في السياسة، لا مكان للعواطف، ولا وجود لصداقات دائمة، ولا حلفاء دائمين.
مَنْ يراهن على قوة خارجية بوصفها سنداً ثابتاً، إنما يراهن على وَهْم.
التاريخ، القريب والبعيد، يعلّمنا درساً واحداً لا يتغير: الدول تتحرك وفق مصالحها فقط، وحين تتبدل المصالح يتبدل كل شيء معها، بلا تردد ولا التزام أخلاقي.
لذلك، التفكير الاستراتيجي الحقيقي لا يُقاس بعشرين أو خمسين عاماً، فهذه مدة قصيرة جداً في عمر الشعوب والدول، بل يُقاس بقدرتك على بناء مشروع ذاتي قادر على الصمود عندما ينفضّ الجميع من حولك.
التجربة الأفغانية مثال صارخ. الولايات المتحدة، القوة الأعظم في العالم، أمضت قرابة عشرين عاماً في أفغانستان. درّبت جيشاً قوامه مئات الآلاف، أنفقت أكثر من تريليون دولار، بَنَت مؤسسات، وصدّرت خطاب الدولة الحديثة والديمقراطية.
ثم، في لحظة حساب بارد، قرّرت أن الكلفة لم تعد تستحق. انسحبت خلال أسابيع، وتركَت خلفها نظاماً كاملاً ينهار كبيتٍ من ورق. المشهد الذي لا يُنسى لم يكن سقوط كابول بحد ذاته، بل آلاف المتعاونين الذين تُركوا في العراء، يتشبثون بعجلات الطائرات الأمريكية الهاربة. هنا تتعرّى السياسة من كل شعاراتها: لا وفاء، لا حماية، فقط مصلحة.
ومن يظن أن روسيا تختلف، فهو واهم. في سوريا، استَخدمت موسكو الأرض السورية كمختبر مفتوح لتجربة أسلحتها، وقدّمت للنظام في دمشق كل أشكال الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي. رُوّج لهذا التحالف على أنه «استراتيجي» وراسخ. لكن حين تبدّلت الأولويات، وحين استُنزفت روسيا في أوكرانيا، وحين ارتفعت الكلفة وانخفض العائد، بدأ التراجع الصامت: تقليص وجود، انسحابات مدروسة، وترك الحليف يواجه مصيره بأدواته الخاصة. مرة أخرى، لا زواج كاثوليكياً دائماً في السياسة.
ويكتمل المشهد بالنموذج اللبناني، الذي يُعدُّ من أوضح وأقسى الأمثلة على مصير من يربِط وجوده بالكامل بقوة خارجية. جيش لبنان الجنوبي بقيادة أنطوان لحد لم يكن ميليشيا عابرة، بل مشروعاً كاملاً بُني على تحالف مع إسرائيل دام نحو خمسة وعشرين عاماً. خلال تلك الفترة، كان هذا الجيش الذراع الأمنية لإسرائيل في جنوب لبنان، يحرس حدودها ويقاتل خصومها ويُدار مالياً وعسكرياً منها. كثيرون في صفوفه اعتقدوا أن هذا التحالف قَدَرٌ دائم، وأن إسرائيل لن تتخلى عنهم أبداً.
المأساة الحقيقية تكمن في النخب المحلية التي تبني مصير شعوبها على أوهام الحماية الخارجية، وتسلّم قرارها لعواصم بعيدة أو قريبة ، والأخطر من ذلك أن تُقاد المجتمعات بعقليات غوغائية.
لكن في أيار/مايو عام 2000، قرّرت إسرائيل الانسحاب. تم القرار في ليلة واحدة تقريباً، من دون خُطّة حماية حقيقية للحلفاء المحليين، ولا ضمانات، ولا حتى وداع سياسي. انهار جيش لبنان الجنوبي خلال أيام، وتحوّل آلاف من عناصره وعائلاتهم إلى لاجئين على أبواب إسرائيل، فيما تُرك آخرون لمصير السجون أو المنفى أو التصفية السياسية والاجتماعية داخل لبنان. أنطوان لحد نفسُه انتهى منفياً يبيع الفلافل في شوارع تل أبيب، بلا دَورٍ ولا وزن، كأداة انتهت صلاحيتها. الدّرسُ كان فاضحاً: طول التحالف لا يعني شيئاً عندما تتغيرُ المصلحة.
أما إيران، التي استثمرت لعقود في بناء ميليشيات عابرة للحدود في سوريا ولبنان والعراق، فليست استثناءً. أنفقت مليارات، سلّحت، درّبت، وربطت مصير هذه الجماعات بمشروعها الإقليمي. لكن عندما واجهت ضغطاً اقتصادياً وسياسياً خانقاً، وعندما شَعرت أن النار اقتربت من بيتها الداخلي، بدأت بالانكفاء.
تَراجعت، سَاومت، وتَقوقعت، وتَركت أذرعها مكشوفة في مهب الريح. هل استطاعت إيران أن تحمي أشهرَ رموزها الحليفة في لبنان حسن نصر الله الذي اصطاده الإسرائيليون وهو قابع عشرات الأمتار تحت الأرض؟ من اعتقدوا أنهم «محور مقاومة» اكتشفوا أنهم مجرد أدوات رخيصة قابلة للتضحية عند أول منعطف خطر.
هذه الأمثلة ليست حوادثَ معزولة، بل قاعدة ثابتة في العلاقات الدولية.
بريطانيا تخلّت عن عملائها في مستعمراتها، فرنسا انسحبت من إفريقيا تاركة أنظمة حليفة تتهاوى، والاتحاد السوفييتي انهارَ تاركاً خلفَه دُولاً ونُخباً بلا مظلة. القوى الكبرى لا تخون أحداً، لأنها أصلاً لا تعترف إلا بالمصلحة.
المأساة الحقيقية تكمن في النُخب المحلّية التي تبني مصير شعوبها على أوهام الحماية الخارجية، وتسلّم قرارها لعواصم بعيدة أو قريبة. الأخطر من ذلك أن تُقاد المجتمعات بعقليات غوغائية: شبّيحة ونبّيحة وزعران لا يفهمون من السياسة سوى التشبيح، ولا من السلطة سوى النهب، ولا من الوطنية سوى المُتاجرة بدماء الناس. هؤلاء لا يبنون دولاً، بل يحفرون قبوراً جماعية ويبيعون البشر والحجر برخص التراب من أجل مصالحهم الضيّقة القذرة ليصبحوا رموزاً للعمالة والسفالة والنذالة.
السياسة بعيدة المدى تحتاج عقولاً هادئة ورزينة، تفهم أن الحليف الخارجي قد يكون ورقة، لكنه لا يمكن أن يكون أساس البيت. البيت الذي يقوم على عُكّاز خارجي سينهار عند أول عاصفة. ومن لا يملك مشروعاً وطنياً ذاتياً، سيُستخدم ثم يُرمى في أقرب مزبلة. الحماية تكون دائماً من الداخل، وحتى السياسات الخارجية الناجحة لأي بلد لن تصمد طويلاً إذا كان الداخل هشاً. ومن لا يتعلم من أفغانستان وسوريا ولبنان والعراق، سيُكرّر المأساة نفسها بأسماء مختلفة. بئس الجماعات التي يقودها ثيرانٌ هائجة وكلابٌ مسعورة، لا ترى أبعد مما تراه الدجاجة أمام منقارها.
كاتب وإعلامي سوري
صحيح استاذ فيصل. نظام الشرع يراهن على الخارج ليستمد شرعيته. بينما لو راهن على السوريين، فالواضح انهم سيختارونه لو أجرى انتخابات لا يبدو انه يسعى لها او حتى يريدها.
لا أحد يروي غليلي بكلامه السياسي إلا أنت يا دكتور فيصل شكراً لكم
لقد أصبت استاذ فيصل . شكراً على هل كم من المعلومات والأمثلة المتشابهه والدقيقة. والتاريخ يعيد نفسه الأن
ان شاء الله سوريا موحده لكل السوريين بقيادة السيد الرئيس أحمد الشرع وكلامك على راسي استاذ فيصل بس بدك مين يفهم الكلام المشكله عم يطالبو الدولة بحرب مع إسرائيل ومشاكل الداخل السوري أصعب من إسرائيل وامريكا وكل الدول الأخرى والمشكله الأكبر مش راضين يفهمو ولا يقتنعو انه حكم الأقليات ذهب بدون عوده
كلام سليم
يسلم هل التم يادكتور فيصل يافخر السوريين
قد اسمعت لو ناديت حيا ولكن الايام كفيله بأن تثبت ماقلت ولو اتخذ اليوم قادتنا دول كقطر واليابان والسعودية مثال لعشنا اليوم وحدة سورية بحتة لا يشوبها خيانة او عمالة.
ولو وقفنا على مسافة واحدة من جميع الدول واثبتنا لهم اننا موحدين لما استخدمونا آلات نقتل بها بعضنا البعض
شكرا على هذا المقال دكتور
شكرا على المقال، مقاربات صحيحة فيها عبرة لمن يعتبر… رسالة واضحة للنظام السوري الجديد ، و لثيران السويداء و قسد ، و فلول الساحل …
أخطاء النظام الجديد في إعتماده على الخارج تسببت في قصف لهيئة الأركان في العاصمة.. ، لم يكن متوكلا على الله ، بل على تصريحات أو مواقف معادية مفخخة.. فكان ما كان..، تحالف مع أمريكا لقتال تنظيم الدولة ، خطأ استراتيجي آخر ، لن يساعد في استقرار البلاد ،
بل سيزيد من الإحتقان و التمذهب… و تعقيد المشهد السوري و استنزاف القوة العسكرية الناشئة في غير مكانها… في وقت لا تهدئ توغلات العدو جنوبا و إعتدائاته… ، و في وقت لا يعامل فيه مدنيين معتقلين من أسر تنظيم الدولة معاملة إنسانية منصفة.. و لا حتى “كأقلية” لها حقوق…
القادم سيكون حالكا على من يستحق و حاسما..٠
اللهم انصر الإسلام و المسلمين و اهزم الشرك و المشركين.. آمين…
التمسك بالخارج ليس إلا معاناة ودمار للوطن الارتباط بالخارج حتى لايرضي مطامح المتمسكين به هم اشبه بالعقرب يقدمون على الانتحار وهم اجبن من ذلك
تذكرة في زمن الضياع.
بالاضافة لذلك قام هؤلاء ب جريمة “سرقة الفرحة” بعد سقوط النظام البائد