في زحمة الأخبار العاصفة، سيندّ هذا الخبر برأسه غير هيّاب أو خجول: «إيمانويل ماكرون يطلب من إميلي البقاء في باريس». لكن الخبر الخجول سيتحوّل هو نفسه على الفور إلى خبر عاصف، ترند بلغة هذه الأيام.
إميلي هي شخصية أمريكية في المسلسل الأمريكي «إميلي في باريس»، الذي يعرض الآن على «نتفليكس» في موسم رابع. مُشاهَد على نحو واسع، رغم الانتقادات والمآخذ العديدة للفرنسيين على العمل، والتي لم تصل إلى درجة خروج تظاهرات تطالب بإيقاف المسلسل، أو تدعو لمقاطعة منصة العرض الشهيرة.
كثيرون حول العالم قرروا زيارة المدينة إثر لقطة أظهرها المسلسل الأمريكي. بل إن الفرنسيين أنفسهم عظمت أمكنتُهم بأعينهم بعد رؤيتها على الشاشة
انتقادات كان لها، لو طالت أمكنةً أخرى من العالم، أن تُسقط جبلاً لا مسلسلاً وحسب. خصوصاً أن في العمل تنميطات للشخصية والمجتمع الفرنسيين، يمكن بسهولة أن تعتبر طعناً في الكرامة الوطنية، لكن هيهات أن يلتفت الفرنسيون إلى هكذا أشياء، فهم أنفسهم يتهكّمون (من أنفسهم)، وقد يفاجأ متعلّم اللغة الفرنسية مثلاً بمنهاجهم الذي يدرّس تلك الأشياء التي «تفضح» المجتمع الفرنسي.
عائلة ماكرون كانت لمرتين على تماس مع أجواء المسلسل، في الثانية تظهر السيدة ماكرون بشخصيتها الحقيقية عندما تلتقيها إميلي مصادفة في مطعم لتلتقط صورة معها. وجاء ذلك إثر زيارة لبطلة المسلسل ومخرجته للسيدة ماكرون في قصر الإليزيه.
لكن ليس هذا هو السبب الذي يجعل ماكرون متمسكاً ببقاء إميلي في بلاده. السرّ في أن المسلسل يسهم، بهذه الدرجة أو تلك، في تنشيط حركة السياحة إلى العاصمة الفرنسية. كثيرون حول العالم قرروا زيارة المدينة إثر لقطة أظهرها المسلسل الأمريكي. بل إن الفرنسيين أنفسهم عظمت أمكنتُهم بأعينهم بعد رؤيتها على الشاشة، فزادت شعبية مخابز ومقاهٍ ومتاحف وساحات وحدائق.
إذن فقد أبدى الرئيس الفرنسي رغبته في أن يستمر مسلسل “إميلي في باريس” في اعتماد العاصمة الفرنسية مسرحاً لأحداثه، معرباً عن “فخر كبير” بظهور زوجته الخاطف في إحدى حلقات العمل. ذلك التمسك يأتي بعد أنباء عن رحيل المسلسل إلى روما، العاصمة الإيطالية، التي دخلت في جدال مع الرئيس الفرنسي في محاولة لإثبات أحقية لها في قلب إميلي في الموسم الخامس من العمل.
أكد الرئيس الفرنسي: «سنحاول التصدي بقوة لذلك. وسنطلب منهم البقاء في باريس. «إميلي في باريس» يفقد معناه إذا انتقل إلى روما».
عمدة روما أجاب بروح مرحة، تخلو من قتالية ماكرون: «إميلي في روما مثالية. يجب ترك القرار لإميلي نفسها. ثم إن هناك قضايا أكثر أهمية يجب على ماكرون التركيز عليها، بدلاً من محاولة التأثير على قرارات إنتاج نتفليكس».
وأضاف: «أودّ أن أصدق، أو على الأقل آمل، أن ماكرون كان يمزح، لأنه يجب أن يعرف أن شركة إنتاج مثل نتفليكس لا تتلقى أوامر من رؤساء الدول، أو تتخذ قرارات بناء على ضغوط سياسية».
واستطرد العمدة: «على سبيل المثال، هناك حربان قائمتان في أوكرانيا والشرق الأوسط، وهناك إعصارٌ مروّع ضَرَبَ أمريكا، ومرتبطٌ بالتغيّر المناخي، وبعض الأمور الأخرى التي تهم ماكرون في أوروبا، والتي هي أكثر أهمية من إميلي، كما أتصوّر».
وبلغت درجة الحماس عند عمدة العاصمة التاريخية الشهيرة إلى حدّ القول: «من وجهة نظرنا، فكرة وجود إميلي في إيطاليا منطقية للغاية. نرى أن انتقالها إلى روما تأكيدٌ على أن مدينتنا أصبحت أكثر أهمية، ونحن مرتاحون تمامًا لقرارات نتفليكس الإنتاجية. إنهم يعرفون ما يفعلونه. ولكي نكون صادقين، نعتقد أن على السيد ماكرون أن يسترخي فقط».
قد يستمر جدل المدينتين إلى ما لا نهاية، وصحيح أن قلب إميلي، وحبكتها، قد وقعا في شِباك العاصمة الإيطالية، مدينة التلال السبعة، فعلى ما يبدو اخترعت لها الحبكة وظيفة هناك، وحبيباً، إلا أن ليس من المستبعد أن يتدخل مزاج ماكرون، أو قد يؤثر من باب جبر الخواطر، فتبقي الحبكة الباب مفتوحاً لحبيبين يقضيان شهر العسل في مدينة الأنوار. وقد علّمَنا مسلسلٌ سوري (باب الحارة) أن هناك ألف طريقة وطريقة للتدخل في الحبكة، من دون أن يفكر الجمهور لحظة بالانفضاض عن المسلسل، مهما بلغت مواسمه.
قد تأخذنا المخيلة إلى إميلي في بيت لحم، أو الخليل، أو غزة، وهذا مسلسل لن تقوى عليه مخيلة رحيمة
السهولة التي يجري فيها الحديث عن تعديل حبكات، وشخصيات، ومواقع تصوير، لا بدّ أن تثير شهية مدن عربية تحلم بإميلي، ما دام ذلك وارداً، لمَ لا! نراهن أن ذلك سيحدث، وقد نشهد عروضاً مغرية، على طريقة شراء لاعبي كرة القدم.
لكن ماذا حقاً لو استطاعت إحدى مدننا الحزينة أن تنتزع إميلي ولو لحلقة، أو مشهد؟
مدننا الجميلة ليست ودودة مع الأجانب وحسب، إنها تحملهم حقاً، قدر ما تستطيع، على أكفّ الراحة والضيافة والبسمات، لكن أولئك هم الناس، أما حكوماتهم وظروفهم السياسية فلا بد أنها ستحوّل مزاج المسلسل الكوميدي الرومانسي الفاتن إلى مزاج قاتم، وليس من المستبعد أن نرى إميلي في أحد سجون السيسي، أو ملقاة على طريق مصري صحراوي لاهب كالناشط الإيطالي ريجيني، مخطوفة في العراق، لا يعرف لها أحد مطرح في سجون النظام السوري، مُرَحّلة من دبي إثر ارتداء كوفية فلسطينية، مطرودة من تونس جراء انتقادها لتراجع حقوق الإنسان.
لا نريد الاسترسال أكثر، فقد تأخذنا المخيلة إلى «إميلي في بيت لحم، أو الخليل، أو غزة»، وهذا مسلسل لن تقوى عليه مخيلة رحيمة.
* كاتب من أسرة «القدس العربي»
هل إميلي حفيدة النعجة دوللي؟
ولماذا دحشت غزة وأقحمتها في النهاية حيث كانت امورك ماشية وتمام التمام وعال العال إلى ان أقحمت غزة في مالاناقة لها فيها ولا جمل.
الله يرضى عليك، اذكر بغزة بخير او الصمت افضل انباءا من الكتب.
يبدو أن ماكرون يتمسك بـ”إميلي في باريس” ليس فقط لأن المسلسل يروج لصورة المدينة، أو لأن إيميلي لم تزر بعد كل الأماكن في باريس، بل لأنه يعرف تمامًا أنه مع قرب نهاية ولايته، يحتاج إلى كل كفاءة ممكنة لتعزيز صورته مع تراجعه في الاستطلاعات. فمع كل نقطة مئوية تفقدها شعبيته، قد يصبح من الواضح أكثر أن ماكرون يحتاج أيضا إلى إيميلي نفسها كخبيرة تسويق، وربما يطمح مع نجاح السلسلة لاقتناص ظهور في بعض الحلقات، مع أني متأكد من أن أسلوب إيميلي في تقديم فرنسا للأمريكيين لا يتماشى تماما مع كيفية رؤية هاته الأخيرة من قبل الفرنسيين. فهل يمكن لعقلية تسويقية أمريكية أن تتناسب مع واقع سياسي فرنسي معقد؟ لا أعتقد ذلك، فحتى إيميلي بعواطفها الأمريكية لا تستطيع تبديل آراء الفرنسيين، ومهما أظهرت لهم مدى روعة المدينة، فهم يعرفون أنهم لا يأكلون “الكليشيهات”. و ماكرون ربما يحتاج إلى كسب بعض النقاط في مؤشرات مثل معدل التأييد الشعبي، ووعي الناخبين بالسياسات، ورضا المواطنين عن الأداء الحكومي. لكن مع إيميلي، أخشى أن تحاول أن تُظهر للفرنسيين أن بطء استجابة الحكومة للمشاكل الاجتماعية هو مجرد “تحد تسويقي” بتحويل هذه القضايا إلى محتوى على إنستغرام!!
…(تتمة)…لذا، يا ماكرون، إذا كنت حقًا ترغب في رفع مؤشراتك، اترك إميلي تذهب إلى روما حيث يمكنها مساعدة ميلوني، التي تحتاج فعلاً إلى جهود تسويقية أكبر، بينما أنت تحتاج إلى “جرعة من الإلهام” لإعادة الثقة في حكومتك!
جلد للذات لا يقدم وإن كان أحيانًا … يؤخر.
شكراً أخي راشد عيسى. كنت أفكر في كتابة تعليق لكن عندما وصلت إلى الخاتمة تراجعت لأنها أكثر من رائعة! وعندما قرأت التعليقات وجدت أن الخاتمة أعطت مفعولها على الألباب. وكم أحب أبو العلاء المعري! شاعر الفلاسفة وفليسوف الشعراء، مع جزيل الشكر للمعلقين أيضاً.