوا عندنا، فلم تكن هناك فنادق جيدة في وقتها سوى فنادق المصايف، واصلاً، كان لا يمكن ان يسمح لضيف ان لا يتوج بوجوده صدر البيت. وأذكر من بين هؤلاء سيدة اسمها أديبة الشلبي، كانت صديقة العائلة، أبتكرت لي الاسم الذي ناداني به كل عراقي وعراقية فيما بعد: «رناوي عيني». كانت أديبة خانم كردية، متزوجة من تاجر شيعي من عائلة معروفة، ذكر بناتها بأسطر خلابة شاعرنا الكبير بدر شاكر السياب ( كما دنس فيما بعد اسمها بوضاعته الخسيسة السيد احمد الشلبي).
كانت الصداقة بين أديبة وجدتي لا يعتريها ابداً اختلاف المذهب أو الأثنية. كن نساء عصر غير عصرنا المنحط هذا، والضحك والفرح اللذان كانا يملآن بيتنا عند مجيئها لن أنساه في حياتي، رغم كل ما مر على بلادنا من ندب ودموع. لم تكن أديبة جميلة؛ كانت بدينة بعض الشيء، لانها عشقت تناول فطور الصباح من دبس التمر مع القيمر (وهي قشطة حليب الجاموس التي لم أعرفها استطاعت السفر بدونها ملفوفة بورقها الفضي، شمعية الملمس وناصعة البياض). كان الرجل العراقي البسيط في الشارع يستلهم من هذا الطعام الشهي، اذا ما لمح امرأة فاتحة اللون تمشي أمامه، ليصرخ أمام كل سامع: «سبحان ربي! هاي شنو؟ قيمر مال الله!».
حب أديبة للحياة وكرمها الفضفاض وأنوثتها الآسرة للرجال والنساء علمتني ان الجمال الخارق هو من أثقل الأعباء التي يمكن ان تحمله المرأة، اذ يخفي في طياته المأساة لا الراحة، والحظ النحس لا السعادة في الحب.
كانت أديبة قد كبرت حين عرفتها، ولكن بقي الحب دوماً في بالها، ولكن للآخرين. فحين تعرفت في دارنا ذات صيف على عمي، الشاعر نزار قباني، رفعت الكلفة معه على الفور وقالت له: «عروستك القادمة تعيش في بغداد، وستراها قريباً لتطلب يدها من والدها، لأنك لم ولن ترى مثلها في حياتك!» ضحك عملاق الغرام بالطبع، لانه كان يعيش وقتها، وبعد طلاق مفجع من قريبته زهراء أقبيق، كالهولندي الطائر في الاوبرا الشهيرة، يسافر بدون مغزى، ويمثل بلاده في الصين وإسبانيا ولندن. عاش في تلك المدن وغيرها، علاقات عابرة أغنت شعره بل أبقته في وحدة، لانه تصور انها ستكون نمط حياته الى الأبد.
مرت سنوات طويلة قبل ان يذهب الى بغداد، ليقيم أمسية شعرية هناك، ويتعرف على بلقيس الراوي، التي وقع في غرامها كما تنبأت له أديبة خانم على بلكون جدتي المليء بالفل المطبق الذي لا يزهر الا اذا سقي بماء فيه الصدأ.
رفض والد بلقيس ان تتغرب ابنته، وعاشا فترة مريرة بعيدين عن بعضهما، حتى جاء النصيب ودخلت هذه الملكة العراقية البديعة الى عائلتنا، لتجلب معها حبا لوطنها لم نعرف شبيهه نحن أهل الشام، اذ اعتدنا على ان نكون سكان أي أرض نصل اليها، الى ان غيرت الثورة طباعنا المتراخية، وفهمنا معنى وجع فقدان الوطن. كلما سافرا معاً الى بلد جديد او جميل، كان يقول لها شاعرها: «انظري، بلقيس! ما أجمل هذا، او ما أعظم ذاك». فتنظر بلقيس، بعينيها الواسعتين الخضراوتين (وفعلاً، كانتا «غابتا نخيل ساعة السحر»)، لتقول: «نزار، في العراق أكو أحلى!» فصارت هذه الجملة من تراثنا المحب والساخر في آن واحد.
ادخلت على حياتنا – وكنا عائلة مبعثرة غريبة الأطوار منزوية ومكتئبة، ذات هموم فنية او أدبية او موسيقية أو سياسية – وفاء جمعنا وكرما غمرنا. كما جلبت الى مطبخنا الشامي المطبخ العراقي القديم، بتأثيراته الآشورية والبابلية والهندية والبريطانية، فصار «شلغم كبة الحامض» من معارفنا، و»طرشي المانغا» يؤكل في شقة عين المريسة مع الكاري الذي يطبخ في راوة وبغداد والموصل، والذي لا يشبه في شيء الكاري الهندي الأصلي.
حين رفض والد بلقيس ان تتغرب ابنته، ربما كان لديه إحساس ان الغربة ستكون بمثابة مأساة عليها وعلينا جميعا. يومها، لبست بسرعة لتذهب الى عملها في السفارة العراقية (فقد كانت، مثل زوجها، موظفة في الدولة قبل قدوم البعث وقدوم الديكتاتور)، وتعطرت من قارورة عطر اسمه «شاماد» من صنع أول مؤسس عطر في فرنسا، الأنف الشهير «غيرلان»، ووصلت الى مكتبها لتشرب قهوة الصباح. ولكن عملاء طهران ودمشق كانوا في إنتظارها، ونسفوا المبنى بأكمله وبمن فيه، لتبقى تحت الأنقاض مدة تجاوزت الأسبوع، لم يقطع الأمل أثناءها عمي المدمر. حين وجد جثمانها، تعرف عليها فواز بيهم، زوج ابنة عمي هدباء، وفقط من ضفيرتها الطويلة. لم يستطع التكلم لمدة طويلة بعد ذلك.
يا بلقيس
ذهبت، وذهب معك عراقك الذي تعلمنا حبه من نظرتك، ليصبح مربط خيل ايران المجرمة، تماما مثل ما أصبحت سوريا نزار قباني.
رنا قباني
أرد هنا على من كتب من هولاندا، من دون اسم، تماماً كالشبح، مع انه يعيش بأمان ديموقراطي حرم منه العالم العربي. هل يليق به ان يتعنتر على فهمي للأمور ويصادر حقي في التعبير عن القمع الإيراني واستعماره لبلادي؟ سوريا والعراق هما بلاد الجميع، وليس ملك طائفة واحدة ولا امتداد لبدعة اسمها ولاية الفقيه، التي تجعل شعبها يموت من الجوع وهي تتاجر ‘بالمقاومة’ و بكل تجارات الفساد الاخرى. لك رأيك في هذا، ولي رأي. فارجوا ان تحترمه، و لا تقل لي ما علي كتابته! لعلمك فقط، حين جاء ممثل النظام السوري/الإيراني الى العزاء في بلقيس، رفض نزار قباني ان يسلم عليه، وقال: ‘ قتلوها و جاؤوا ليمشوا بالجنازة!’ فهل قصد نظام هولندا بهذا الكلام، يا ترى؟
رنا قباني
!حقك علي، يا اخي ثائر
اقصد النظام الإيراني، طبعاً، الذي خزل وقتل شعبه كما خزلنا وقتلنا النظام العربي الفاسد. نحن لن نرى مستقبل المنطقة الذي ينفض عنه بإذن الله كل البضاعة الكاسدة، التي دمرت أمال اجيال بأكملها، ولكننا نعرف من الماضي القريب ان حقنا في بلادنا لم يكن صعب المنال كما هو الان، بعد الحروب والكراهية الطائفية التي زرعت في النفوس. أرجو ان تزول كل جراحك ويزول حزنك على بلدك، و أدعو لك بالخير والعافية. رمضان كريم
إحترامي لكِ سيدتي، مصابكِ مصابنا والعكس صحيح. شكراً
الله يرحم روحها ويحرق روح المقبور حافظ وكل المجرمين
والله يرحم روح شاعرنا الحبيب نزار قباني ذهب جسدا ولكن لايمر يوم الا بذكره
ونيالك ان الشاعر الكبير يكون عمك ولي شرف ان اكون صديقة لكِ