للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم تعد منطقتنا تكتفي بملاحقة الأزمات والحروب وحرائق الدبلوماسية؛ بل بدأت تناقش اليوم إمكانية بناء منظومتها الأمنية الخاصة. إن اجتماع وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان للمرة الرابعة، ليس مجرد تواصل دبلوماسي عادي، بل هو مؤشر مهم على ولادة عقل أمني جديد في وعي المنطقة. وقد تكون هذه الطاولة إشارة لظهور قوة تحالف جديد يتجاوز المفهوم التقليدي للتحالفات، ويرتكز على الأبعاد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية والحضارية.
لا شك في أن منطقة الخليج تقع في قلب هذا المسعى، فالنظام الأمني الخليجي الذي أُنشئ بمركزية أمريكية بعد تحرير الكويت عام 1991، لم يعد يتمتع باليقين نفسه الذي كان يتمتع به سابقا. ولا تزال الولايات المتحدة لاعبا مهما، لكنها لم تعد المظلة الأمنية الوحيدة التي لا يُجادل في دورها، أو يُشكك في تفوقها المطلق. فمن الرياض إلى الدوحة، ومن الكويت إلى مسقط، تعمل العواصم الخليجية على تنويع مصادر التسلح، وتطوير قدراتها المحلية، وإقامة علاقات أعمق مع شركاء من خارج المنظومة الغربية. ولم تعد المنطقة ترغب في أن يُكتب مصيرها حصرا في واشنطن.
أما المسألة الإيرانية فهي العنوان الأكثر حساسية في هذه الاستراتيجية الجديدة. فهل سيُبنى أمن الخليج على أساس جبهة عمياء ضد إيران؟ أم سيكون الهدف إقامة توازن أوسع يأخذ إيران أيضا في الحسبان؟ هذا هو السؤال الجوهري. فإيران دولة كبيرة لا يمكن محوها من الجغرافيا، وكل مقاربة تقوم على اعتبارها عدوا دائما، تحكم على الخليج بالبقاء في سلسلة لا تنتهي من الأزمات. وفي المقابل، ينبغي لإيران أيضا أن تحترم سيادة دول الخليج، وأن تبتعد عن الصراعات المذهبية وسياسات التهديد. ومن هنا يبدو أن نموذجا قائما على الردع القوي، والدبلوماسية كلما أمكن، والاحترام المتبادل للسيادة، ومنع الحروب، هو النموذج الأكثر استدامة. وما يجعل رباعية تركيا والسعودية ومصر وباكستان مهمة، هو هذا التوازن بالذات. فهذه الصيغة ليست جبهة بسيطة ضد الولايات المتحدة، ولا تحالفا عاطفيا ردا على إسرائيل، ولا كتلة مذهبية موجهة ضد إيران. إن جوهر القضية يتمثل في رغبة المنطقة في أن تمتلك صوتا أكبر في تقرير أمنها. فبينما تضع السعودية على الطاولة قوتها في مجال الطاقة والتمويل، وتقدم مصر ثقلها الديموغرافي وموقعها الجيوستراتيجي المحوري في العالم العربي، وتضيف باكستان قدراتها النووية وجيشها الكبير، تبرز تركيا باعتبارها الفاعل الأكثر ديناميكية في هذا التشكيل بفضل تكنولوجيا الدفاع التي تمتلكها، ومرونتها الدبلوماسية، ومكانتها المركزية التاريخية.
اللقاءات الرباعية بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان ليست مجرد صورة دبلوماسية عابرة، بل تعكس تفكك النظام الإقليمي القديم، وتُظهر أن الشرق الأوسط يبحث عن لغة أمنية جديدة
إن دور تركيا في هذه المعادلة ليس رمزيا، بل بنيوي وأساسي، فأنقرة لم تكتف خلال العقدين الماضيين بتقليص اعتمادها الأمني على الخارج عبر الطفرة الكبيرة التي حققتها في الصناعات الدفاعية، بل قدمت أيضا خيارا جديدا للدول الصديقة والحليفة. فقد حولتها الطائرات المسيّرة، والذخائر الذكية، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والمنصات البحرية، ومشاريع الدفاع الجوي، وتقنيات القيادة والسيطرة، من دولة تشتري السلاح، إلى دولة تنتج الأمن وتصدر التكنولوجيا. ومن هنا تحديدا ينبع اهتمام دول الخليج بتركيا. غير أن الأمن الخليجي الجديد لا يمكن أن يُبنى على الإجراءات العسكرية وحدها، فضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا، وحماية خطوط الطاقة، وتأمين المراكز المالية من الهجمات السيبرانية، وإبقاء البنى التحتية للذكاء الاصطناعي والبيانات تحت الرقابة الوطنية، ومنع الاستقطاب المجتمعي، ومكافحة التضليل الإعلامي، أصبحت كلها أجزاء لا تنفصل عن مفهوم الأمن. وكما يمكن لهجوم صاروخي أن يهز المنطقة، فإن هجوما سيبرانيا يستهدف ميناء أو منشأة طاقة أو النظام المصرفي قد يؤدي إلى نتائج مدمرة بالقدر نفسه.
ولهذا فإن فرص نجاح هذه المنظومة الجديدة ترتبط بقدرتها على أن تكون مرنة ومتعددة الطبقات. وعلى المدى القصير، لا يبدو إنشاء بنية عسكرية جامدة على غرار حلف الناتو أمرا واقعيا، لكن من الممكن جدا إنشاء أنظمة دفاع جوي مشتركة، وآليات إنذار مبكر، وتنسيق للأمن البحري، ومشاريع إنتاج مشتركة في الصناعات الدفاعية، وتبادل للمعلومات الاستخباراتية، ودبلوماسية لإدارة الأزمات، ومراكز للأمن السيبراني. كما يمكن لدول مثل الكويت وقطر وعُمان أن تضطلع بأدوار مهمة بوصفها أطرافا جسرية ومتوازنة ضمن هذا المشهد.
وفي المحصلة، فإن اللقاءات الرباعية التي تتشكل بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان ليست مجرد صورة دبلوماسية عابرة. فهذه الطاولة تعكس تفكك النظام الإقليمي القديم، وتُظهر أن الشرق الأوسط يبحث عن لغة أمنية جديدة. وإذا نجح بناء هذه اللغة، فقد يتعزز التوازن بين الردع والحوار بدلا من دوامة الحرب والعداء مع إيران؛ وقد يبتعد الخليج عن الاعتماد على قوة خارجية واحدة؛ كما أن هامش الحركة غير المحدود لإسرائيل قد يواجه معادلة إقليمية أكثر توازنا.
كاتب تركي
تركيا عضو في حلف الناتو، وأردوغان تجمعه علاقات سياسية مع ترامب وغيره من قادة العالم، وهذه حقائق لا ينكرها أحد. لكن تصوير الأمر وكأن سياسة تركيا هي مجرد انعكاس أعمى لسياسة الناتو أو لترامب.
اتقوا الله، وتحلّوا بالإنصاف والضمير. فكم من السياسيين في هذا العصر لا يشغلهم إلا المنصب والسلطان والنفوذ والمصالح، بينما تُترك الشعوب تعاني الفقر والظلم والأزمات. وما أكثر الشعارات التي تُرفع باسم الأمن والديمقراطية والمصالح الوطنية، بينما تكون الحقيقة صراعا على النفوذ والثروة والهيمنة.
إن معيار الحق ليس اسم الحلف، ولا اسم الدولة، ولا اسم الزعيم، وإنما العدل والصدق واحترام حقوق الناس وسيادة الأمم. فمن وافق الحق أُيِّد، ومن خالفه انتُقِد، مهما كان موقعه أو قوته.
فلا تجعلوا السياسة دينا يُتَّبع بلا بصيرة، ولا الزعماء معصومين من الخطأ. واحذروا من تقديس الأشخاص والتحالفات، فإن الأوطان تُبنى بالعدل، والشعوب تُحفظ بالحق، والتاريخ لا يرحم الظالمين ولا المخادعين.
تركيا ليست لها ستراتيجية في الشرق الاوسط بل لها نفوذ تسعى لتوسيعه بادوات السياسة الناعمة خاصة
الاقتصاد.
شكراً أخي توران قشلاقجي. الإمارات خطر على هذه المشاريع ويجب احتوائها!