ما أن أتم المصلون في فلسطين شعائر الحج في الديار الحجازية، واختتمت صلاة العيد في عموم فلسطين، بما فيه قطاع غزة والضفة الغربية، وعلى رأسها القدس الأبية، حتى انطلق الأطفال الفلسطينيون في مشوار البحث عن فتات الفرح، وبقايا ما تيسر من مقومات العيد، لتباغتهم طائرات الحقد الصهيونية في غزة فتقتل من تقتل، بينما يستأنف المستوطنون هجماتهم على الأرض العربية وأهلها الآمنين من نساء وأطفال.. شيبِاً وشباناً.
اغتيل العيد قبل أيام، ولم تدم محاولات الفرح فيه سوى سويعات بسيطة، وتمت تصفيته على وقع ضربات الاحتلال الإسرائيلي، الذي استهدف بقذائفه ثلة من الأطفال الذين خرجوا من مآواهم ليبحثوا عن أشلاء العيد والفرح، وليتحولوا هم أنفسهم إلى أشلاء طوت معها فرحة مسلوبة، وأمعاء خاوية، وقلوبا مرعوبة، وأنوفا ملّت رائحة البارود وآذانا أصمها القصف وعيونّا تشخص لفجر آت لا محالة، لكنها بكل أسف لن تكون في استقبال الفجر، بعد أن خسرت العيد وترجلت الفرحة وعادت الدموع لتحتل المشهد.
لقد ُقتل العيد ومات البشر وانتحرت الآدمية من جديد، وبين هذا وذاك وفي خضم هذا المشهد، يعود الاحتلال ليصر على قتل المخيم الفلسطيني الأصيل، ويعلن هدم المزيد من بيوت مخيم جنين
لقد ُقتل العيد ومات البشر وانتحرت الآدمية من جديد، وبين هذا وذاك وفي خضم هذا المشهد، يعود الاحتلال ليصر على قتل المخيم الفلسطيني الأصيل، ويعلن هدم المزيد من بيوت مخيم جنين، بينما تتواصل عملية هدم البيوت وتهديد المجمعات السكانية في طولكرم والأغوار والمسافر، وقائمة لا تنتهي من العناوين، فقتل المخيم يؤكد:
ـ الإمعان في قتل القتيل والتنكيل في ما تبقى من حياة للفلسطينيين
– تطاول واضح على إرادة المجتمع الدولي واستخفاف بصوت الشعوب الحرة التي نادت وتنادي بوقف العدوان.
– إعادة إنتاج النكبة التاريخية بصورة أكثر قتامة، تقوم على أرضية تهجير المهّجر من الشعب الفلسطيني، وتمزيق الممزق من الجغرافيا.
– وأد المخيم، واغتيال الحقيقة، وقتل عن سبق إصرار وترصد للهوية الوطنية الفلسطينية.
– الإمعان في تيئيس المجتمع الفلسطيني، ودفعه نحو هزيمة مصطنعة بغرض تهجيره وتحقيق حلم الصهيونية الأوحد في الإجهاز على فلسطين والفلسطينيين.
– التمادي في محاولة اغتيال الأونروا وتفكيكها والخروج عن كل المواثيق الدولية التي أسست لإدارة عملية اللجوء في التاريخ المعاصر.
أما تكرار الاعتداءات كقتل المسعفين في رفح، والعودة لقتل المزيد منهم في التفاح، وقصف مشفى المعمداني، والعودة لسحق كامل المستشفيات في غزة، واستهداف الباحثين عن بقايا الطعام، والعودة لقتل من بقي من أهلهم في المربعات التي خصصت لعسكرة الغذاء، لا تشكل تمادياً إسرائيليا فحسب، بل طمأنينة كبرى تعيشها إسرائيل بفعل وجود الدعم والإسناد اللذين لا يشملان توفير السلاح فحسب، بل حماية إسرائيل من الإدانة، وحماية موقفها بسلاح الفيتو الأمريكي الفتاك، بصورة تبرهن كل يوم على أن العالم المتواطئ يعتبر الفلسطينيين شعباً فائضاً عن الحاجة. فهل يستمر التكاذب الحاصل، أم نرى في فرض الحظر على وزراء الحرب سموتريتش وبن غفير بداية النهاية لمظلة الدعم اللامحدود لحرب الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين، وأهلها خاصة مع دخول دول لطالما تمنعت عن إدانة إسرائيل كبريطانيا وأستراليا وكندا؟ ننتظر ونرى..
كاتب فلسطيني
s.saidam@gmail.com
في زمن إنقراض “القاريء الكبير”، تعويد مجتمعاتكم على سماع باطن الأزمات، تعويد مجتمعاتكم على نقاش جوهر الإشكاليات… دعه يقرأ، دعه يتسائل، دعه يناقش، دعه ينضج…
“وبكل هشاشتك لا يحق لك أن تميل، لأن ثمة من يتكيء عليك”…
“ننسى أن أغلب الناس لا يستطيعون أو لا يريدون أن يكون لهم رأي، وإنما يستسهلون إرتداء الآراء التي تصنع لهم صنعا”!!!…
شعوب هذه المنطقة خضعت لعصور متطاولة من الإستبداد، حتى صار الإستبداد بالرأي وإقصاء الرأي الآخر سلوك غالب لدى النخب ولدى الخواص ولدى العوام أيضا في مجتمعات ما زالت تديرها نظرية عمل العصبيات الطائفية والمذهبية والقبائلية والمناطقية والحزبية، نظرية عمل العصبيات التي تقوم على معادلة تخضع= ترضع، والولاء والتبعية مقابل الحماية والغنيمة!… وبالتالي لا مكان لأي نظرية عمل تقوم على الكفاءة والإنتاج وعلى مبدأ المواطنة والمساواة…
“البلد الذي يفشل في بناء إنسان يفكر، لا يتكون لديه مجتمع ينهض، وإنما يتكون لديه جمهور لاعن وجمهور مصفق، يلعن تارة ويصفق تارة أخرى، لكنه لا يفكر”!…
وما زال الخطاب العاطفي طاغيا ومسيطرا على كل حديث موضوعي وتحليل منطقي… لطالما كانت الواقعية منبوذة، والعقلانية مكانها المنافي… العقلانية التي تتقبل النقد وترحب به، وتؤمن بحرية الرأي والرأي الآخر… كيف يمكن أن تدرك أصلح الآراء اذا لم يكن هناك حرية رأي… لا صلاح في الإستبداد بالرأي وإن خلصت النيات…
“الشعوب التي تفشل في تشخيص أمراضها تموت ببطء نتيجة تناول الأدوية الخطأ”…
بين هذا وذاك، يبقى هناك قيمة سامية ممتدة في الإنتماء لسؤال الضحية… الضحية واحدة والجلادون كثر!… النضوج مسألة ذاتية…
قد صمت من أعطى، ولم يتكلم من أخذ!…
بالنقد والدراسة والبحث يمكننا أن نحلق فوق أزماتنا، وإن كنا نعيشها ونعانيها…
إنضاج لغة وثقافة الحوار، هو مشروع تربوي بالأساس “تربية وتعليم”، وكلما كان هذا المشروع فاعلا ومتطورا وناضجا كلما كان هناك حصانة من إنزلاق البلد والمجتمع إلى مربعات العنف الأهلي الداخلي، ومن يهدم بيته بيديه لن يأتي أحد ليمنعه…
خضوع أجيال عديدة متعاقبة وعلى مدار قرون لعصور متطاولة من الإستبداد نتج عنه أفراد مجتمع توارثوا فقدان الثقة فيما بينهم، وبالتالي الثقة في قدرتهم على مشاركة قرار التعبير عن الرأي وفي الثقة فيما بينهم على مشاركة المسؤولية في قرار الرغبة بإحداث تغيير ما بطريقة ناضجة وضمن مسارات غير عنيفة، ومساحة الثقة داخل المجتمع إن وجدت فنجدها تقلصت الى حدود الطائفة، والحزب، والقبيلة، إلخ… والنتيجة العامة حالة من السلبية ومن اللامبالاة المجتمعية تتمدد وتتجذر… وحالة من التوتر المزمن والإحتقان المكبوت بين الحكومة والشعب…
مؤسسات المجتمع المدني لم تنجح في إحداث التحول المنشود نوعا وكما في حال المجتمعات…
حسبنا الله ونعم الوكيل