لقد طال التجاوزُ التفكيرَ في الجنس الأدبي من منظور وجوده أو عدمه؛ فإشكاليته أعمق بكثير من الدفاع عن مشروعيته الأَنطولوجية. والقول بهذا نابعٌ من سببيْن:
أ- انتهاء السياق التاريخي الذي أنتج ظهوره بوصفه إشكالا تاريخيا، لا بوصفه اصطلاحا.
ب- لا يُمْكِن التفكير في هذا الإشكال- حتى لو تحيزنا داخل هذا المنظور أو ذاك- إلا من زاوية تاريخيته، والأنساقِ المعرفية التي كانت تعمل خلفه.
أما في ما يخص الأفق فلا ينبغي التفكير في هذا الإشكال إلا من خلال الإضافة التي تفتح التنظير على زوايا لم يتنبه إليها. لكن مهمتنا في هذا المقال غير مُحددة في صياغة هذا الأفق، بقدر ما هي نزوعٌ نحو توضيح ما يتخفى من أساس معرفي وراء التعارض بين المُناداة بضرورة التنظير للجنس الروائي (وبالطبع الأنواع المُنضوية تحته) انطلاقا من المعيارية، ورفض تقويضها (بما يعنيه هذا من توتر بين النص الفرداني وشبكة المعايير، لا بين النوع والجنس) والمُناداة بكون الرواية جنسا أدبيا مفتوحا لم يكتمل؛ أي أنها لم تكتمل بعد، بحكم كونها تنتمي إلى الخطابات الأدبية- لا الأقوال الجميلة- التي شكلت السياق الذي نشأ فيه كل من مفهوم الأدب بعد القرن السادس عشر (بيير ما شيري: فيم يُفكر الأدب؟)، وإشكالُ الجنس الأدبي في اتصال بتحول اللغات القومية الشفهية إلى لغات رسمية (سنُخصص مقالا لتوضيح هذه المسألة وحل التباسات كثيرة واردة حتى في الفكر الأدبي الغربي). نحن- إذن- أمام منظوريْن مُختلفيْن في فهم الرواية وإشكال المعيارية، لا أمام منظور واحد، ولا يُمْكِن لمُنظر الرواية (حتى المُبتدئ) أن يقفز عليهما، حتى لو كان يُريد التعبير عن رأيه الخاص، فلا بد له من تأطير هذا الرأي في سياقه الإشكالي، وإلا عُد عمله غيرَ مُكتمل، أو من باب العمل بفضيلة الحكمة المُهيمِنة على الذهنية العربية حتى في مجال العلم «كم حاجة قضيناها بتركها».
ما المنظوران المعرفيان اللذان يكمنان خلف هذا التعارض في النظر إلى الرواية على مُستوى المعيارية: ضرورتها أو نفيها؟ أظن أن بعض الإشارات المُفيدة- في هذا النطاق- موجودة عند روبرت مارتس في كتابه «أصول الرواية ورواية الأصول»، وعند جوليا كرستيفا في كتابها الشهير «نص الرواية». ومن الأكيد أن الأمر يتعلق بالمبدأ التكويني الذي يُؤسس توجهات الفكر الغربي في النظر إلى الكون وفهمه، والماثل في التراوح بين طرفي الثنائية (الثبات/ التغير). ويُمْكِن- في هذا الإطار- ربطُ التوجه الفلسفي والنقدي الذي يُنظر للإجناس الأدبي (وضمنه الرواية) انطلاقا من الحرص على مبدأ المعيارية برؤية إلى الكون تتصف بكونها مُتجانسة وتضع في صلب تفكيرها وحدته، بما يعنيه هذا الأمر من تماهٍ وتكرار وتسوير هوياتي كلي وكوني. وإذا ما عانى هذا المنظور من التغير الذي يُلاحظه من حوله أرجعه إلى وحدة مُتعالية خفية تُلجم حركة التاريخ.
كما يُمْكِن ربط التوجه الفلسفي والنقدي الذي يُجهز على معيارية الجنس الأدبي أو على الأقل يجعلها قابلة للتقويض، وربط التوجه القائل بعدم معيارية الرواية (ميخائيل باختين: «جمالية الرواية ونظريتها»)، برؤية إلى الكون قائمة على تغليب نزعة التغير والتعدد، وما يرتبط بهما من هجانة، وانفتاح غير محدود على كل الخطابات الأدبية ونصف الأدبية. ويتضح من هذا التوصيف النظري أن التوجه الأول يتصل بفلسفة الثبات، بينما يتصل التوجه الثاني بفلسفة التغير. لكن ينبغي التنبه إلى ما أسسه باختين في كتابه الرائع «أعمال فرنسوا رابلي والثقافة الشعبية» من جدلية بين الموت والحياة في الكرنفال الذي يُعَد الإنتاجَ الرمزي المُعبر عن الثقافة الشعبية. لماذا؟ لأن هذا الأخير يُعَد- حسب ميخائيل باختين- أحدَ الأصول الرئيسة التي تُكون الشكل الروائي، وتُوجه حياته في الزمن؛ ومن ثمة فهو شكلٌ يحمل في بنيته تلك الجدلية بين الموت والحياة، لا بوصفهما حديْن يتعاقبان أو يتراتبان، الواحد بعد الآخر، لكن بِعَدهما يعملان في الآن نفسه ويتداخلان في عملهما. وإذا كان باختين يربط هذه الجدلية بين الموت والحياة بتجدد عناصر الكون فالشكل الروائي يعمل بمُوجب المنطق نفسه؛ إذ هو صيرورة مُنفتِحة على التجدد، وعلى التجديل بين ما استنفد مهامه (الموت) وما يلوح في الأفق في هيئة إمكان جدة (الولادة).
يمكن افتراض صيرورة من التجديل أخرى بين الثبات والتغير إلى جانب الجدلية الباختينية المذكورة أعلاه، لا بغاية إقامة نوع من التسوية بينهما، وإنما بقصد الرؤية إلى مُمْكِن كل طرف منهما من مُمْكِن الطرف الآخر. ولا بد لنا في هذا النطاق- وكما أشرنا في إحدى مقالاتنا السابقة – وجود بنية من التمثيل خاصة بكل جنس على حدة، وتتصل هذه البنية من جهة بصيغ إمكانية مُهيكِلة للتعبير الإنساني (لايبنتز)، ومن جهة ثانية بالتمثيل في بعديه: أ- الميتافيزيقي (استهداف غير المتناهي في الشعر). ب- الملموس- الحسي (استهداف المتناهي كما هو الحال في الحكي، لا السرد الذي لا يُعَد مقولة إجناسية). ويُضاف إلى هذيْن البُعْدَيْن بُعْدٌ ثالث يتمثل في التجديل بينهما (كما هو الحال في الدراما). ويُمْكِن عَد النوع الروائي (استنادا لمفهوم النوع عند أرسطو في علاقته بالهوية؛ حيث يُعَد وسطا بين المادة والجنس، أو وظيفةَ شكل) بمثابة تنويع تاريخي على بنية التمثيل، بينما يعد النص مجال تراكم التغير أو التحول حيث البعد المادي واردٌ بكل تأكيد.
تظل المُشكلة قائمة مع ذلك، خاصة حين نُفكر في كيف تُتعرف الهوية الإجناسية للإنتاج الأدبي ونوعيته. ما الذي يجعل الكاتب الذي لا يتوافر له الاطلاع على مُشكلات الأدب الإجناسية، والقارئ أيضا، يتعرفان هوية هذا النص أو ذاك بوصفه ينتمي إلى هذا الجنس، أو إلى هذا النوع؟ وتزداد المُشكلة حدة حين يتعلق الأمر بالرواية؛ فلا شك أن سؤال الذاكرة الأدبية واردٌ هنا بكل تأكيد، ولا ينبغي أن ننسى أن عددا ممن نظر إلى الجنس الأدبي عده ذاكرة، أو مُماثِلا لها. والنقاش مطروح في هذا الاتجاه، سواء اتفقنا أم اختلفنا. ويُتخذ من تكرار الخاصيات الجمالية معيارا أساسا في صياغة الأسئلة المُتعلقة بهذا الجانب كما هو واردٌ عند إيزابيل دوني. وسنُخصص المقال المُقبل لمُناقشة هذا الطرح.
أديب وأكاديمي مغربي
عبد الرحيم جيران
نهارك سعيد يادكتورعبدالرحيم…نحن الآن ( جيران ) في صفحة واحدة..مقالك الجديد نقلة من النظرية إلى التطبيق بعد التمهيد…واصل العطاء للمزيد ؛ قلة من المفكرين أمثالك هم الذين يعلمون ما يفعلون أويكتبون وفق منهجية المعرفة للتواصل بين السبب والنتيجة…وفقك الله الرحمن.
صباح الخير صديقي العزيز د. جمال، يسعدني كثيرا أن نكون دوما جيرانا في الأجمل، وفي هذا الفضاء المعرفي العربي، كل ما أُسوِّده لا يتعدّى محاولةً للاقتراب من السؤال الخاص، ومن بناء أخلاق كتابة جديدة غير مرتهنة بالتبعية، أو بتبني الأفكار من دون موضعتها في سياقها المعرفي. مودتي التي لا تنتهخي أبدا.
:
دجاجة القاضي
:
قصة جميلة تحاكي بعض واقعنا المعيب
جاء رجل إلى محل دجاج ومعه دجاجة مذبوحة يريد تقطيعها فطلب منه صاحب المحل تركها والعودة بعد ساعة لأخذها
مر قاضي المدينة على صاحب محل الدجاج وقال له : أعطني دجاجة.
فأجابه: ليس عندي إلا هذه الدجاجة، وهي لرجل سيرجع ليأخذها.
فقال القاضي : أعطني إياها وإذا جاءك صاحبها قل له إن الدجاجة طارت، فإن اعترض دعه يشتكي ولا يهمك. ثم أخذ القاضي الدجاجة وذهب.
وجاء صاحب الدجاجة إلى محل الدجاج كي يأخذ دجاجته، فأخبره صاحب المحل بأنها طارت. فغضب صاحب الدجاجة وقال : هل أنت مجنون؟ لقد أحضرتها وهي مذبوحة فكيف تطير وهي ميتة !!!؟ هيا نذهب للقاضي، حتى يحكم بينا ويظهر الحق …
وأثناء ذهابهم للقاضي مرُّوا بمسلمٍ ويهودي يقتتلان فأراد صاحب محل الدجاج أن يفصل بينهما ولكن اصبعه دخلت في عين اليهودي ففقأتها.
تجمع الناس وأمسكوا بصاحب محل الدجاج وجرّوه إلى عند القاضي، وعندما اقتربوا من المحكمة أفلت منهم وهرب ودخل مسجداً وصعد فوق المنارة فلحقوا به… فقفز من فوق المنارة ووقع على رجل كبيرٍ فمات الرجل الكبير .
جاء ابن الرجل ولحق بصاحب محل الدجاج وأمسكه هو وباقي الناس وذهبوا به إلى القاضي
فلما رآه القاضي تذكر حادثة الدجاجة وضحك .وهو لا يدري أن عليه ثلاث قضايا:
سرقة الدجاجة وفقء عين اليهودي وقتل رجل كبير في السن ..
عندما علم القاضي بالقضايا الثلاث أمسك رأسه وجلس يفكر، ثم قال :
دعونا نأخذ القضايا واحدة واحدة… نادوا أولاً على صاحب الدجاجة
قال صاحب الدجاجة : هذا سرق دجاجتي وقد أعطيته إياها وهي مذبوحة، ويقول أنها طارت، كيف يحدث هذا يا سيادة القاضي ؟؟
قال القاضي : هل تؤمن بالله، قال : نعم ، قال القاضي : يحيي العظام وهي رميم .. قم … فما لك شيء عند الرجل… احضروا المدعي الثاني.
جاء اليهودي وقال : هذا الرجل فقأ عيني …! فقال القاضي لليهودي : العين بالعين والسن بالسن، لكن دية المسلم لأهل الذمة النصف …! يعني نفقأ عينك الثانية حتى تفقأ عينا واحدة للمسلم، فقال اليهودي : لا لا أنا أتنازل عن الإدعاء عليه. فقال القاضي : أعطونا القضية الثالثة.
جاء ابن الرجل المسن الذي توفي وقال : هذا الرجل قفز على والدي من فوق منارة المسجد وقتله …! فقال القاضي : اذهبوا بالمتهم الى نفس المكان، واصعد أنت فوق المنارة وتقفز عليه …! فقال الشاب : لكن ياحضرة القاضي إذا ما تحرك يمنة أو يسرة يمكن أن أموت أنا، قال القاضي : والله هذه ليست مشكلتي، لماذا لم يتحرك والدك يمنة أو يسرة ؟؟ فقال الشاب : لا.. لا أريد شيئا منه وأتنازل عن الادعاء عليه.
الخلاصـــــة: هناك دائما من يستطيع إخراجك مثل الشعرة من العجين إذا كان عندك دجاجة تعطيها للقاضي
تضيع الحـــــقوق بفســـــاد العدالة.
هكذا هي عدالة ألمنطق أليوم
دكتورسامي الشيخلي : قصتك الرائعة العبرة…أضحكتني جداً بعد غداء عراقي ثقيل المزاج…أراحك الله من الدجاج ومن ذرية الحجاج.