للكاتب الفرنسي بول فاليري مقولة «إن التاريخ هو العلم الذي لا يتكرر مرتين». كثيرون لا يتفقون مع هذا القول، وكمثال لنتفحّص المشهدين التاليين:
الأول، واجهته شخصياً. ففي التسعينيات من القرن الماضي انسحبت أمريكا من منظمة التربية والعلوم العالمية (اليونسكو)، احتجاجاً وعقاباً لخروجها عن طاعة الإملاءات الأمريكية. لكن في إحدى جلسات المجلس التنفيذي لليونسكو، وقف المدير العام، يباهي بأنه ذهب إلى واشنطن وحضر اجتماعاً لأحد لجان مجلس الشيوخ الأمريكي ليدافع عن اليونسكو، ويرجو من أمريكا الرجوع إلى عضوية اليونسكو.
عند ذاك ثارت أحاسيس الكرامة عندي كعضو في المجلس التنفيذي، فوقفت محتجاً وقلت للمدير العام بأن ذهابه لواشنطن كان إهانة لكرامة اليونسكو، وخضوعاً لابتزاز أمريكي غير مقبول، وأن أمريكا هي التي يجب أن تأتي لنا وتطلب العودة، بل عليها أن تقدم الاعتذار لانسحابها الصّبياني الابتزازي. وكنت واثقاً، مع كثيرين غيري من الأعضاء بأننا لو فعلنا ذلك لرجعت أمريكا دون ضجّة.
تستطيع الكتلة العربية الإسلامية أن تنضمّ إلى مختلف التكتلات في آسيا وروسيا وأمريكا الجنوبية التي تنتفض لكرامتها واستقلالها، بدلاً من أن تكون دوماً ضحية الضغوط الأمريكية التعسفية
الآن في أيامنا الحالية تعود أمريكا لتنسحب من منظمة الصحة العالمية، واتفاقية التجارة العالمية، وترسل التهديدات المهينة إلى محكمة العدل الدولية وقضاتها. وهي جميعها عبارة عن عودة إلى سلوك مشين أمريكي في التعامل مع المؤسسات الدولية التي لا ترضخ للهيمنة الأمريكية بأية صورة من الصور.
السؤال: هل ستسمح الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، الممثلة لكل دول العالم الأخرى، بأن يعيد التاريخ نفسه وترسل الرسل ليتوسلوا، كما فعلت اليونسكو سابقاً وأهانت نفسها؟ أم أن هيئة الأمم ستضع كرامتها فوق هلوسات الحكومة الأمريكية وتجعل أمريكا تشعر بأنها هي التي تحتاج العالم وليس العكس؟ بل هل سنرى دولاً تتسابق بالتهديد، بأنها ستنسحب من المنظمة إن عادت وقبلت الإهانات الأمريكية، التي كما يبدو لا نهاية لها؟
ثانياً، مثال ثان مماثل للأول في روحه، وإن اختلف في صوره. إنه الاتصالات الكثيرة المتعاظمة الاستجدائية التلفونية بالرئيس الأمريكي ليتفضّل ويزور المنطقة العربية لينهي بجرّة قلم شجاعة أمريكية واحدة، موضوع الصّراع العربي الصهيوني وكل ملابساته. هذا الرئيس، الذي يتفنّن ويباهي بأنه فعل وسيفعل أكثر بكثير مما فعله الرؤساء الأمريكيون السابقون، طيلة ثمانين سنة، من دعم مالي وعسكري وعلمي وسياسي للكيان الصهيوني لإيصال الصهيونية إلى ما تريد: الاستيلاء على فلسطين كلها وأجزاء منتقاة من الأردن ولبنان وسوريا والعراق والسودان، وبعض دول الخليج وغيرها، وإنهاء وجود شيء إسمه الشعب العربي الفلسطيني، وإنما جعله مجموعات من اللاجئين، السابقين منهم واللاّحقين. هذا الرئيس، المندمج كلياً، شعورياً ودينياً على الأخص، في الأحلام والمؤامرات والهلوسات الصهيونية، هو الذي تترجاه هذه الجهة، أو تلك أن يأتي ليحل مشكلة هي إلى حد كبير من نتاج ممارسات بلاده الاستعمارية الاستئصالية طيلة ثمانين سنة، بسبب ضعف وترهّل النظام الدولي. هكذا يراد للكرامة العربية والإسلامية المهانة وللإرادة العربية والإسلامية الممزّقة المغلوبة على أمرها، ولذلك فما يفعله هؤلاء يذكرني بما فعله المدير العام لليونسكو سابقاً، فألبس اليونسكو ومعها هيئة الأمم المتحدة، لباس الذل والانكسار والخضوع للهيمنة على كل مقدراتها.
نحن هنا يصدق علينا ما قاله لورنس ديورل «بأن التاريخ هو تكرار مستمر لعيش الحياة الخاطئة». هذا الرجل في كل يوم يقول أقوالاً مهينة لهذه الجهة العربية أو تلك، ويعطي وعوداً للكيان الصهيوني معادية لنا ولحقوقنا ومضاددة لكل أحلامنا المستقبلية ومستهزأة بهذه الجهة العربية أو تلك، ومع ذلك نطلب ونستجدي، بالتلفون وبالسفر المتكرر إلى واشنطن، مع أننا لا نعود إلا باليد الخالية والوعود الكاذبة والتحذيرات المهدّأة. تحدث كل تلك التصرفات الغريبة مع أن أمريكا الآن هي في الداخل والخارج تواجه أشكالاً مستعصية من الأزمات المالية والاقتصادية والأمنية والعلاقات الدولية، وبالتالي تستطيع الكتلة العربية الإسلامية أن تنضمّ إلى مختلف التكتلات في آسيا وروسيا وأمريكا الجنوبية التي تنتفض لكرامتها واستقلالها وللعلاقات الدولية الحقوقية والقانونية، وتضغط على أمريكا بدلاً من أن تكون دوماً ضحية الضغوط الأمريكية التعسفية.
كاتب بحريني