الخرطوم ـ «القدس العربي»: قتل وأصيب العشرات من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، في موجة جديدة من الهجمات بالطائرات المسيرة استهدفت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان، خلال اليومين الماضيين، وفق مصادر طبية وشهود عيان تحدثوا لـ«القدس العربي»، واتهموا قوات «الدعم السريع» بالوقوف وراء الهجمات.
وأفادت مصادر طبية بأن ما لا يقل عن 16 شخصاً لقوا مصرعهم، بينهم نساء وأطفال، جراء الغارات التي استهدفت أحياء سكنية ومواقع مدنية في المدينة مساء الأربعاء وفي الساعات الأولى من فجر الخميس، بينما أصيب آخرون بجروح متفاوتة.
وجاءت هذه التطورات بعد أقل من 24 ساعة على هجوم آخر استهدف موكب تشييع في المدينة، وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 12 آخرين، ما أثار حالة من القلق والخوف بين السكان الذين باتوا يتجنبون التجمعات العامة خشية التعرض لهجمات جديدة.
استهداف أحياء سكنية
وحسب إفادات سكان محليين، تعرض حي المطار في مدينة الأبيض فجر الخميس لهجوم بطائرتين مسيرتين على الأقل. وأوضح شهود أن الضربة الأولى استهدفت منازل سكنية ما أدى إلى تدمير عدد من المنازل وإصابة قاطنيها، بينما وقعت الضربة الثانية خلال تجمع مواطنين لإجلاء المصابين من موقع القصف الأول.
وقال أحد المواطنين لـ«القدس العربي» إن الضربة الثانية استهدفت المنطقة نفسها بعد دقائق من القصف الأول، أثناء محاولات الإنقاذ والإسعاف، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع عدد الضحايا وسقوط قتلى وجرحى إضافيين.
وأكد شهود أن من بين الضحايا أفراداً من عائلات واحدة، بينهم الشقيقتان مودة التجاني وإخلاص التجاني، وكانت إحداهما حاملاً، بالإضافة إلى الطفل مؤتمن الطاهر البالغ من العمر تسعة أعوام، وهو ابن شقيقتهما.
استهدفت منازل سكنية ومحطة وقود ومقبرة… وشبكة حقوقية تطالب بتدخل دولي
كما أفاد سكان محليون بأن إحدى الهجمات أودت بحياة تسعة أشخاص شرق مدينة الأبيض مساء الأربعاء، فيما وصفت موجة المسيرات الأخيرة بأنها واحدة من أعنف الهجمات التي تعرضت لها المدينة منذ أسابيع.
هجوم على موكب تشييع
وكانت المدينة قد شهدت، الأربعاء، هجوماً آخر استهدف مقابر «دليل» أثناء تشييع أحد المتوفين، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وسط المشيعين.
وقالت «شبكة أطباء السودان» إن أربعة أشخاص قتلوا وأصيب سبعة آخرون جراء استهداف المقابر بطائرات مسيّرة أثناء مراسم التشييع. فيما أفادت مصادر طبية لـ«القدس العربي» بارتفاع عدد القتلى إلى خمسة، بينما لا تزال حالة عدد من المصابين غير مستقرة.
وحسب «شبكة الأطباء»، طالت الهجمات كذلك محطة وقود داخل المدينة، ما أدى إلى إصابة خمسة أشخاص بجروح وصفت بالخطيرة، محذرة من احتمال ارتفاع حصيلة الضحايا مع استمرار عمليات القصف واستهداف المناطق المدنية.
وأثارت حادثة استهداف المقابر مخاوف واسعة بين السكان، إذ تحدث شهود عيان للصحيفة عن تردد بعض الأسر في تنظيم مراسم دفن جماعية أو تشييع علني للضحايا خشية تعرض المشيعين لهجمات مماثلة.
استهداف طرق الإمداد
وفي حادثة منفصلة، أفادت مصادر محلية بمقتل سائق شاحنة تجارية بعد تعرض مركبته المحملة بالمواد الغذائية لهجوم بطائرة مسيرة في منطقة جبل كردفان.
وقال شهود إن الشاحنة كانت تسير على الطريق الرابط بين مدينتي الأبيض والرهد في طريقها إلى مدينة كادقلي، قبل أن تتعرض للاستهداف، ما أدى إلى مقتل السائق وتضرر الحمولة.
يأتي ذلك وسط تحذيرات من أن استهداف وسائل النقل التجارية والإنسانية وخطوط الإمداد يمثل تهديداً إضافياً للأوضاع الإنسانية في ولايات كردفان، التي يعتمد سكانها بصورة كبيرة على حركة الشاحنات التجارية لتوفير المواد الغذائية والسلع الأساسية.
وأدانت «شبكة أطباء السودان» ما وصفته بـ«القصف الممنهج» الذي تتعرض له مدينة الأبيض منذ أكثر من أسبوع، مؤكدة أن الهجمات التي تصاعدت وتيرتها خلال اليومين الماضيين استهدفت أعياناً مدنية ومرافق خدمية لا تحمل أي طابع عسكري. وقالت إن استهداف المدنيين والمنشآت الخدمية ووسائل نقل المواد الغذائية يمثل «انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي»، محملة قيادة قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن تلك الهجمات.
كما دعت المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التدخل العاجل لحماية المدنيين والعمل على وقف الهجمات التي تهدد حياة السكان وتفاقم الأزمة الإنسانية في المدينة.
وتعيش مدينة الأبيض، التي تعد إحدى أهم مدن غرب السودان ومركزاً استراتيجياً يربط بين ولايات كردفان ودارفور والخرطوم، أوضاعاً إنسانية وأمنية معقدة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/ نيسان 2023.
وخلال الأشهر الماضية تعرضت المدينة لسلسلة من الهجمات ومحاولات تضييق الحصار، كما عانت من اضطرابات متكررة في خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع الأنشطة الاقتصادية.
ويقول سكان محليون إن استمرار الهجمات بالطائرات المسيرة أدى إلى تعميق الشعور بعدم الأمان، خاصة مع استهداف مناطق مأهولة بالسكان ومرافق مدنية، ما دفع بعض الأسر إلى التفكير في مغادرة المدينة أو الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً.
وتأتي الهجمات الأخيرة في ظل تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في الحرب السودانية، حيث أصبحت أداة رئيسية في العمليات العسكرية والاستهداف بعيد المدى خاصة في المناطق التي لا تشهد معارك برية، حيث أصبحت المدن البعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة المباشرة عرضة للاستهداف، وسط مخاطر متزايدة يتعرض لها المدنيون.
وتحذر الأمم المتحدة من أن تزايد الهجمات على المناطق المأهولة بالسكان قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتوسيع نطاق النزوح الداخلي، في وقت يعاني فيه السودان بالفعل من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وكانت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في السودان قد أدانت ما وصفتها بـ«الاعتداءات الممنهجة» التي تنفذها قوات الدعم السريع باستخدام الطائرات المسيرة، والتي قالت إنها استهدفت عدداً من المدن والبنى التحتية الحيوية في البلاد.
ومع استمرار القصف وتصاعد المخاوف من هجمات جديدة، يواجه سكان الأبيض واقعاً إنسانياً وأمنياً متدهوراً، بينما تتزايد الدعوات المحلية والدولية لتوفير الحماية للمدنيين ووقف استهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية في المدينة.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه السلطات السودانية في المدينة اتهامات بالقصور، وسط مطالب من المواطنين باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية المدينة وسكانها، وتعزيز قدرات مضادات المسيرات التي باتت تشكل التهديد الأمني الأبرز بالنسبة للمدنيين.
وتكثف قوات «الدعم السريع» التي تقاتل الحكومة عمليات الاستهداف بالطيران المسير بالتزامن مع تقدم القوات البرية للجيش في ولايات كردفان.
وطالت الهجمات الأخيرة المناطق البعيدة نسبياً عن مواقع العمليات العسكرية مما أسفر عن سقوط عشرات المدنيين.