استطلاع أممي يضع شواغل الليبيين في قلب «الحوار المهيكل» ويعيد ترتيب أولويات المرحلة الانتقالية

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس – «القدس العربي»: في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول جدوى المسارات السياسية التقليدية في ليبيا، أعادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تسليط الضوء على صوت الشارع باعتباره مدخلاً أساسياً لأي تسوية قادمة، بعد إعلانها نتائج استطلاع عام شارك فيه أكثر من ألف ليبية وليبي أواخر العام الماضي، وتحول لاحقاً إلى إحدى الركائز التي استند إليها المتحاورون داخل مسارات «الحوار المهيكل» الأربعة، الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان، في محاولة لصياغة توصيات عملية مرتبطة بالواقع اليومي لا بالشعارات العامة.
البعثة قالت إن أبرز شواغل الليبيين التي ظهرت في الاستطلاع عُرضت على أعضاء الحوار خلال الجلسة الافتتاحية العامة في منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي، والتي جرى بثها مباشرة، معتبرة أن النتائج جاءت منسجمة مع القضايا التي اتفق المشاركون على مناقشتها خلال الأشهر المقبلة، وأن الهدف النهائي هو الخروج بتوصيات لكل قضية مصحوبة بآليات تنفيذ واقعية تضمن عدم تحولها إلى مجرد وثائق جديدة تضاف إلى أرشيف المبادرات غير المكتملة.
المبعوثة الأممية هانا تيتيه، رأت بدورها أن الاستطلاع يعكس تفاعلاً واضحاً من المواطنين مع العملية السياسية، مؤكدة أن الليبيين انخرطوا بوعي وبناء في تقديم آرائهم، وأن هذه المشاركة تمنح الحوار فرصة لأن يكون مبنياً على شواغل الناس لا على تقديرات النخب السياسية فقط، مع التشديد على استمرار فتح قنوات مشاركة أوسع حتى تظل العملية ذات طابع ليبي وتستند إلى أدوات تنفيذ فعالة تحظى بدعم محلي ودولي في آن واحد.

التوافق السياسي

في محور الحوكمة، برزت مسألة التوافق السياسي قبل الانتخابات كأول بند يلقى اهتماماً واسعاً، إذ أظهر الاستطلاع أن 86% من المشاركين لديهم استعداد للتصويت في الانتخابات الوطنية، لكن أكثر من 60% أكدوا أن شرط قبول النتائج مسبقاً بين الأطراف كافة يمثل ضمانة أساسية لتجنب تفجر الخلافات بعد الاقتراع، وهو مؤشر على أن الرغبة الشعبية في الانتخابات لا تعني بالضرورة ثقة كاملة في قدرتها وحدها على إنهاء الأزمة، بل ترتبط أيضاً بضرورة وجود أرضية سياسية مشتركة تمنع الطعن في الشرعية أو العودة إلى منطق السلاح.
واعتبر كثير من المشاركين أن إجراء الانتخابات دون اتفاق سياسي مسبق سيفقدها المصداقية، وسيدفع البلاد نحو احتمال تجدد الصراع بدل إغلاق ملف الانقسام، لذلك طُرحت فكرة اتفاق ملزم مدعوم بضمانات وآليات إنفاذ دولية باعتبارها أحد مخارج الأزمة، خاصة في ظل تجارب سابقة تعطلت فيها الاستحقاقات الانتخابية أو تحولت إلى سبب إضافي للتوتر بين المؤسسات المتنافسة.
ومن النقاط التي عكست درجة عالية من القلق العام، أن 64% من المستجيبين شددوا على ضرورة توضيح مهام الحكومة التي ستشرف على الانتخابات، بما يشمل صلاحياتها ومدتها وحدود تصرفها في الموارد العامة، وهو ما دفع كثيرين إلى تكرار الدعوة لتشكيل حكومة تنفيذية موحدة مؤقتة تمنع استمرار ازدواجية القرار، وفي الوقت نفسه تمنع إطالة المرحلة الانتقالية بلا سقف واضح.
وفي السياق ذاته، أشار 58% إلى ضرورة أن تخضع الحكومة التي ستقود المرحلة للرقابة وأن يكون تفويضها واضحاً واختيارها شفافاً ومرتبطاً بإطار زمني محدد، بما يقلل فرص الاستحواذ على الموارد أو توظيف السلطة لصالح القوى المتحكمة في المؤسسات، وهي هواجس تعكس تراكم سنوات من عدم الثقة في قدرة الأجسام القائمة على تقديم ضمانات حقيقية للانتقال السياسي.
اللافت أيضاً أن عدداً كبيراً من المشاركين عبّروا عن ضعف ثقتهم في نجاح الانتخابات من دون دعم دولي مباشر، ليس بمعنى فرض حلول من الخارج، بل عبر أدوات رقابة ومتابعة وعقوبات وتجميد أصول وتبعات قانونية تطال من يعرقل الاستحقاق، وهو ما يعكس إدراكاً عاماً بأن المشكلة في ليبيا ليست فقط في تصميم القوانين الانتخابية، بل في غياب الردع أمام من يملك القدرة على التعطيل.

مخاوف اقتصادية

أما في محور الاقتصاد، فقد بدت المخاوف المعيشية أكثر التصاقاً بحياة الناس اليومية، إذ قال 72% إن الانقسام السياسي يؤثر بشدة على حياتهم، كما جاءت المخاوف الاقتصادية ضمن أهم ثلاثة شواغل عامة، وهو ما دفع مسار الاقتصاد في الحوار المهيكل إلى وضع أولويات واضحة تتصدرها توحيد الميزانية العامة، وإصلاح إدارة عائدات النفط، ومعالجة الضغوط المالية المتفاقمة مثل نقص السيولة، وتزايد الدين العام، واتساع عجز النقد الأجنبي، وتقلبات أسعار الصرف.
نتائج الاستطلاع أوضحت أن 66% من المشاركين يرون أن اعتماد ميزانية عامة موحدة وشفافة يمثل أولوية رئيسية للإصلاح الاقتصادي، معتبرين أن غياب هذه الميزانية كان سبباً مباشراً في ازدواج الإنفاق وعدم عدالة توزيع الخدمات وتدهور قدرة الدولة على التخطيط، وهي نقطة تتكرر باستمرار في النقاش الليبي باعتبارها أحد جذور الأزمة لا مجرد أثر جانبي لها.
وفي مقابل ذلك، عبّر 71% عن قلق بالغ تجاه الفساد وسوء استخدام الأموال العامة، مع الإشارة إلى أن تدفقات عائدات النفط لا تزال تفتقر إلى الشفافية وأن الموارد السيادية معرضة للاستحواذ السياسي، وفي ظل هذه الصورة لم يعتقد سوى 22% أن هيئات الرقابة الحالية فعالة، ما يعني أن الحديث عن إصلاح اقتصادي دون إصلاح منظومة الرقابة والمحاسبة سيظل ناقصاً وغير قادر على استعادة ثقة الجمهور.
ومع دخول محور الأمن ضمن أولويات الحوار، أظهر الاستطلاع مفارقة مهمة، فبينما قال 73% إنهم سيصوتون إذا جرت الانتخابات غداً، فإن أغلبية كبيرة أكدت أنها لا تشعر بالأمان عند التعبير عن آرائها السياسية، ولم يقل إنهم يشعرون بأمان تام سوى 23%، وهو ما يضع مسألة البيئة الآمنة للعمل السياسي والإعلامي والمجتمعي في صدارة الأولويات إذا كان الهدف فعلاً إجراء انتخابات مقبولة لا شكلية.

دعم الاستقرار

أعضاء المسار الأمني بدأوا بالفعل مناقشة أمن الانتخابات ومنع النزاعات ودعم الاستقرار، إلى جانب قضايا توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وتعزيز حوكمة القطاع الأمني، وعلى الرغم من أن أكثر من 70% قالوا إن الوضع الأمني تحسن خلال العامين الماضيين، فإن الأمن ظل ضمن أكثر ثلاثة عوامل تتأثر بالانقسام السياسي في البلاد، وهو ما يفسر استمرار المخاوف من أي تصعيد مفاجئ عند كل منعطف سياسي.
نتائج الاستطلاع بيّنت كذلك تفاوتاً واضحاً في الشعور بالأمان بين المناطق الليبية، وهو ما يعزز فكرة أن توحيد مؤسسات الحماية والجيش ليس مطلباً سياسياً مجرداً بل ضرورة ترتبط بوحدة السلطة ومنع وجود مراكز نفوذ موازية، إذ يرى المشاركون أن التشظي المؤسسي ووجود سلطات متنافسة من أبرز أسباب عدم اليقين حول الجهة المسؤولة عن حماية المواطنين.
وفي محور المصالحة وحقوق الإنسان، اتجه النقاش إلى قضايا العدالة الانتقالية بما تشمل الملاحقات القضائية وتقصي الحقائق والتعويضات والنازحين والمفقودين، إلى جانب توسيع الفضاء المدني والحريات العامة مثل حرية التعبير والصحافة والتجمع والاحتجاج السلمي، وكذلك توحيد السلطة القضائية وضمان استقلالها، باعتبار أن أي انتخابات من دون قضاء مستقل ستظل معرضة للنزاع الدستوري والتأويل السياسي.
وهنا برزت أرقام لافتة، إذ رأى 81% من المشاركين أن العوائق أمام العدالة تمثل تحدياً مهماً، بينما قال 72% إن مساحة حرية التعبير تقلصت بشكل واضح، وهو ما ربطه كثيرون بانتشار الشائعات والمعلومات المضللة والعزوف عن المشاركة السياسية، إضافة إلى الخوف من القمع والترهيب وانعدام الحماية عند الانخراط في النشاط العام.
وبالتوازي مع هذا المسار الأممي، ظهرت قراءة بحثية بريطانية تتوقع أن تتجه ليبيا خلال 2026 إلى جولة جديدة من الترتيبات الانتقالية وأن تستمر إدارة الملف عبر إطار حوكمة دولي متعدد الأطراف، مع تزايد تأثير المصالح الدولية وتعدد أصحاب المصلحة، ما قد يؤثر على فرص الوصول إلى تسوية شاملة، خاصة مع تصاعد الاهتمام الأميركي بالملف الليبي خلال 2025 بالتزامن مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وتزايد التركيز على المقاربات الاقتصادية بوصفها مدخلاً لضبط التوازنات.
ووفق هذه القراءة، فإن النهج الأميركي يميل إلى التعامل مع ليبيا من زاوية المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفط والاستثمار، بما يتطلب مسارين متوازيين، معالجة الانقسامات التي تضعف بيئة الاستثمار، وإبرام صفقات اقتصادية مع السلطات القائمة، بينما تظل الأمم المتحدة متمسكة بمسار تسوية شاملة تفضي إلى انتخابات ومؤسسات ذات شرعية شعبية، وهو تباين قد ينتج فرصاً للضغط الإيجابي لكنه قد يخلق أيضاً فجوات في مرحلة التنفيذ إذا لم تلتق الأجندتان عند نقطة مشتركة.
وتحاول بعثة الأمم المتحدة، عبر «الحوار المهيكل»، تفادي الفشل الذي رافق مبادرات سابقة عبر تقديم أدوات بديلة في حال تعنت الأطراف الأساسية، مثل الاستفادة من اللجنة الاستشارية أو الضغط عبر المجالس البلدية المنتخبة حديثاً، في وقت لا يزال مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة متصلبين حيال قضايا مفصلية مثل المناصب السيادية وتطوير الأطر الانتخابية، ما يجعل الاستحقاق السياسي مرهوناً بدرجة استعداد هذه الأجسام لتقديم تنازلات حقيقية تحت ضغط الشارع وتحت ضغط العوامل الدولية.
وفي المحصلة، يعكس الاستطلاع الأممي أن الليبيين لا يطلبون حلولاً معقدة بقدر ما يطالبون بحد أدنى من الضمانات، حكومة موحدة واضحة التفويض، ميزانية شفافة، رقابة فعلية على المال العام، بيئة آمنة للمشاركة السياسية، وقضاء مستقل قادر على حماية العملية الانتخابية من الانهيار، وهي مطالب قد تبدو بديهية في أي دولة مستقرة، لكنها في ليبيا تحولت إلى عناوين صراع مفتوح يحدد مستقبل 2026 وما إذا كان عاماً لاستكمال التسوية أو لتدوير الأزمة من جديد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية