الاحتلال يضم في صمت 3 قرى في القدس الشرقية

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

القدس- «القدس العربي»: بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإجراءات ضمّ فعلية لثلاث قرى فلسطينية تقع في مناطق شمال غرب محافظة القدس، عبر استصدار تصاريح وهويات ممغنطة خاصة لسكانها، لا تسمح لهم بالدخول إلى مناطقهم إلا عبرها.
وقد بدأت هذه الإجراءات قبل أيام قليلة، وهو ما وصفه مستشار محافظة القدس، معروف الرفاعي، بأنه إجراء ضمّ فعلي للأراضي، مع اعتبار السكان مقيمين بتصاريح خاصة، من دون أن يُعلن ذلك صراحة.
وقال رئيس مجلس قروي بيت إكسا، مراد زايد، في حديث صحافي، إنه قبل نحو 12 يوما أبلغ الاحتلال ثلاثة مجالس قروية، هي بيت إكسا والنبي صموئيل وحي الخلايلة، عبر طريق الارتباط الفلسطيني، بنيته ضمّها، بادعاء «أنها مناطق تماس». وأضاف أنه لم يتم حتى الآن البدء بأي إجراءات في بيت إكسا، لكن في النبي صموئيل وحي الخلايلة بدأ فعليا باستصدار بطاقات هوية ممغنطة وتصاريح دخول للسكان إلى هذه المناطق، ولن يُسمح لهم بالدخول إلا عبر هذه التصاريح التي تُصدر عن طريق الارتباط الفلسطيني.
وأشار زايد إلى أن دخول الزوار والعمال إلى هذه القرى كان يتم سابقا عبر التنسيق مع المجلس القروي، حيث يضع الزائر هويته قبل الدخول عند الحاجز العسكري، ويدخل برفقة عضو مجلس قروي ليستلمها لاحقا عند خروجه. غير أن هذا النظام توقف بشكل كامل منذ 10 أيام، مؤكدا أن الاحتلال يهدف من ورائه إلى التضييق على الأهالي، في إطار خطط تهجير السكان من هذه المناطق.

عبر تصاريح وهويات وتجاهل المقيمين في الخارج

ووصف الرفاعي، في حديث خاص لـ«القدس العربي»، هذه الخطوة الاحتلالية بأنها الأخطر منذ سنوات، موضحا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي شرعت بفرض إجراءات إدارية وأمنية مشددة على القرى الثلاث، عبر إلزام سكانها بالحصول على بطاقات ممغنطة وتصاريح دخول خاصة، ليتمكنوا من العبور إلى قراهم عبر حاجز الجيب العسكري، أو ما يُعرف بحاجز «جفعات زئيف».
وأضاف أن «هذه الخطوة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد إجراء أمني، تحمل في جوهرها إعادة تصنيف قسري للسكان الأصليين باعتبارهم مقيمين مؤقتين في أراضيهم، وتمهد لعزل هذه القرى عن محيطها الفلسطيني وربطها إداريا وأمنيا بالسيطرة الإسرائيلية المباشرة». وأكد أن الأخطر في الأمر هو تزامنه مع إعلان سلطات الاحتلال ضمّ كتلة «جفعات زئيف» الاستيطانية إلى حدود ما تُعرف ببلدية القدس، في إشارة واضحة إلى مشروع «القدس الكبرى» الهادف إلى تفريغ محيط المدينة من سكانه الفلسطينيين وتوسيع نطاق الضم الزاحف.
وشدد الرفاعي على أن فرض التصاريح على السكان الأصليين في أراضٍ محتلة يُعدّ، من الناحية القانونية، انتهاكا لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على قوة الاحتلال تغيير الوضع القانوني للسكان أو حرمانهم من حرية التنقل. كما أن التعامل مع هذه القرى وكأنها مناطق إسرائيلية خالصة يمثّل ضمّا فعليا غير معلن، يخالف مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة.
وأوضح أن أبناء القرى الثلاث الذين يسكنون خارجها لن يحصلوا على تصاريح دخول بسبب تغيّر عناوين سكنهم، وكذلك المرأة المتزوجة من خارج هذه القرى لن تحصل على تصريح دخول للسبب نفسه. وينطبق الأمر أيضا على من يتزوجون من خارج هذه المناطق، حيث لن تُمنح الزوجة تصريحا لأن الاحتلال لم يغيّر عنوانها إلى هذه القرى، كما يُسجّل الأبناء بعناوين الأمهات اللواتي يقمن خارج القرى، ما يعني حرمانهم من الحصول على تصاريح دخول.
وأضاف أن أصحاب الأرض الأصليين الذين يسكنون خارج هذه القرى منذ عقود مهددون بفقدان حقهم في العودة إلى أراضيهم ومنازلهم، إذ لن يُعترف بهم كسكان مقيمين، الأمر الذي يعمّق مأساة التهجير القسري المتدرج.
وعن البعد الإنساني، قال الرفاعي إن خطورة الأمر لا تقل شأنا؛ فالسكان الذين يعيشون داخل هذه القرى، ويبلغ عددهم نحو ألفَي نسمة موزعين بين القرى الثلاث، سيواجهون عزلة شبه تامة عن محيطهم الطبيعي، بما يترتب عليه من تعطّل الوصول إلى المدارس والمستشفيات ومصادر العمل. وأشار إلى أن الهدف من هذه الإجراءات هو تهجير السكان والتضييق عليهم، بحيث ينخفض عددهم تدريجيا خلال السنوات المقبلة.
وبيّن أن هذه المناطق تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية منذ فترة طويلة، وكان الدخول إليها يتم عبر العناوين المسجلة ومن خلال ثلاثة حواجز عسكرية، لكن سلطات الاحتلال تعتزم إلغاء هذه الحواجز وإقامة معبر واحد يشبه معبر قلنديا. وأوضح أن هذا الإجراء يعني أن هذه المناطق أصبحت تحت السيادة الإسرائيلية، وأن وجود السكان فيها مؤقت. ولفت إلى أن تصاريح مشابهة تُطبّق بالفعل على سكان يعيشون داخل بيوتهم في مستوطنات مثل بيت حنينا وحزما والضاحية في الرام وباقة الغربية، وستُطبق الآن على هذه القرى الثلاث التي يبلغ عدد سكانها نحو ثلاثة آلاف نسمة.
وفي ظل هذا الواقع الصعب، دعا الرفاعي إلى تحرّك فلسطيني عاجل على مستويين: الأول سياسي ودبلوماسي، عبر مخاطبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة، وتفعيل ملف المحكمة الجنائية الدولية باعتبار ما يجري شكلا من أشكال الضم القسري والتمييز العنصري. كما شدّد على أهمية تنسيق عربي وإسلامي ودولي واسع لتشكيل جبهة ضغط حقيقية على إسرائيل. أما المستوى الثاني فهو عملي داخلي، من خلال دعم صمود الأهالي ماليا وخدماتيا، وتوثيق الانتهاكات بشكل منهجي، وتوفير بدائل خدمية عاجلة في مجالات التعليم والصحة والتنقل، بما يحول دون نجاح الاحتلال في عزل هذه المجتمعات واقتلاعها من جذورها.
وختم قائلا: «إن ما يجري في بيت إكسا والنبي صموئيل وحي الخلايلة ليس مجرد تفاصيل محلية، بل هو اختبار جديد لقدرة القيادة الفلسطينية والحكومة على التصدي لسياسات الضم الزاحف. فإما أن يُتعامل معه كملف مركزي في الصراع على القدس، أو سيصبح حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الوقائع المفروضة التي تتآكل معها الأرض والحقوق يوما بعد يوم».
وفي سياق متصل، وزّعت سلطات الاحتلال أوامر استيلاء جديدة على أراضي المواطنين في بلدة عناتا شمال شرق القدس المحتلة لصالح بلدية الاحتلال. وأفادت محافظة القدس بأن الاحتلال وزّع الأوامر على أصحاب الأراضي في البلدة بهدف إقامة مواقف سيارات وتوسيع الشوارع المؤدية إلى مستوطنة «معاليه أدوميم». وتبلغ مساحة الأراضي المستهدفة 140 دونما، تمتد من حاجز مخيم شعفاط مرورا بمستوطنة «معاليه أدوميم» وصولا إلى المعسكر شرق عناتا، وهي أملاك خاصة، وذلك لاستكمال مشروع «E1» الاستعماري.
وحذرت المحافظة في وقت سابق من هذا الشهر من توقيع حكومة الاحتلال اتفاقية «سقف» مع بلدية مستوطنة «معاليه أدوميم»، تتضمن تخصيص نحو 3 مليارات شيكل لمشاريع بنية تحتية، تمهيدا لبناء أكثر من 7,600 وحدة استيطانية، من بينها 3,400 وحدة في منطقة «E1» شرقي القدس المحتلة. وأشارت إلى أن هذا الاتفاق يهدف إلى تسريع البناء الاستعماري وتعزيز المخططات الاستيطانية من خلال ربط «معاليه أدوميم» بالمنطقة الصناعية الاستيطانية «ميشور أدوميم» والمشاريع الأخيرة المصادق عليها في «E1».
وقال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو خلال مراسم توقيع الاتفاقية في مستوطنة «معاليه أدوميم»: «لن تقوم دولة فلسطينية، هذا المكان هو لنا»، مضيفا: «معاليه أدوميم جزء من أرضنا وسيكون هناك المزيد منها». وتابع: «ما يحدث هنا اليوم هو خطوة تاريخية، لأننا نبدأ بمضاعفة حجم المدينة. خلال خمس سنوات سيكون هنا 70 ألف نسمة. هذا تغيير ضخم. ما نفعله هنا هو تحقيق رؤية».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية