يقول العالم الأمريكي هارولد لاسويل في نظريته الشهيرة السلسلة في عملية الاتصال:» من يقول ماذا، لمن، وبأي وسيلة، وما هو التأثير؟»
وهذه المقولة تختصر علميات الاتصال وطبيعتها حسب كل مجتمع، وكل نظام سياسي. فعملية الاتصال في الولايات المتحدة ليست كالعملية في فرنسا مثلا، أو روسيا، أو الهند حتى ولو كانت تعتمد جميعها نظاما سياسيا ديمقراطيا ليبراليا. وبالطبع فعملية الاتصال مختلفة تماما في دول أخرى تعتمد أنظمة سياسية مختلفة من أنظمة اشتراكية أو شبيهة لها، وأنظمة أحادية، أو ملكية وراثية،.. لكن عملية الاتصال تختلف وتتغاير حسب الأزمنة والأمكنة، والتطور التكنولوجي.
حكم الامبراطور نابليون
فإذا أخذنا بالبحث في عالمنا العربي نجد أن العملية الاتصالية في العهد العثماني التي كانت مقتصرة على الصحافة المكتوبة والتي كانت ملزمة بالتقيد بالمحظورات( كانت الصحف ملزمة بقاموس من الكلمات الممنوعة مثل ثورة، مظاهرة، حرية، ديمقراطية، رئيس جمهورية، انفجار، اغتيال.. وبالطبع عدم التعرض للسلطنة والمخالف تغلق صحيفته حتى أن الصحافة السورية احتارت كيف تنشر خبر اغتيال الرئيس الفرنسي سادي كارنو في العام 1894 فجاء الخبر: وفاة الزعيم الفرنسي سادي كارنو) أو أي كتاب يصدر يدين الاستبداد ويطالب بالحرية ( كتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي الذي اغتيل بسببه كمثال).
أما في عهد الاستعمار الفرنسي الإنكليزي ورغم انتشار الصحافة بشكل كبير، ثم ظهور الإذاعات، فإن الوضع لم يكن أفضل بكثير. ( وقد عرفت فرنسا الثورية أوضاعا مشابهة خلال حكم الامبراطور نابليون إذ كان يقول: «ألف مدفع أهون علي من صرير قلم»، وقام بمراقبة جميع الصحف الصادرة آنذاك بعد عقدين فقط من اندلاع الثورة)، ولكن هذه الصحف التي ظهرت كانت ملكية خاصة في مجملها وتخوض في مواضيع شتى. فكان منها ما هو مواليا للسطلة الحاكمة، ومنها ما هو معارضا لها. في عهد الاستقلال من الاستعمار، و» التحرر» انقبلت الآية، إلا فيما ندر، إذ قامت معظم الأنظمة العربية باحتكار العملية الاتصالية بسيطرتها على الصحافة والإذاعات ثم القنوات التلفزيونية، وبالطبع كل الإصدارات باتت تحت المراقبة، بسن قوانين إعلامية تتناسب وعقلية هذه الأنظمة المستبدة. وبالمفهوم الإعلامي العلمي ندعو هذه العملية بالإعلام العمودي، أي أن عملية الاتصال باتت تسقط من المرسل ( النظام) من الأعلى إلى الأسفل ( المجتمع بأكمله)، والرسالة الموجهة هي ما يريد النظام أن يمرره من « بروباغندا» أو طمس لبعض الحقائق، أو تشويهها، ( من يقول ماذا؟ لمن؟) والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى.
ويمكن أن نقول هنا أن التقدم التكنولوجي في هذا المجال كاختراع الراديو والتلفزيون جاء في صالح هذه الأنظمة التي كان بإمكانها السيطرة عليها وتجعلها ملكية عامة منذ البدء. (في فرنسا لم ترخص للإذاعات الخاصة إلا في العام 1981 في عهد الرئيس فرانسوا ميتران)، وحولت الصحافيين العاملين فيها إلى موظفين يدارون من قبل إداريين مراقبين لكل شاردة وواردة. ووضعت قوانين إعلامية تتماشى ومصالح هذه الأنظمة فكانت هذه الفترة من أسوأ الفترات التي مرت على وسائل الاتصال في تاريخ العالم العربي.
سيطرة الدولة
وإذا عدنا إلى سلسلة لاسويل مرة أخرى، لنرى التأثير فإننا نجد أن المجتمعات الواقعة تحت سيطرة إعلام الدولة قد عزفت عن وسائلها وتحولت إلى وسائل خارجية، خاصة بعد بروز إذاعات «الإف إم»، والقنوات التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية التي تبث بشكل مباشر على مساحات واسعة من العالم، فتحولت الأنظار إلى البي بي سي، وفويس اوف أمريكا، ومونت كارلو، وحتى بعض القنوات الإسرائيلية، ثم قناة «الجزيرة» التي حققت خرقا كبيرا وواسعا في منظومة الأنظمة الاتصالية العربية وباتت القناة التي توجه إليها الأنظار كونها انفتحت على كل المعارضات العربية، وتغطياتها للحروب في العراق وغزة وثورات الربيع العربي فيما بعد. وبمعنى آخر أن الإعلام العمودي برسائله الموجهة من الأعلى إلى الأسفل أثبتت عدم نجاعتها فالأنظمة الاستبدادية التي تعتقد أن « البروباغندا» على مبدأ النازي غوبلز» أكذب أكذب فلا بد أن تجد من يصدقك» يمكن أن تلمعها وتظهرها بحلة ليست حلتها سقطت جميعها، وأكبر دليل على ذلك ثورات الربيع العربي التي ثارت لنيل الحرية وحرية الرأي والتعبير.
وهذا ما يدعى تأثير « البومرانك» أي هذه اللعبة الاسترالية التي يقذفها اللاعب لتذهب بعيدا لكنها تدور ثم تعود لتضرب رأسه» تماما كإعلام السلطة العمودي. لكن سلطان السلطة على وسائل الإعلام انتهى عهده بضربة نجلاء من التقدم التكنولوجي الذي برز في العقدين الأخيرين في مجال الاتصال والتواصل: (الإنترنيت ومواليدها العديدة من يوتيوب، لفيسبوك، إلى تويتر والقائمة طويلة) وقد اصطلح على تسميتها بوسائل التواصل الاجتماعي، أو بمفهوم آخر: الإعلام الأفقي، أي على امتداد المجتمع الواحد أفقيا والتواصل على مستوى كروي، أي في جميع أنحاء العالم دون أن تكون للسلطان القدرة على السيطرة عليها.
وهذا التقدم التكنولوجي الذي ساهم بشكل كبير في مجموع ثورات الربيع العربي لم يكن في صالح الأنظمة الأحادية المهيمنة، التي ما انفكت منذ اندلاع الربيع العربي أن تواجه الإعلام الجديد بكل الوسائل من جيش إلكتروني سري يقوم بعمليات إعلامية مضادة، تقييد حرية الصحافيين بل واعتقال أعداد كبيرة منهم أو قتلهم بكل بساطة.
هذه المعركة تزداد احتداما كلما برز تقدم جديد مبتكر يكون الشعب أول المستفيدين منه. بمعنى آخر أن زمان أول قد تحول، وهذه الحقيقة الفاقعة ورغم فقاعتها مازالت بعض أنظمة العسكر، او أنظمة الثورات المضادة تعتقد أنها بتقييد حرية الصحافيين ونشر الخطاب المضاد والمضلل يمكنها أن تربح المعركة، لكن هذا التفكير نهايته الفشل الذريع، لأن هناك من هم يرفضون الاعتراف بالهزيمة.
كاتب سوري