“الأمازيغية مشروع فرنسي صهيوني”.. تصريح مؤرخ جزائري يفجر جدلا واسعا- (تدوينات)

حجم الخط
42

الجزائر- “القدس العربي”: أثار تصريح المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، الذي قال فيه إن الأمازيغية “مشروع أيديولوجي فرنسي-صهيوني”، وإن أصل البربر يعود إلى “عرب فينيقيين”، موجة واسعة من الاستياء وجدلا حادا في الأوساط السياسية والثقافية في الجزائر. ورأى كثيرون في هذه التصريحات مساسا مباشرا بأحد مقومات الهوية الوطنية الثلاثة، كما نص عليها الدستور الجزائري: الإسلام، والعروبة، والأمازيغية.

وجاءت تصريحات بلغيث خلال مقابلة مع قناة “سكاي نيوز عربية”، حين طُلب منه توضيح آرائه المثيرة للجدل حول الهوية الأمازيغية، وما إذا كانت تلك المواقف تمثل طمسا لهوية شعب بأكمله. وردّ بالقول: “ليست هناك ثقافة. هذا مشروع أيديولوجي صهيوني فرنسي بامتياز. لا وجود لشيء اسمه أمازيغية، هناك بربر، وهم عرب قدماء وفق ما يدين به كبار المؤرخين في الشرق والغرب”.

وأضاف بلغيث أن “قضية الأمازيغية تُعد، بإجماع عقلاء ليبيا والجزائر والمغرب، مشروعا سياسيا هدفه تقويض وحدة المغرب العربي، خدمةً لمشروع فرنسي يسعى إلى فرض مغرب فرنكوفوني”. وختم حديثه بالقول: “نحن نعود في أصولنا إلى الفينيقيين الكنعانيين، وهذا هو السر بيننا وبين خصومنا في الداخل والخارج”.

وفور انتشار المقطع، واجه بلغيث موجة انتقادات حادة من نشطاء وباحثين وصحافيين، وصفوا تصريحاته بأنها استفزازية وتحمل خلفيات سياسية. وطالب عدد منهم بإحالته للتحقيق بتهمة التشكيك في الثوابت الوطنية، في مقارنة مع قضية الكاتب بوعلام صنصال، الذي يقبع حاليا في السجن بعد أن نُسبت إليه تصريحات اعتُبرت مسيئة للوحدة الترابية الجزائرية.

ومن المحتجين على كلام بلغيث، الباحث مصطفى صامت، الذي اعتبر في مقال له مدعوم بالأدلة والشواهد التاريخية، أن بلغيث لا يملك من أدوات المؤرخ سوى الاسم، ووصفه بـ”الدجال”، الذي يهاجم رموز الذاكرة الجماعية، مستشهداً بتصريحات سابقة له أنكر فيها جزائرية الملك شيشنق، ووصف فيها ماسينيسا بالوثني، وقلل من دور الشعب الجزائري في تفجير ثورة التحرير. وشدد صامت على أن مصطلح “أمازيغ” له جذور تاريخية عميقة، واستُعمل قبل قرون من دخول فرنسا إلى الجزائر، مشيراً إلى مؤرخين يونانيين ورومان مثل هيرودوت وبليني الأكبر، والى شواهد لغوية طارقية مثل “إموهاغ” و”إيماجغن”، ما يدحض أي زعم بأن “أمازيغ” مصطلح فرنسي الصنع.

أما الصحافي يونس صابر شريف، فرأى أن بلغيث لا يمارس حقاً أكاديمياً في النقد أو الطرح الفكري، بل يقوم بـ”تحريض عرقي” على منصة إعلامية خليجية لها سوابق في استهداف السيادة الجزائرية، وهو ما اعتبره سلوكاً يخرج من خانة حرية التعبير إلى خانة الطعن في وحدة الأمة، مطالباً بمساءلته قانونياً.

وفي نفس الاتجاه، قال الإعلامي مصطفى كساسي إن كلام بلغيث مثير للسخرية، مشيرا إلى أن تصريحاته تُظهر تناقضاً كبيراً، إذ كان يدعي الانتماء الأمازيغي في فترة الرئيس السابق بوتفليقة، ثم انقلب على هذا الخطاب بعد الحراك الشعبي في 2019، حيث تم توظيف مسألة الهوية كأداة لتقسيم المجتمع، وانخرط فيها بلغيث “بشكل فجّ”، حسب رأيه.

بدوره، نبّه المحامي هاشم ساسي إلى خطورة توقيت التصريحات ومكانها، مشيراً إلى أن بث هذا الكلام على قناة إماراتية، وفي ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة، يعطي الانطباع بأن ثمة “مسمار خيانة” يُدق من الداخل لتفكيك التماسك الوطني. وسأل ساسي بلغيث عما إذا كان يقصد أن رئيس الجمهورية، المعروف بانتمائه الأمازيغي، ومعه عشرات الملايين من الجزائريين، هم “صهاينة”، فقط لأنهم يعترفون بالأمازيغية كمكون أصيل للهوية الوطنية.

أما الصحفي رضوان بوساق، فاستغرب كيف أن شخصية أكاديمية بمكانة بلغيث تسمح لنفسها بتفجير مثل هذا الخطاب، متسائلاً إن كان التغاضي عن هذه التصريحات سيضعف مصداقية مؤسسات الدولة في التزامها بمحاربة خطاب الكراهية.

لكن في المقابل، لم يكن بلغيث بلا مؤيدين. فقد دافع عنه بعض السياسيين والإعلاميين وأعضاء في البرلمان، معتبرين أن الهجوم عليه يدخل ضمن تصفية حسابات أيديولوجية أكثر منها دفاعاً عن الحقيقة التاريخية. وكان النائب البرلماني عبد السلام باشاغا، من أبرز من وقفوا إلى جانب بلغيث، حيث اعتبر أن المؤرخ لم يقل شيئاً جديداً، بل أعاد طرح أطروحة موجودة في المدارس التاريخية منذ عقود، تفترض وجود جذور فينيقية كنعانية لسكان شمال إفريقيا، وأن الهوية الأمازيغية بالشكل الذي تُطرح به اليوم ليست سوى قراءة حديثة لتاريخ قديم، صيغت بتأثير فرنسي – استعماري واضح.

ورأى باشاغا أن الحملة ضد بلغيث تخفي خلفها استغلالاً سياسياً لموضوع الهوية لفرض رؤية أيديولوجية بعينها، معتبرا أن الأمازيغية تُستخدم في بعض الأوساط كأداة للإقصاء بدل التعايش، وهو ما حذر من تبعاته. كما استغرب النائب أن يكون مجرد طرح رؤية تاريخية مخالفة كافياً لوصف صاحبها بالتحريض والعنصرية، مذكراً بأن حرية البحث الأكاديمي تتيح مناقشة كل الفرضيات، حتى تلك التي تصطدم مع ما يُعتبر مسلمات.

وفي السنوات الأخيرة، عادت أطروحة “الجذور الفينيقية” للجزائر، لتنتشر بغزارة عبر بعض الصفحات والأسماء المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في سياق الجدل الهوياتي الذي يتكرر في كل مرة بصور مختلفة. ووجد البعض في هذه الأطروحة، تأكيدا للهوية العربية للبلاد، في مواجهة من يرون أن العرب وجدوا في الجزائر كغزاة، وهو كلام يتم ترديده في الأوساط المعادية للهوية العربية للبلاد. لذلك، يرى بعض المعلقين أن الربط بين الأمازيغ والفينيقيين لا يعدو كونه وسيلة لنزع الأصالة عن الهوية الأمازيغية، واعتبارها مجرد فرع من حضارات خارجية، وبالتالي التشكيك في مشروعية مطالب الاعتراف اللغوي والثقافي والسياسي بها، على الرغم من أن هذا الجدل يفترض أنه حسم في الدستور الذي اعترف بالأمازيغية كلغة رسمية، وأكد في ديباجاته نصا على أن “الجزائر جزء لا يتجزأ من المغرب العربي الكبير، وأرض عربية وأمازيغية، وبلاد متوسطية وإفريقية تعتز بإشعاع ثورتها، ثورة أول نوفمبر، ويشرفها الاحترام الذي أحرزته، وعرفت كيف تحافظ عليه بالتزامها إزاء كل القضايا العادلة في العالم”.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فراس-سوري في ميونخ:

    كلام سليم في الصميم… والحمدلله على نص الله

  2. يقول متابع:

    حتى الفينيقيين اصبحوا عربا بقدرة قادر 🤣مع الاكتشافات الاركيولوجية الحديثة في شمال افريقيا خصوصا في المغرب فالواجب إعادة كتابة التاريخ بطريقة علمية،ضننا ان زمن القومجيين قد ولى لكن هناك من لا يزال يريد طمس الهوية الأمازيغية الضاربة جدورها في التاريخ

    1. يقول AR:

      الفنيقيين هم كنعانيين. فحتى الادلة تسير الى انهم وصفوا انفسهم كنعانيين، ولم يعرفوا انفسهم فنيقيين. الكلمة إستخدمت من اليونان لوصفهم. ارجع ل ويكيبيديا. والعرب هم ساميين يتشاركون الجذر الكنعاني

  3. يقول أمازيغي عربه الإسلام:

    نحن الجزائريون أمازيغ بربر عربنا الإسلام وأنا شخصيا فخور بذلك رغم أن جدي أحد ملوك البربر كان أول ملك يعتنق الإسلام بل وتكبد معاناة السفر إلى المدينة المنورة للقاء الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وكان الفاتحون في عهده وعلى راسهم عقبة بن نافع نعم القادة لأنهم كانوا تحت حكم الخلافة الراشدة ويأتمرون بأوامر الخليفة الراشد ، لكن بعد مقتل عثمان بن عفان ثم الخليفة الرابع على بن أبي طالب وتولى الانقلابي معاوية الملك وجعله وراثيا تغيرت أخلاق الفاتحين لشمال افريقيا وأعطيت لهم الأوامر بإذلال ملوك وقادة البربر وتحصيل الجزية والخراج منهم رغم أنهم مسلمون ، وهذا ما يجتج به بعض النشطاء المدافعين على الهوية الأمازيغية ، وقبل عهد الملك معاوية كان أهل البربر في شمال إفريقيا يدخلون الإسلام أفواجا يتقدمهم ملوكهم وقادتهم.

  4. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل (1)
    أين تأسست الأكاديمية البربرية وما هو هدفها !!!؟؟؟
    لست مؤهلا للخوض في هذا الموضوع، لكن عندما نعلم أن فكرة تأسيس “الأكاديمية البربرية” كانت من طرف السياسي الفرنسي “جاك بينيت ” وهو من الأقدام السوداء، اقترحها على المعارض لنظام بومدين “محند أعراب بسعود”، فتقبلها، وقاما معا بتأسيس الأكاديمية البربرية سنة 1966 في فرنسا التي احتضنتها وتساهم في تموينها، وكان هدفها الأساسي سياسي وليس ثقافي، بدليل احتضانها لمعارضي النظام الجزائري ومنحهم اللجوء السياسي والجنسية الفرنسية، من ضمنهم منظمة “الماك” الإرهابية وأعضائها.
    أما مصطلح “الأمازيغ”، فما هو ثابت أنه لم يظهر إلى الوجود إلا في ثمانينات القرن الماضي بطلب من شاذلي بن جديد ليحل محل مصطلح “البربر”، والأكاديمية البربرية نفسها لم تستعمله.
    فضلا أن الجزائريين كانوا بمختلف طوائفهم في انسجام تام، لم يستعملوا أبدا أي من المصطلحين.
    سكان تيزي وزو يُنادَون بالقبائل.
    سكان الجنوب يُنادَون بالصحراويين
    سكان تمنراست يُنادَون بالترقيين
    سكان باتنة وما جورها يُنادَون بالشاوية.
    سكان غرداية يُنادَون بالمزابيين.

  5. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل (2)
    لمن يرجع الفضل في تأسيس “الأكاديمية البربري” !!!؟؟؟
    في كتابه تاريخ “تاريخ الأكاديمية البربرية”، قال “محند أعراب بسعود” ممتدحا “جاك بينيت” بما نصه:
    “إذا كان ينبغي على البربر، أيها الإخوة، أن يتذكروني ذات يوم إلى حد الرغبة في تكريم اسمي، فإنني أحثهم على ربطه باسم جاك بينيت، لأنه بدون مساعدة هذا الصديق الكبير للبربر، فإن عملي في صالح هويتنا ما كان لينجح. لذلك سيكون من العدل أن نقول: محند أعراب-جاك بينت كما نقول إركمان شاتريان” انتهى الاقتباس والالتباس

    1. يقول إبراهيم المغربي:

      اسمهم “امازيغ” وليس” بربر” يا غزاوي…كلمة بربر هي كلمة قدحية استعمارية الغرض منها التقليل من شأن سكان شمال إفريقيا الأصليين الاشاوس…

  6. يقول محمد علي:

    دكتور بلغيث
    هرم ورمز من رموز العروبة
    يعتبر مكتبة حقيقية ربي يطولنا في عمره إن شاء الله

  7. يقول ADIL akka:

    تابعت الحلقة كاملة.
    الاستاذ كان منهجيا في متعاطيه مع الموضوع. و كان عاطفيا و انفعالي لحد ما في رده على الأسئلة المتعلقة بالامازيغية و فرنسا. و لكن يحسب له انه يميز بين ما هو أكاديمي معرفي محض.،و بين ما هو شخصي ذاتي خالص. كان من الأفضل أن تكون مناظرة تلفزيونية حتى يقدم كل طرف ححجه بخصوص مشكل الهوية و الامازيغية و العلاقات الفرنسية.

  8. يقول رضا تونس:

    الإسلام دين الغالبية العظمى مما يطلق عليه العرب و العروبة هي إنتماء الى الحضارة العربية الإسلامية اما الأمازيغية فهو توصيف لبعض القبائل الي سكنت شمال إفريقيا
    ثم ٫كما أن الانتماء الأسري لا يلغي الأنتماء العشائري و القبلي فإن الإنتماء القبلي لا يلغي الإنتماء القومي أي الى الأمة العربية الإسلامية و لقد تشكلت الأمة العربية منذ 14 قرنا وانتهى الأمر والتاريخ لن يعود الى الوراء و كل إثارة للنعرات القبلية هي دعوات رجعية لا يمكنها أن تنجح سواء جاءت هذه الدعوات من الداخل عن جهل بقانون تطور المجتمعات أو من الخارج بهدف التٱمر و الفتنة فالأمة العربية عصية على الإندثار ولن تفلح كل محاولات إرجاع عقارب الساعة الى الوراء

  9. يقول إبراهيم المغربي:

    كلام غير عقلاني…انا امازيغي مغربي مسلم لا اتنازل عن أي من هذه المكونات الثلات…اتكلم الامازيغية بطلاقة…واعتز بأصولي وثقافتي….لا دخل للصهيونية ولا لفرنسا في الامازيغية…وامازيغ المغرب ايها المؤرخ المحترم اكثر تشبثا بالإسلام وأكثر تدينا من غيرهم…سواء من سكان الريف او سوس أو الأطلس ….ابحث عن الصهيونية في شبه الجزيرة العربية ستجدها اكثر ازدهارا هناك…

    1. يقول الحسن من العيون -المغرب:

      احسنت السي ابراهيم… بالإضافة إلى ماقلت اخي لن تجد ما يخدم الصهيونية واجندتها التفريقية أكثر من هذا الكلام الذي يقصي الآخر اقصاءا تاما بل ويصنفه وهو الاصيل أنه مجرد أداة في يد الصهاينة وفرنسا…

  10. يقول د محمد عوام:

    مع الأسف الأيديولوجية تغطي على الحقيقة العلمية، لأن من ورائها مشروع استعماري يدعمها. ما ذكره المؤرخ بلغيث هو ما يؤكده كثير من العلماء المؤرخون منهم واللسانيون، منهم العالم اللساني محمد الأوراغي في كثير من أبحاثه، وهو أمازيغي. وأكد أن مصطلح أمازيغية لا يعرف قديما. طبعا ففرنسا والصهيونية يستغلان القضية الأمازيغية لخلق الصراع بين العرب والأمازيغ، وتفتيت وحدة المغرب العربي

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية