لم تكن الدبلوماسية العربية متعددة الأطراف يوماً خياراً مريحاً أو مساراً سهلاً، بل جاءت دائماً استجابةً لأزمات عميقة ولحظات إدراك جماعي بأن العمل الفردي، مهما بلغ من القوة أو الطموح، يظل عاجزاً عن إنتاج استقرار مستدام في إقليم يعاني من تشابك الصراعات وتداخل الفواعل الإقليمية والدولية. واليوم، مع استمرار المآسي في فلسطين ولبنان واليمن، تعود مسألة الأمن الجماعي العربي والعمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف لتفرض نفسها لا باعتبارها وصفة جاهزة للحل، بل كإطار واقعي للحد من الانهيار وفتح نوافذ محدودة لكنها ضرورية للاستقرار.
تاريخياً، ارتبط مفهوم الأمن الجماعي العربي بتصورات مثالية أكثر منها عملية، وبمؤسسات إقليمية عانت من ضعف الفاعلية والانقسام السياسي. غير أن التحولات العميقة التي شهدها النظام الإقليمي العربي خلال العقد الأخير، وما صاحَبها من تراجع أدوار قوى دولية تقليدية وتنامي كلفة الصراعات المفتوحة، دفعت عدداً من الدول العربية إلى إعادة التفكير في أدواتها الدبلوماسية، والانتقال تدريجياً من سياسات المحاور والمواجهات الصفرية إلى مقاربات أكثر براغماتية تقوم على التنسيق، وتبادل الأدوار، والسعي إلى إدارة الأزمات بدلاً من تفجيرها.
في الحالة الفلسطينية، تبدو الحاجة إلى دبلوماسية عربية متعددة الأطراف أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فاستمرار الحرب، وانسدادُ الأفق السياسي، وتراجع الاهتمام الدولي الفعلي بحل الدولتين، كلها عوامل كشفت محدودية التحركات الأحادية، سواء كانت على مستوى الوساطة أو الدعم السياسي. هنا، لا يتعلق الأمر بقدرة العرب على فرض تسوية شاملة في ظل موازين القوى القائمة، بل بقدرتهم على بناء موقف جماعي متماسك يربط بين وقف العنف، وتخفيف الكارثة الإنسانية، وإعادة إدراج القضية الفلسطينية ضمن إطار سياسي دولي ملزم.
التنسيق العربي، حين يتجاوز البيانات التقليدية، يمكن أن يشكل رافعة للضغط الدبلوماسي في المحافل الدولية، وأن يعيد تعريف العلاقة مع القوى الكبرى على أساس المصالح المتبادلة لا ردود الفعل.
التجارب الأخيرة أظهرت أن الدول العربية، حين تُنسّق مواقفها ولو بشكل جزئي، تستطيع أن تخلق مساحات للحركة الدبلوماسية، وأن تفرض نفسها شريكاً لا يمكن تجاوزه في إدارة الأزمات الإقليمية.
أما في لبنان، فإن تجربة الانهيار الاقتصادي والمؤسسي كشفت بوضوح حدود التدخلات الخارجية المنفردة، كما أظهرت عجز الداخل اللبناني عن إنتاج تسوية ذاتية في ظل اختلال التوازنات الطائفية والسياسية.
في هذا السياق، تبرز الدبلوماسية العربية متعددة الأطراف كمسار أقل صخباً لكنه أكثر قابلية للاستمرار، يقوم على تنسيق عربي–عربي لدعم مؤسسات الدولة، وربط أي مساعدات مالية أو سياسية بإصلاحات تدريجية، ومنع انزلاق لبنان إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى إقليمية.
لا يعني ذلك تجاهل تعقيدات المشهد اللبناني، بل التعامل معها بمنطق إدارة المخاطر، والسعي إلى تحصين الدولة بدل الرهان على تغيير جذري سريع أثبتت التجارب استحالته.
في اليمن، تتجلى قيمة الأمن الجماعي العربي بصورة مختلفة، حيث لا يكمن التحدي فقط في إنهاء حرب طويلة ومُكلفة، بل في منع تفكك الدولة بشكل نهائي. لقد أظهرت السنوات الماضية أن المقاربة العسكرية وحدها غير كافية، وأن تعدد الفاعلين المحليين والإقليميين يستدعي إطاراً دبلوماسياً أوسع ينسق بين المسارات السياسية والإنسانية والأمنية.
هنا، يمكن للدبلوماسية العربية متعددة الأطراف أن تلعب دور الضامن الإقليمي لأي تسوية، عبر دعم المفاوضات الأممية، وتوفير مظلة سياسية عربية تمنح الاتفاقات المحتملة قدراً من الشرعية والاستدامة.
ما يجمع بين فلسطين ولبنان واليمن هو أن الاستقرار المنشود لا يمكن اختزاله في وقف إطلاق نار مؤقت أو تسوية تقنية، بل يتطلب معالجة جذور الصراع، أو على الأقل منع تفاقمها. وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم الأمن الجماعي، رغم هشاشته، إطاراً ضرورياً. فالأمن الجماعي العربي لا يعني تحالفاً عسكرياً تقليدياً، ولا يفترض وحدة سياسية غائبة، بل يقوم على إدراكٍ مشترك بأن انهيار دولة عربية أو استمرار حرب مفتوحة فيها يحمل كلفة تتجاوز حدودها الوطنية، ويمس الأمن الإقليمي بأَسره.
غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطاً بتجاوز عدد من المعضلات البنيوية. أولها غياب الثقة المتبادلة بين الدول العربية نفسها، نتيجة تراكمات من الصراعات البينية والتدخلات المتبادلة. وثانيها التفاوت الكبير في أولويات الدول العربية، بين من يرى في بعض الصراعات تهديداً مباشراً، ومن يتعامل معها باعتبارها أزمات هامشية. أما المعضلة الثالثة، فهي استمرار الاعتماد المفرط على أدوار القوى الدولية، بما يحد من هامش المبادرة العربية ويجعل الدبلوماسية متعددة الأطراف رهينة لإرادات خارجية.
مع ذلك، فإن التحولات الجارية تشير إلى إدراك متزايد بأن كلفة غياب التنسيق العربي أصبحت أعلى من كلفة بنائه. فالتجارب الأخيرة أظهرت أن الدول العربية، حين تنسق مواقفها ولو بشكل جزئي، تستطيع أن تخلق مساحات للحركة الدبلوماسية، وأن تفرض نفسها شريكاً لا يمكن تجاوزه في إدارة الأزمات الإقليمية. هذا لا يعني تحقيق استقرار شامل أو دائم، بل الوصول إلى ما يمكن تسميته «استقرار الحد الأدنى»، الذي يمنع الانفجار، ويترك الباب مفتوحاً أمام تسويات مستقبلية.
في المحصلة، لا تمثل الدبلوماسية العربية متعددة الأطراف حلاً سحرياً لأزمات فلسطين ولبنان واليمن، لكنها تظل الإطار الأكثر واقعية في لحظة إقليمية تتسم بتراجع اليقينيات وانكشاف حدود القوة الصلبة.
إن إعادة الاعتبار لهذا المسار، وربطه بمفهوم عملي للأمن الجماعي، قد لا تنهي الصراعات، لكنها قادرة على كبح جماحها، وتقليل كلفتها الإنسانية والسياسية، وتهيئة شروط بقاء الدولة والمجتمع في مواجهة مسارات الانهيار. وفي إقليم اعتاد إدارة أزماته بالصدمة، قد يكون هذا القدر المحدود من الاستقرار إنجازاً لا يستهان به.
كاتب من مصر
الكمات الدالة :،،، ، ،