أيمن عودة يطرح خطة إصلاحية لترتيب بيت الفلسطينيين وترشيد علاقات فلسطينيي الداخل بشعبهم

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: عشية انعقاد المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي يفتتح الجمعة وتستمر أعماله السبت عمّم النائب أيمن عودة (القائمة المشتركة) وبعده مؤتمر الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة مذكرة داخلية مطولة (70 صفحة) يدعو فيها إلى إصلاح سياسي عميق ولتجديد المشروع السياسي.

يشار إلى أن الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة التي ينتمي لها أيمن عودة (غير منظم بالحزب الشيوعي) هي إطار سياسي تحالفي أقيم غداة يوم الأرض الأول وفي صلبها الحزب الشيوعي الإسرائيلي وتضم أصدقاء ومقربين  للحزب الشيوعي وتعمل لجانبه كهيئة شقيقة له. أيمن عودة (43) الذي يعتبر من السياسيين الفلسطينيين المثقفين في الداخل يستهل مذكرته الإصلاحية بالقول: “من أعمق الأزمات التي تُصيب التنظيمات السياسية هي غياب المشروع! أو عجز القيادة عن الإجابة على السؤال: إلى أين هي تريد أن تقود الناس؟

مظلّة فلسطينية جامعة

بعد الدخول في الوضع السياسي العام للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل ينتقل أيمن عودة للحالة العامة للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات والمهجر ثم يعود مجددا للتركّز بقضايا فلسطينيي الداخل وبمكانة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة واستعرض مسيرتها ونقاط قوتها وضعفها طارحا رؤية واسعة وتفصيلية لإصلاحها مكتفيا بالحديث عن “الجبهة” لكنه يقصد الحزب الشيوعي طبعا وإن كان بشكل غير مباشر تحاشيا لحساسيات حزبية واعتبارات داخلية.

تمتاز هذه المذكرة بمراجعة نقدية لتجربة فلسطينيي الداخل منذ نكبة 1948 بالتركيز على الحلبة السياسية وعلى الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة التي ترأسها قبل أن ينتخب نائبا للكنيست في 2015 وعلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي تدعو بعض أوساطه لتغيير اسمه ضمن الإصلاحات إلى “الحزب الشيوعي في إسرائيل”.

ربما يختلف رفاقه أو مراقبين معه في التوصيف وفي الاستنتاج لكن عودة يستعرض الموجود والمفقود في حزبه وفي الحلبة السياسية الفلسطينية العامة خاصة في الداخل ويطرح أسئلة جريئة ومباشرة تنم عن رؤية متبصرة ونقد ذاتي ورغبة باستعادة مكانة الحزب والجبهة  سياسيا وشعبيا علاوة على نقد دور فلسطينيي الداخل في معركة شعبهم من أجل الحرية والاستقلال بين الموجود والمنشود حسب رؤيته هو.

وعلى المستوى الفلسطيني الجامع يؤكد أيمن عودة أن الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر والشتات، أبناء شعب واحد، لنا وطن واحدة وقضية بجوهرها واحدة، عانينا، جميعًا، وما زلنا من ذات المشروع الواحد، المشروع الصهيوني، لهذا فالأمر البديهي هو تعزيز وحدة شعبنا، وإنشاء تكامل وظيفي تنسيقي وإن اختلفت الحيثيات ومآلات الحلول”.

ويعتبر عودة أن الحفاظ على الهوية الفلسطينية يتجاوز تحديات الابتعاد القسري، لأنها بتميّزها العصري هو النضال المستمر من أجل الحقوق القومية، أي أنها بالإضافة إلى أنها تحمل أبعادًا ثابتة نسبيًا ككل هوية، ولكنها تحمل أبعادًا قيد التبلور الدائم وإضافة دائمة للمضامين الوطنية التي تُغذّي الهوية. ويضيف “فمثلا الثورات الفلسطينية هي إضافات دائمة كذلك شعر المقاومة والأيام الكفاحية حتى شهر أيار الأخير (2021) الذي ناضل الفلسطينيون من طرفي الخط الأخضر بانسجام مستجدّ”.

وبعد التوقف عند خصوصية الهوية الفلسطينية بمضامينها المتفاعلة يتساءل إذا كانت الدولة بكل مكان في العالم الوكيل الرئيسي لبناء الهويات، فهي تملك أجهزة التعليم والثقافة والإعلام وبناء الرموز والأيام الوطنية، فمن يعزز الهوية الفلسطينية لشعب يتميّز بأن غالبيته الساحقة تعيش خارج حدود هذه الدولة؟ وإذا كان الصراع مع الصهيونية من أبرز مضامين الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة فما هو معنى هذه الهوية بعد انتهاء الصراع؟ ومن هنا يستنتج بأن بناء مظلّة فلسطينية لكل الفلسطينيين، يعزّز الإنتماء الواحد ويقود مشاريع جامعة انتمائية وثقافية وحتى مشاريع تمكين وغيرها هو أمر مستحق فلسطينيًا.

من الوطني إلى السياسي: تحرر شامل أم تسوية؟

وضمن مراجعته لمسيرة وواقع ومستقبل الشعب الفلسطيني يتساءل عودة مجددا السؤال السياسي الأكثر مركزية فلسطينيًا منذ سبعة عقود ونيّف، وهو شكل الحلّ السياسي الذي أفضى إلى السؤال حول إقامة دولة فلسطينية في حدود الـ67، أم النضال من أجل الدولة الواحدة على سائر التراب الوطني؟ وعنه يقول “الإجابة على هذا السؤال هي أكثر ما يحدد الاستراتيجيات النضالية، مواطن القوة والضعف، نوع النضال، نوع التحالفات، مفهوم المواطنة خاصة لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل. هذا السؤال هو الأكثر مفصلية وعليه تتحدد الرؤى والاستراتيجيات وكل ما ذكرت أعلاه.

ويستذكر عودة موقفه المعروف هنا ويرى أن الحلّ الممكن الذي يجدر التشبّث به هو إقامة دولة فلسطينية بحدود الـ67 إلى جانب إسرائيل مشيرا لعدة مسوغات منها أنه بفضل هذا الحل ونضال الشعب الفلسطيني وتضحياته الجسام تمّ تحقيق اعتراف دوليّ شبه شامل بهذا الحل وكذلك إقناع نحو 50% من المجتمع الإسرائيلي وفق كل استطلاعات الرأي منذ عقدين من الزمان، وذلك بغضّ النظر عن تفاصيل هامّة حول الفجوة بين الموافقة المبدئية والاستعداد لدفع الثمن، وحول تفاصيل الحلّ.

وكذلك التقدّم بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية قبل نتنياهو (العام 2008) حتى تقريبًا 98% من الأراضي المحتلة بالعام 1967. ويتابع “هذه مقوّمات هامّة تحتاج إلى مراكمة نضالية متجددة كي تحسم إنهاء الاحتلال. وما النضال بالقدس بالذات بالأحداث الأخيرة (أيار 2021) إلا توطئة كفاحية لنضال مثابر نحو فرض إنهاء الاحتلال وترسيم حدود الدولة الفلسطينية”.

ويحذّر بشدّة من التخلّي عن هذه الإنجازات التراكمية العميقة، والهروب إلى الأمام نحو “حلّ الدولة الواحدة” الذي يشرعن الاستيطان بمناطق الـ67 دون مقدرة مدروسة على تحرير استيطان مناطق الـ48، وحيث لا قناعة ديمقراطية لدى الشعبين بذلك، وحيث لا تأييد دوليّ، وحيث يشكّل منفذًا لحكومة الاحتلال من دفع استحقاقاتها، وحيث الهيمنة الاقتصادية والمؤسساتية الإسرائيلية بنهب خيرات البلد وخلق فجوات هائلة لا يمكن التجسير عليها حتى لو تمّ الوصول إلى تسوية بعد سنوات طوال”.

ويمضي في امتداح تسوية الدولتين ويرى أن الشعبين قد يختارا نوعًا من العلاقة المنفتحة بين الدولتين على شكل كونفدرالي أو غيره بناء على الإرادة الحرّة لهما وهذه أقصر الطُرق وأكرمها لشكل من أشكال الدولة الواحدة بصيَغ يختارها الشعبان بديمقراطية.

ساحة نضال الفلسطينيين في إسرائيل

ويتركز عودة بالساحة المحلية ويستذكر قوله إن حسم هذه المسألة يؤثّر بتناول المواطنة والاستراتيجيات والتحالفات والمفردات لجميع أبناء الشعب الفلسطيني، خاصة المواطنون في إسرائيل، منوها إلى أن النضال لإقامة دولة فلسطين إلى جانب إسرائيل يؤكد أن ساحة نضال المواطنين العرب الفلسطينيين هي داخل إسرائيل وضمن المواطنة الإسرائيلية مهما كانت مشوّهة ومنقوصة، معتبرا إياها قوّة عظيمة (نحو 20% من المواطنين) لصالح إنهاء الاحتلال، حيث أن الرأي العام داخل الدولة التي تمارس الاحتلال هو العامل الثاني، بعد المقاومة، من أجل تحرّر الشعب الواقع تحت الاحتلال. ويرى بالتالي أن هذه المكانة للمواطنين العرب تفرض تحديات فلسطينية وأخرى إسرائيلية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وهنا يتساءل عودة المهتم دائما بالموازنة بين الوطن والمواطنة والعمل اليهودي العربي المشترك: إذا أراد المواطنون العرب الفلسطينيون داخل إسرائيل مساندة شعبهم الفلسطيني بإنهاء احتلال العام 1967، فهل من مصلحة هذا النضال أن يكونوا فلسطينيين فقط أم مواطنين متفاعلين في إسرائيل؟ أن يكونوا جزءًا من المجتمع الإسرائيلي – مع الاحتفاظ بالهوية الوطنية- أم الانسلاخ عنه، هل بناء شراكة مع قوى مناهضة للاحتلال، وجزء منها “يسار صهيوني” أم الانعزال عنها؟ عن ذلك يقول: أن تكون جزءًا من مجتمع لا يعني أن تكون جزءًا من شعب آخر، أو أن تتخلّى عن هويتك الوطنية وممارستها، أن تكون جزءًا من مجتمع يعني أيضًا أن تساهم بالقضايا الكبرى من أجل السلام، المساواة، الديمقراطية والعدل الاجتماعي، وبسائر القضايا الحياتية.

نحو تكامل وطني ووظيفي فلسطيني

ويتساءل أيضا ضمن نقده للسياسة الفلسطينية في الداخل بقوله إن هذه الأسئلة تتجاوز بُعد الهوية إلى الأسئلة السياسية والإفادة المتبادلة في صُلبها التنسيق لإنهاء الاحتلال، فهل العلاقة مع قيادة الشعب الفلسطيني يجب أن تقتصر على الزيارات والمشاورات بالمناسبات، أم بحاجة إلى تنسيق منهجي من أجل تحقيق الهدف الكبير وهو إنهاء الاحتلال؟

كذلك يوضح أن العلاقة بين طرفي الخط الأخطر لا تنحصر بالسياسة، فهناك علاقات اقتصادية وهناك آفاق عدة نحو استفادة الأكاديمية الفلسطينية من الطاقات العلمية اللافتة جدًا والمتصاعدة للأكاديميين الفلسطينيين مواطني إسرائيل وغيرها من الأمور التبادلية والإفادة المتبادلة هوياتيًا وسياسيًا واقتصاديًا وعمليًا وغيرها. ويعود عودة ويتساءل مجددا في نقد دبلوماسي غير مباشر لأداء السياسة العربية الفلسطيني في الداخل: فهل تبقى الأمور الوطنية والسياسية والاقتصادية والثقافية على عواهنها أم هناك حاجة لتكامل وظيفي سياسي، ثقافي واقتصادي بين طرفيّ الخط الأخضر وسائر أبناء الشعب الفلسطيني؟

وفي هذا المضمار يخلص عودة للتشديد على أن الأمور الوطنية تؤكد أهمية المظلة الفلسطينية الجامعة وأن الأمور السياسية تؤكد أهمية التكامل الوطني والوظيفي.

منظمة التحرير الفلسطينية

وينضم عودة للكثير من المراقبين ممن يرون أن منظمة التحرير الفلسطينية شكّلت وطنًا معنويًا للفلسطينيين منذ تأسيسها (1964) نظّمت الفلسطينيين وقادت نضالهم، وأحرزت اعترافات دولية، حتى انتزعت اعتراف إسرائيل وأنها تعاني من أزمات عدّة، منها الأزمة التمثيلية، موضحا أيضا أنها لا تمثّل الفلسطينيين داخل إسرائيل، وهناك عقبات جوهرية بمسألة تمثيل فلسطينيي الأردن لافتا إلى أن هذه الإشكالية التمثيلية تمّت بقرار ونوايا غير فلسطينيين.

في المقابل يرى عودة أنه مع إقامة حماس والجهاد الإسلامي، وبعد أن أصبحا إطارين لا يمكن تجاوزهما، تفاقمت إشكالية التمثيل الشمولي للمنظمة. وبخلاف بعض الأوساط وبما ينسجم مع التيار المركزي في السياسة الفلسطينية في إسرائيل يرى عودة أن الفلسطينيين في إسرائيل لا يستطيعوا أن يكونوا جزءًا من المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير، لأنه قد يخلق توترًا والتزامات لا يستطيع أن يحملها مواطن في دولة تحتلّ شعبه، يُنشئ توتّرًا زائد بين الإنتماء الوطني والمواطنة عند اتخاذ قرارات بأشكال نضالية كالكفاح المسلّح أو المقاطعة السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الأكاديمية وغيرها، ناهيك أن حالة منظمة التحرير بجوهرها وواقعها أنها حالة تحرّر لغير المواطنين.

ويتابع متوافقا مع قطاعات فلسطينية واسعة “تعاني المنظمة بالسنوات الأخيرة من ضعف تنظيمي وتآكل بمكانتها ومع ذلك فتبقى إطارًا جامعًا لأكبر الشرائح محققًا لمكاسب ليست فقط ببُعدها التمثيليّ، بل فرضت الاعترافات الدولية حتى فرض اعتراف إسرائيل، الدولة المحتلة، كما أسلفت. ولهذا قد تكون المظلّة الفلسطينية الجامعة فكرة نبيلة ولكنّها تساهم بإضعاف المنظّمة أو خلق توتّر، أو توفير منصّة لأعداء منظمة التحرير، لهذا قد تتداخل الفكرة النبيلة بمشاريع تفريقية للنيل من المنظّمة. وعلى خلفية ذلك يستنج أن مشروع وطني شامل ومستحقّ كهذا يجب أن يتمّ فقط بموافقة منظمة التحرير الفلسطينية، ويجب دراسة إمكانية أن يكون مرتبطًا معها بالشقّ الوطني الثقافي والتنموي.

وفي الناحية العملية يرى عودة بضرورة تأكيد أهمية وجود مظلّة فلسطينية جامعة، تأكيد أهمية تكامل وظيفي سياسي بجوهره (وقد يحمل أبعادًا تنموية وتمكينية) لمجموعات الشعب الفلسطيني، خاصة بين قيادة الفلسطينيين في إسرائيل وقيادة منظمة التحرير.

وبرأيه لا يتناقض الاقتراحان أعلاه مؤكدا أن مشروعي المظلة الفلسطينية الجامعة (المؤتمر الوطني الفلسطيني) لتعزيز الهوية والتمكين الفلسطينيين، والتكامل الوظيفي سياسيًا بالأساس، ولكن أيضًا تنمويًا واقتصاديًا، يجب أن يتمّا فقط بقرار من منظمة التحرير الفلسطينية وبتكامل مضبوط بالعلاقة معها معتبرا أن هذا الشرط أساسيّ لأي تقدّم ولأنهما جاءا ليعبّرا عن استحقاق وحاجة وطنية، عملية ومعنوية، فيجب أن يشرع النقاش مع المنظمة حولهما.

فلسطينيو الداخل بين مرحلتين

ويتوقف مطولا عند مسيرة فلسطينيي الداخل وانتقالهم من صدمة النكبة إلى المواجهة وبناء الذات من جديد وتشييد المؤسسات الجامعة كالأحزاب ولجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية للحكم المحلي علاوة على التطور التعليمي والثقافي الكبير. ويشير إلى أن التطوّر الأبرز في بناء أطرٍ وحدوية للمواطنين العرب كان في سنوات السبعينيات، ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها انتهاء الحكم العسكري وميلاد جيل جديد وصعود منظمة التحرير وغيرها.

وفي معرض انتقاده للجنة المتابعة العليا المظلة السياسية الأعلى داخل أراضي 48 التي أصابها الترهل كما حصل مع كافة الفصائل الفلسطينية التقليدية يقدم عودة عدة مقترحات من أجل تطويرها بمجالات عدّة لتوسيع تمثيليتها، وتعميق تأثيرها، وبالأساس أن تكون عنوانًا حقيقيًا وفاعلا لأوسع الشرائح في مجتمعنا: استكمال التمثيل الفوقي- الدروز والبدو كونهم جزء من شعبهم ما زالت إسرائيل تعمل لسلخهم عن شعبهم، التمثيل العامودي- بناء الاتحادات، اللجان الشعبية- لجان المتابعة المحلية، مركز العمل الوطني الجامع، البعثات الدولية الثابتة وإقامة صندوق وطني.

لحنة المتابعة العليا

وتحديدا بما يتعلق بلجنة المتابعة العليا التي تعاني من حالة ترهل يقترح عودة إعادة بنائها بالإصلاح والتعزيز ومن مقترحاته بناء خاص بها ولجانبه مبنى للجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية ومبنى للذاكرة الجمعية الفلسطينية وهو عبارة عن مسيرة المواطنين العرب الفلسطينيين قبل النكبة حتى اليوم، مع التأكيد على بُعديّ النكبة ومسيرة البقاء والنضال ومبنى للمكتبة الوطنيّة الفلسطينية، التي ستجمّع كل الأدبيات الوطنيّة الفلسطينية عمومًا والخاصة بالمواطنين العرب الفلسطينيين منذ النكبة ومبنى الدراسات والتخطيط الاستراتيجي.

إصلاح الجبهة

ودون التطرق مباشرة للحزب الشيوعي الإسرائيلي وهو بالأصل وليد الحزب الشيوعي الفلسطيني التاريخي يستعرض مكانة ودور الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة منذ تأسيها في الداخل غداة يوم الأراض التاريخي عام 1976 ثم يعاين وضعها بعيون نقدية ويدعو لضرورة أن تكون ملتزمة بدور وحدوي للجبهة في البلدات العربية.

ويقول في معرض انتقاداته إن الحقيقة الأولى تقول إن العائلية كادت تبتعد عن التشنّج منذ السبعينيات بسبب تحوّل المجتمع من زراعي إلى عمّالي، وصعود الخطاب الوطني ولكن لا شيء يؤجّج العائلية وأحيانًا الطائفية والانقسامات العمودية أكثر من انتخابات السلطات المحلية المتكررة، مرة كل عشر سنوات.

ويتابع “الحقيقة الثانية: حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية لم يخسر الحزب والجبهة أعضاءً كما خسرا من الغاضبين والمتذمّرين جرّاء انتخابات السلطات المحلية المتكررة. بعض منهم تحّول إلى خصوم وأعضاء بأحزاب أخرى”.

أيمن عودة الذي يواجه تيارا معارضا له داخل الحزب الشيوعي على خلفيات سياسية وشخصية يشدد على وجود “خطأ رؤيوي، وطني وتنظيمي، بشكل خوضنا انتخابات السلطات المحلية”. ويستذكر عودة عددا كبيرا من الدراسات التي تفضح قرارات إسرائيل بزرع الفرقة الطائفية في صفوف المواطنين العرب الفلسطينيين فيها مستخدمة الانتخابات وغيرها من الوسائل كفرض الخدمة العسكرية على الدروز الفلسطينيين.

ويوجه عودة اتهامات للجبهة بتورطها في خلافات محلية عادت عليها كيدا مرتدا في جولات انتخابية قطرية ومحلية كثيرة ويتساءل من الذي يجب أن يُنهي “حرب البسوس” المستمرّة منذ أربعين عامًا؟ عن ذلك يجيب بالقول “الأمر الثابت والأكثر استراتيجية هو أن تكون الإدارة الجبهوية قائدة وطنية وحدوية مهنية ونظيفة اليد وفي صُلب ذلك عادلة تجاه كل أفراد البلد قريبة من الناس تشرح سياساتها وتنجح بجعل الناس شريكة بهذه الرؤية والعمل”.

تجديد المشروع الثقافي: نحو مجتمع متعاضد، قادر وتقدّمي

ويشدد عودة أيضا على ضرورة التمهيد للمشروع السياسي الناجع بمشروع ثقافي حقيقي وعن ذلك يقول “نظرت إلى صورة أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي في كتابيْ المؤتمرين التاسع عشر والعشرين المنعقدين في ثمانينات القرن المنصرم، ووجدت أمرًا لافتًا وهو أن القيادة السياسية الأولى بامتياز للمواطنين العرب هي أيضًا القيادة الثقافية الأولى بامتياز أيضًا. كانوا قيادة الشعب المركزية بالبُعدين السياسي والثقافي في آن واحد”. مشددا على أن الثقافة هي الجبهة الخلفية والعُمق الحقيقي والروح لقدرة أي شعب على الصمود وتحقيق الذات والاهداف، هي التي تملك القوة على الرفض، التحريض، والتحدي وفرض الذات الجماعية.

ويعتبر عودة أن الحركة الوحيدة التي نافست الحزب الشيوعي بمشروع ثقافيّ وذلك منذ بداية الثمانينيات كانت الحركة الإسلامية منذ نشوئها، خاصة الجناح الشماليّ منذ أواسط التسعينيات حتى حظره. ويمكن القول إن حزب التجمع شكّل حالة أولية للمنافسة بسنواته الخمس الأولى، خاصة مع رفده بمثقفين ومحاضري جامعات ومديري جمعيات الذين انفضّوا عنه تباعًا بعد عقدٍ من تأسيسه.

نجاحات شخصية ومعوقات جماعية

ويستعرض عودة مسيرة فلسطينيي الداخل والتغيرات العميقة التي شهدوها تاريخيا جراء أسباب ذاتية وموضوعية مثلما يستعرض مسيرة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة وتراجع مكانتها وشعبيتها في السنوات الأخيرة. وعن ذلك يقول “حدث تراجع كبير في الدور القياديّ المناط في الناصرة سياسيًا وثقافيًا، حيث الإدارة الحالية للبلدية لا تشارك فعليًا بالهيئات التمثيلية للمواطنين العرب، والمشروع القيادي الوطني والثقافي معاكس للرؤية الوطنية للمواطنين العرب، لدرجة أن يكرر رئيس بلدية الناصرة دعمه لرئيس الحكومة اليمينيّ المتزمّت بنيامين نتنياهو. ومجمل العمل الوطني والثقافي للمواطنين العرب سيبقى معطوبًا دون مركزية الناصرة”.

وفي السياق يشير إلى أن “الجبهة” تلقت ضربة قاسية بانهيار المعسكر الاشتراكي، وضربات متتالية أثر الخصومة السياسية المستمرة في السلطات المحلية، وضربة عميقة بخسارة بلدية الناصرة.

خطة العناقيد

كما يتوقف عند ما يسميها أزمة الثقة بالذات الجمعية مشددا على ضرورة تغيير منهاج التعليم ومجمل السياسة التعليمية والتثقيفية بهذا الصدد  وضرورة تأمين الإدارة الثقافية الذاتية ويضيف “وحتى ذلك الحين فوجود تثقيف بديل منهجيّ هو أحد الأجوبة المرحلية حتى النجاح بتغيير المنهاج التعليمي وسائر التوجهات الرسمية. وحول ذلك سأفصّل لاحقًا”.

وعلى غرار مراقبين كثر يرى عودة أن لدى المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل نجاحات فردية تتكثّف بقوة في العقدين الأخيرين دون أن يرافق ذلك نجاحات جماعية موازية.

وفي معرض انتقاده لتراجع اليسار الفلسطيني يستذكر عودة أن تصريح المفكر الماركسي دكتور سمير أمين بأن الشيوعيين العرب “ترجموا الماركسية ولم يعرّبوها”. ويضيف في هذا المضمار”على اليسار، وأقصد تحديدًا الحزب الشيوعي والجبهة، الانتباه بحرص إلى ديناميكية من ثلاثة أبعاد: ابتعادهم عن الطبقات الضعيفة، وعن مجموعات هوياتية داخل المجتمع العربي، واستغلال الدين لإبعاد شرائح في صُلبها الشريحتين المذكورتين أعلاه. خطورة ما أذكره هو أن يُصبح التصويت حسب الهوية الفرعية وليس وفق القناعات الحرة”.

ويشير لوجود متدينين وتقليديين داخل الحزب والجبهة لكن من الخطأ أن لا يتسلم جبهويون مواقع دينية صرفة، من مساجد وإمامة وحج وعمرة وغيرها”.

وبعد توجيه انتقادات حادة للقائمة العربية الموحدة التي تنازلت عن القضايا السياسية الوطنية  يقترح عودة “خطة العناقيد”- مشروع تنظيمي نحو الانتخابات البرلمانية القريبة وهي خطة إصلاحية متعددة الاتجاهات منها التنبه لمناطق أهملتها الجبهة حتى اليوم مثل النقب وكذلك السعي لاستعادة الثقة لدى قطاعات من فلسطينيي الداخل كالبدو والطبقات الفقيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية