اتحاد المغرب العربي: لم لم يختفِ؟

حجم الخط
35

مسألة صعبة الهضم.. كيف يمكن للهياكل القديمة كالجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي مثلا، وهي التي تستهلك سنويا ملايين الدولارات، لتنتج مقابلها ركاما من البيانات والقرارات الفضفاضة والعقيمة، أن تستمر في البقاء رغم علم الجميع وإقرارهم بفشلها الذريع؟ هل وحدها رغبة القادة، ومن وراءها الإرادة الأجنبية، هي التي تحسم في ذلك؟ أم أن صمت الشعوب وفقدانها للبدائل هو من يشجعها على المواصلة والاستمرار؟
ربما غير بعيد سيحار البعض أيضا في فهم سر بقاء هيكل من الفصيلة نفسها وهو، اتحاد المغرب العربي، رغم كل الاتهامات والانتقادات التي وجهت له، على مدى اكثر من عقدين. من الواضح أن لا أحد من الزعماء المغاربيين الخمسة، ومع كل التحفظات التي قد يقدمها، بين الحين والآخر، على بعض النواقص والعيوب، يبدو مستعدا لأن يقدم على الخطوة الأولى، ويكون هو المبادر لإطلاق رصاصة الرحمة عليه، بل إن ما يفعله جميعهم، ومنذ سنوات، انهم يكتفون بمتابعة سكونه بلا مبالاة مرة، وبالمزايدة فيمن يكون الأحرص عليه من بينهم، مرات.
وفيما ترى قلة من المتفائلين أن ذلك الاتحاد قد أصيب بوعكة عابرة، وأنه سيفيق من غيبوبته ويتعافى من علله، يعتقد معظم المتشائمين العكس، ويصرون على أن الأمر قد قضي وانتهى، وأنه لم يعد بالإمكان التعويل على حراك أو نهوض جسد ميت، لكن أليس من الغريب حقا أن يظل الاتحاد المغاربي قائما، ولو على الورق، كهيكل صوري، في الوقت الذي لا يبدي فيه أقرب المقربين منه، أو من يفترض فيهم أنهم كذلك، على اعتبارهم رعاته وبُناته، ادنى حماسة أو رغبة في الاهتمام به أو تفعيله وتقوية أدائه؟

الشعوب المغاربية آخر ما يشغلها هو أن يبقى الاتحاد المغاربي أو يختفي من الوجود وهي لا تتحمس لا لبقائه ولا لغيابه

في ظروف مختلفة غاب القادة الخمسة، الذين أطلوا قبل ثلاثين عاما من إحدى شرفات مدينة مراكش، وهم يشبكون أيديهم بأيدي بعض، ويزفون للحشود خبر التأسيس، لكن واحدا فقط ممن حضر معهم حينها وهو ولي العهد المغربي بقي موجودا الآن بعد أن خلف والده في العرش. غير أنه وبعد مرور بعض السنوات فقط على حكمه، بدأ يظهر وفي اكثر من مناسبة نوعا من الضيق والتبرم والقنوط من الاتحاد. ألم يصل به الضجر والغضب حدا جعله يقول مثلا في مؤتمر القمة الافريقية، الذي عقد قبل نحو ثلاث سنوات إن «شعلة اتحاد المغرب العربي انطفأت، في ظل غياب الإيمان بمصير مشترك»، وإن «الحلم المغاربي الذي ناضل من أجله جيل الرواد في الخمسينيات من القرن الماضي يتعرض اليوم للخيانة». ويضيف أنه «مما يبعث على الأسى أن الاتحاد المغاربي، يشكل اليوم المنطقة الأقل اندماجا في القارة الافريقية، إن لم يكن في العالم أجمع»، مدللا على ذلك بأن المبادلات التجارية البينية بين الدول المغاربية تقل عن الثلاثة في المئة من مجموع مبادلاتها. ثم ألم يحذر في ذلك الخطاب نفسه من أنه «إن لم تأخذ البلدان المغاربية العبرة من التجمعات الافريقية المجاورة، فإن اتحادها سينحل»؟ ولكن لم امتنع المغرب إذن رغم كل ذلك، عن سحب عضويته من اتحاد حافظ على كل المساوئ والنقائص، التي حذّر منها الملك محمد السادس؟ ألم يكن الأولى به، وهو الذي أظهر انزعاجه ويأسه من جيرانه المغاربيين، أن لا يضيع وقته ووقت بلده في البقاء في اتحاد لم يعد من ورائه طائل أو مبرر؟
قد يشير منطق الأشياء إلى صواب مثل تلك التساؤلات المبررة والمشروعة، غير أن العلاقات المغاربية لا تدار عادة بالمنطق وحده، فمخلفات التاريخ القريب، وطبيعة التوازنات الصعبة بين العملاقين المغاربيين، أي المغرب والجزائر، والخلافات الحادة بينهما حول ملف الصحراء، تجعل الرباط تتمهل جيدا عند التفكير في أي خطوة قد تقطعها، وتقرأ بدرجة أولى أبعادها وانعكاساتها على الصراع الثنائي مع جارتها. لقد جرّب المغاربة في السابق الخروج والانسحاب من هيكل قاري هو الاتحاد الافريقي، ولكنهم سرعان ما أدركوا أن سياسة المقعد الشاغر لم تنفعهم، بقدر ما أفادت نسبيا خصومهم. ولاجل ذلك فهم ينظرون إلى أي انسحاب من الاتحاد المغاربي من زاوية الكسب والخسارة في صراعهم مع الجزائريين. ولعلهم يقدّرون أن مجرد وجود اتحاد خماسي، حتى لو كان جامدا ومعطلا، هو في حد ذاته كسب لاطروحتهم في رفض انصهار طرف سادس يطلقون عليه الجمهورية الوهمية للصحراويين، ضمن المجال الجغرافي والسياسي المشترك نفسه. لكن الانسحاب قد يعزلهم ويعزز موقع الجزائر، ويجعلها قادرة على أن تكسب باقي الدول المغاربية لصفها، وتجعل تلك الدول تخرج عن تحفظاتها، وعن سياسة الحياد الذي تنتهجه في علاقتها بالجارتين اللدودتين. أما على الطرف الآخر فالجزائريون يبدون بدورهم، ولو بشكل أقل حدة، تبرمهم وانزعاجهم من عجز الاتحاد المرة تلو الأخرى عن تلبية بعض دعواتهم ومبادراتهم، من قبيل تلك التي قدموها لعقد اجتماع على مستوى وزراء خارجية الدول المغاربية، ويتمسكون رغم ذلك بالبقاء فيه. فهم لا يرغبون في إعطاء أي انطباع على أنهم يعطلون، أو يرفضون المسار المغاربي، بل يتطلعون على العكس من خلال وجودهم في الاتحاد إلى أن يثبتوا أنهم من بناة ذلك المسار، ومن أشد المتحمسين له ويعتبرون أن مثل ذلك الحضور سيمنع المغرب على الاقل من الفوز الرمزي بالزعامة المغاربية، لكن ما الذي يمكن أن يشد الباقين إلى اتحاد لم يقدم لهم أضعف الأشياء، وهو التضامن الرمزي معهم ضد العدوان الذي استهدف ومازال جزءا من التراب المغاربي، مثلما حصل ويحصل في ليبيا، بقصف وحصار طرابلس؟ إن ضيق خياراتهم وخشيتهم من أن يمنح ذلك أفضلية ما لخصومهم، هو ما يجعلهم يتمسكون به. ألا يقولون إن الغريق يتمسك ولو بقشة؟ فهل سيكون منتظرا مثلا من فائز السراج، أن يترك المقعد الليبي ليكون في متناول غريمه حفتر؟ وهل سيكون متوقعا من موريتانيا، التي عانت من صراع الجارتين، وبحثت عن الاعتراف المغاربي والعربي بها، أن تترك هي أيضا مقعدها في الاتحاد بسهولة؟ ثم ألن يكون من الغباء أن يتخلى التونسيون عن الترضية، التي حصلوا عليها حين منحوا أمانته العامة على ما فيها من بساطة ورمزية؟
لكن ما موقع الشعوب المغاربية من كل ذلك؟ المؤسف أن آخر ما قد يشغلها هو أن يبقى الاتحاد أو يختفي من الوجود. وهي وفي الوقت الذي لا تتوقع فيه أن يضيف لها أي جديد لا تتحمس لا لبقائه ولا لغيابه. ويبدو أن سلبيتها تلك هي التي تمنح الاتحاد المغاربي بعض الأنفاس، لكن إلى متى سيدوم ذلك؟ ربما سيكون علينا أن ننتظر الوقت الذي يصاب فيه القادة المغاربيون باليأس، ويقتنعوا بأنه لم يعد هناك جدوى لاستمرار اتحادهم في التغطية العقيمة على أشياء كثيرة مثل وحدة مواقفهم ومصائرهم.
كاتب وصحافي من تونس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول كريم:

    القادة الخمسة اخذوا الصورة بتاثير الرز السعودي
    اما الواقع فمادام مشكل الصحراء الغربية قائما، فالاسطوانة مشروخة سلفا

    1. يقول تاوناتي:

      الان فهمت لماذا اختلقت هذه القضية، ولماذا يريدون زرع كيان وهمي في الصحراء المغربية..لتظل الاسطوانة مشروخة. وتعطل كل مشروع اتحاد بين دول المغرب العربي الخمسة..

  2. يقول Ahmed HANAFI اسبانيا:

    حينما يأتي الحديث عن اتحاد المغرب العربي، يطرح التساؤل التالي:
    لماذا وقعت الجزائر على الميثاق التأسيسي لهذا الاتحاد وهو يذكر 5 دول بالاسم، ولا يشير لا بالتصريح ولا بالتلميح لا ” جمهورية تيندوف “؟
    من الغريب فعلا أن يوقع على هذا الميثاق رئيس الجزاير، ثم يصادق عليه برلمانها بغرفتيه وإجماع أعضائه، والبلد يحتضن سفارة لدولة بوليساريو وهي غير مذكورة في فيه.
    ألم يكن حريا بها أن ترفض التوقيع أو على الأقل، تسجل تحفظا بخصوص عضوية ذلك الكيان الذي تدافع عنه دون كلل ولا خجل، في كل المحافل،لكنها نسيته ( أو تناسته) عند التوقيع في مراكش.

    1. يقول بلقاسم:

      لان باب الانضمام ما زال مفتوحا ولا يقتصر على الموقعين فقط بل حتى مصر كانت تريد الانضمام ,ولك العبرة في الاتحاد الاوروبي بدأ بعدد معين ثم شرع في التوسع وهذا لا يمنع من انضمام جمهورية الصحراء عما قريب عندما يحققون استقلالهم اما عدم تحفظ الجزائر فيعود الى عدم تقديم جمهورية الصحراء طلب الانضمام لانها كانت مشغولة بحرب التحرير ,والذي عليه ان يخجل هو من استواى على ارض الغير

    2. يقول بلقاسم:

      لان باب الانضمام ما زال مفتوحا ولا يقتصر على الموقعين فقط بل حتى مصر كانت تريد الانضمام ,ولك العبرة في الاتحاد الاوروبي بدأ بعدد معين ثم شرع في التوسع وهذا لا يمنع من انضمام جمهورية الصحراء عما قريب عندما يحققون استقلالهم اما عدم تحفظ الجزائر فيعود الى عدم تقديم جمهورية الصحراء طلب الانضمام لانها كانت مشغولة بحرب التحرير ,والذي عليه ان يخجل هو من استواى على ارض الغير ,,,

    3. يقول Brahim Ghanaia:

      نعم وكان المغرب وقع كدالك علي المغرب الحالي فقط دون الاراظي الصحراوية التي يسيطرعليها واتفق الكل علي ان تلتحق الصحراء الغربية بي الاتحاد بعد تنضيم الاستفتاء كدولة مستقلة او كجزء من المغرب بحكم داتي .. عليك بي مسألة سيدك لماد وقع

  3. يقول سليم:

    أمنيتي أن أعرف ماهو جدول الأعمال اليومي للأمين العام لاتحاد المغرب العربي؟

  4. يقول مصطفى / فرنسا:

    بالنسبة لي فإن فكرة مغرب عربي فكرة فاشلة من الأساس وأساس ذلك تبنيها خلفية قومية عربية، كان بالأحرى تبني فكرة المغرب الكبير، وهو انعكاس لتبني تصور شامل يحتوي كل مكونات المنطقة من عرب، أمازيغ، طوارق، حسانيين وزنوج موريتانيا.
    إذن نعم للمغرب الكبير..

  5. يقول لحسن:

    بإختصار شديد مادام النظام العسكري الحاكم في الجزائر متمسك بدعم تنظيم البولبساريو على حساب 100مليون نسمة لن يكون هناك اي اتحاد نهائيا بل العكس

  6. يقول احمد:

    اتحاد المغرب العربي لم يكن يحظى بتأييد من الطبقة الثورية في الجزائر و السياسيين و المثقفين على السواء ..مذكرين بما تعرضت له الثورة الجزائرية غداة انطلاقها1954 من نقض العهد وعدم الالتزام بالمواقف.

  7. يقول صحراوي مغربي وأفتخر:

    التعنت الجزائري سيوصلها إلى الإفلاس كما صرح بذالك الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير عمار سعداني ، إنه من سابع المستحيلات أن يتخلى المغرب على صحرائه ولو أنطبقت السماءعلى الأرض وولو صرفت الجزائر 500 مليار أخرى على مرتزقة تندوف الذين ينتمي أغلبهم إلى دول الجوار ، إن القدافي وبومدين هم المسؤولين أمام الله على تشثيت كلمة الأمة وضعفها ، هم من صنع البولساريو وسلحها وحرضوا العالم على المغرب ولكن الله أحبط مكرهم والله أكبرالماكرين …. صحراوي مغربي وأفتخر

  8. يقول Brahim Ghanaia:

    ماهاد يا استجاد كترة الكلام عن الزعامة يجعل القرأ يشعر كأنها كرة قدم .وسباق التسلح و ..يوجد دولة واحدة في هاد الاتحاد وبدونها لن يكون هناك اتحاد .. هيا الجزائر ليس فقط لانها تملك حدود مع كل دول الإتحاد بل كل دول المنطقة كمالي والنيجر والصحراء الغربية ولان اقتصادها يوازي اقتصاد تونس وموريطانيا والمغرب و مالي والنيجر مجتمعين ..كما لها تقل سياسي دولي بإعتبارها دولة اقليمية قوية جيوسياسيا ولها ارت تاريخي عضيم جعل الشخصية الجزائرية تلبسها الدولة وهيا الاكبر ديموغرافيا ومساحتها من الاكبرفي العالم وهيا الاغني في المنطقة والاقوي عسكريا وعلميا … الم تمل من تفسير الماء بي الماء دعك من الحلم بي اتحاد الديكتاتوريات وابحت عن التكامل الاقتصادي كما بدأ الاروبين من ستين سنة

  9. يقول Ganov:

    شمال إفريقيا أمازيغي.. ونقطة إلى السطر

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية