طهران- «القدس العربي»: بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على مقتل علي خامنئي، المرشد الإيراني الأعلى وأحد أبرز الشخصيات السياسية والدينية والمثيرة للجدل في تاريخ الجمهورية الإسلامية، في غارة جوية إسرائيلية (28 فبراير/ شباط 2026)، أُعلن عن بعض تفاصيل مراسم تشييعه ودفنه، إلا أن موعدها لم يُحدد بعد. وحسب مسؤول إيراني، من المقرر أن تُقام مراسم التشييع في ثلاث مدن هي طهران (العاصمة)، وقم ومشهد، على أن يُدفن خامنئي في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد.
وفي الغارة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مكتب ومنزل خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وسط طهران، قُتل إلى جانبه ابنته وصهره وزوجة ابنه وحفيدته الصغيرة. كما قُتل عدد من كبار القادة العسكريين، من بينهم وزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وقائد الحرس الثوري، ورئيس المجلس الأعلى للدفاع. وقد دُفن جميع هؤلاء الأشخاص، إلا أن مراسم تشييع ودفن خامنئي لم يُعلن عنها حتى الآن.
وتتحدث بعض التكهنات عن احتمال إقامة التشييع في يوم عاشوراء من شهر محرم، لكن لم يُعلن أي شيء رسمي ونهائي بهذا الشأن حتى الآن.
وكان من المقرر في البداية أن تُقام مراسم التشييع في الأيام الأولى من شهر مارس/ آذار الماضي، إلا أنها أُجّلت بسبب ظروف الحرب، واحتمال استئناف الحرب، والاعتبارات الأمنية، والحاجة إلى تجهيز البنية التحتية اللازمة لاستقبال الحشود الضخمة.
ورغم مرور نحو شهرين على إعلان وقف إطلاق النار، فإن الأوضاع في إيران لم تعد إلى طبيعتها بعد، فما زالت المدارس والجامعات مغلقة للتعليم الحضوري، ويستمر التعليم عن بُعد، كما أُلغيت العديد من الفعاليات العامة، ومن بينها معرض طهران الدولي للكتاب الذي أُقيم افتراضياً، وكذلك لم تُستأنف مباريات كرة القدم بحضور الجماهير منذ اندلاع الحرب، كما أن رئيس الجمهورية لم يظهر في أي مناسبة عامة سوى في عدد محدود من الفعاليات.
قال نائب رئيس بلدية طهران، محمد أمين توكلي زاده، إن إقامة مراسم تشييع «القائد الشهيد» في مدن طهران وقم ومشهد أمر محسوم، وقد خُصصت ثلاثة أيام لتوديعه، على أن تستمر مراسم التشييع في طهران لمدة لا تقل عن 24 ساعة. وأضاف: «نحن نستعد لاستقبال أكثر من 15 إلى 20 مليون شخص في العاصمة. وسيكون مكان دفن الإمام الشهيد وفقاً لوصيته وتوصيات المقربين منه، في مرقد الإمام الرضا، حيث سيوارى الثرى هناك.»
ويقع مرقد الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية، في مدينة مشهد شمال شرقي إيران. كما دُفن في هذا الحرم عدد كبير من علماء الدين الشيعة والشخصيات السياسية، ومن بينهم الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي الذي قُتل في حادث سقوط مروحية غامض خلال السنة الثالثة من رئاسته
(19 مايو/أيار 2024) شمال غربي إيران.
وكان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي من مواليد مدينة مشهد، وقد شغل منصب رئيس الجمهورية لمدة ثماني سنوات، ومنصب المرشد الأعلى لإيران لمدة 36 عاماً.
ولم يعلن نائب رئيس بلدية طهران الموعد الدقيق لإقامة مراسم تشييع ودفن خامنئي، لكنه قال إن من المحتمل أن تُقام في أواخر شهر ذي الحجة وبداية شهر محرم (يونيو/حزيران 2026). وحسب توكلي زاده، ما تزال الطلبات تتوالى من مختلف المحافظات لاستضافة مراسم تشييع جثمان «القائد الشهيد»، إلا أن التشييع سيقتصر على ثلاث مدن فقط: طهران، وقم، ومشهد.
وتُعد قم، بسبب وجود مرقد السيدة المعصومة شقيقة الإمام الرضا، ثاني أقدس مدينة في إيران بعد مشهد، كما تضم الحوزة العلمية في قم التي يدرس فيها آلاف علماء الدين الشيعة، وتُعرف المدينة أيضاً بأنها عاصمة الإسلام السياسي في إيران، نظراً لوجود أبرز رجال الدين الشيعة المؤيدين للجمهورية الإسلامية فيها.
كما أعلن نائب رئيس بلدية طهران توقع مشاركة أعداد كبيرة من الشيعة القادمين من دول شرق إيران في مراسم التشييع بمدينة مشهد، وقال: «من المرجح أن تكون أكبر نسبة من المشاركين القادمين من خارج البلاد من الدول المجاورة شرق إيران. ومن المحتمل استقبال الأعزاء من باكستان وأفغانستان والهند وبنغلادش، إضافة إلى أبناء كشمير، في مشهد.»
وأضاف: «سيكون تشييع القائد الشهيد تشييعاً مختلفاً. فنحن نُشيّع أكبر قائد عالمي في مواجهة الاستكبار، وأبرز قائد في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ومرجعاً دينياً كبيراً، وقائد الثورة الإسلامية.»
وتابع نائب رئيس بلدية طهران: «سنشهد أكبر تجمع للشيعة، بل وربما للمسلمين عموماً. وحتى الآن ما تزال الطلبات تتواصل للمشاركة في هذه المراسم من مختلف التيارات.»
كما قال إن خيار إقامة مراسم تشييع لخامنئي في العراق مطروح أيضاً، إلا أنه لم يُتخذ قرار نهائي بشأنه بعد.
وقبل هذا، لم تُقم مراسم تشييع ودفن لقائد إيراني سوى مرة واحدة، وهي مراسم تشييع الإمام روح الله الخميني قبل 37 عاماً تقريباً.
فبعد وفاة الإمام الخميني بسبب المرض عن عمر ناهز 86 عاماً في 3 يونيو/حزيران 1989، استمرت مراسم تشييعه ثلاثة أيام في طهران. وتُعد تلك الجنازة من أكبر مراسم التشييع في تاريخ إيران. وقد تحدث المسؤولون الإيرانيون آنذاك عن مشاركة ملايين الأشخاص فيها.
وعلى خلاف الإمام الخميني، الذي شُيّد له بعد وفاته ضريح مستقل في جنوب طهران يُعرف باسم «حرم الإمام»، فلن يكون الأمر كذلك بالنسبة لخامنئي.
كما يُذكّر مراسم تشييع خامنئي المرتقبة بمراسم تشييع الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني السابق، الذي قُتل في 3 يناير/كانون الثاني 2020 في ضربة نفذتها طائرة أمريكية مسيّرة استهدفت موكبه قرب مطار بغداد.
واستمرت مراسم تشييعه خمسة أيام ابتداءً من 4 يناير/كانون الثاني 2020، وشملت مدن الكاظمية وبغداد والنجف وكربلاء في العراق، ومدن الأهواز ومشهد وطهران وقم في إيران، قبل أن يُدفن في نهاية المطاف بمسقط رأسه كرمان جنوب شرق إيران.
ووصفت السلطات الإيرانية أعداد المشاركين في تشييع قاسم سليماني بأنها من بين الأكبر في تاريخ مراسم التشييع في إيران من حيث عدد الحضور. وأدى التدافع بين المشاركين خلال المراسم إلى مقتل أكثر من 50 شخصاً وإصابة العشرات.
رغم إعلان الجهات المعنية في إيران جاهزيتها لإقامة مراسم التشييع وكشف بعض تفاصيلها المتعلقة بمسار المراسم وأماكن إقامتها، فإن احتمال إدخال تعديلات على هذه الخطط لا يزال قائماً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما يرافقها من اعتبارات أمنية وعسكرية ومخاوف من وقوع حوادث أمنية أو هجمات تستهدف المراسم، الأمر الذي من الممكن أن يدفع السلطات الإيرانية إلى إعادة النظر في بعض ترتيبات المراسم أو مواعيدها.