يعدُّ الشعر من أرقى الصنوف التعبيرية التي اجترحها الإنسان، وجنح إليها منذ عصر اليونان، الذين وظفوه خدمة للميتافيزيقا والأسطورة، وقبلهم مع المجتمعات المائية (بلاد الرافدين ومصر) التي نزعت إلى الشعر واستخدمته (ملحمة كلكامش نموذجا) قبل أن يتكوَّن ويتشكَّل بدنيا العرب قبل الإسلام، ويتسرب إلى الوجدان، مبرزا شواغلهم وهمومهم، ومظهرا، أيضا، أمانيهم؛ ومن ثمّة غدا العرب من أكثر الشعوب براعة في قرض الشعر، وهم أوّل من استعمل تقنيات وأدوات نقدية في تحليل النصوص الشعرية وتفكيكها، وقد ظفروا، عن اقتدار، بنعت «ملوك الشعر». لطالما كان الشعر مرتعا ملائما يحتوي الإنسان الذي يفضح ما يُخامر وجدانه وما يُساور خلده، وقد ينطلقُ، الشاعر، من الواقع وما يمور به، وقد يمتحُ من الخيال ويبلور استيهاماته في نصٍّ شعري، بيد أنّه، ورغم النهل من مَعينِ التخييل، إلّا أن الشعر، يقترنُ بشكلٍ وثيق بالواقع وقضاياه، وما ينضحُ به من إعضالات تمس الإنسان في المقام الأول.
لقد تمكن الإنسان العربي، بشكلٍ تدريجي، من وضع مقوماتٍ لا يُمكن أن يخرج عنها النص الشعري من قبيل: الموضوع: رثاء، مدح، هجاء، غزل، واللغة المكتظة بالأساليب البلاغية، الصور الشعرية، الوزن، القافية، البحر، إلخ.
هذه الحظوة المائزة التي يتمتع بها الشعر راجعة إلى كونه يتصل بالواقع، يفضحه، يُعرِّي المقموع فيه، ويُتيح للشاعر التمتع بقدرٍ هائلٍ من الحرية، فضلا عن أنّه باستناده إلى اللغة الفخمة، القويمة، الفاتنة يُمكِّنه من تلطيف حاسة الكائن البشري، ويثبت رويّته، ويرفع منسوب التذوق الجمالي.
يتبيّن من كلّ هذا أنّ الشعر والواقع هما صنوان لا ينفصلان عن بعضهما بعضا، مهما تبدلت الظروف ورغم تصرُّم السنون. قد يتقدم أحدهم محاولا تقويض هذا الزعم، ويدّعي أنّ الشعر صنف أدبي تخييلي، ينقل القارئ إلى عوالم تتعدّى المنطق، غير أنّ ما يزكي الزعم القائل إنّ الشعر ينكبُّ على الإنسان، ويحاول الغور في قضاياه، ولا يخرج عنها هو العبارة المكثفة، الدالة التي قالها الكاتب الإيطالي بعد انفلاته من عقال معسكرات النازية: «إن ما يبرر الفلسفة والأدب هو مقاومة وحشية البشر، والدفاع عن الحياة وتحريرها من استبداد شهوة الاستعباد والقتل». قد يتبدى للمتلقّي أنّ الشاعر يكتب عن عالمٍ موازٍ (شاعرٌ يدبج نصوصا في الغزل على سبيل التمثيل لا الحصر)، غير أنّ قراءة نصه مستحضرا السياق الاجتماعي والظرفية التاريخية اللذين أسهما في تكوُّنه، وتأويله بأريحية عالية، سيجعله يستجلي ويستشف المضمر والمتواري؛ فالشاعر المتغزل بعشيقته يصور معضلة وجودية تتمثل في عشقٍ جارف يصطدم بعرقلة اجتماعية، دينية، إثنية وعرقية، إلخ، فهو لا يتغزل بحبيبته اعتباطا، بل يحاول الإبانة عن قضية ما؛ فالإنسان لا يكتب إلّا إذا كان مثقلا ومنخورا شيّبتهُ دهارس الحياة.
ولعلَّ أجلى مثالٍ عن تمازج الشعر بالواقع هو ديوانُ «زبد البحر» للشاعرة سعاد كعب ، الصادر في طبعته الأولى عام 2017 عن دار المناهل، والممتد على مساحة 109 صفحات من القطع المتوسط، إذ إنَّه انضوى على جملةٍ من الخواص التي ميّزته، كوكبةٌ منها استعرضها التقديم أعلاه، والمتبقي منها ستُفردُ له هنا مساحة منبسطة. طبعتْ الأناقة لغته، من دون الوقوع في دسيسة الاستعراض اللغويـ الذي يغتالُ المعنى ويئدُ القضية المزمع المنافحة عنها، فضلا عن أنَّها لغة تستعينُ بحبال الإلغاز والإضمار، ومن ثمة فهي تعاكسُ المباشرة والتقريرية الفجَّتين. ونضرب، في هذا المضمار، مثالا من الديوان: «من سرق الشمس؟
من خطف الأبصار؟
تركنا في ظُلمة الليل
المعتوه
نلوكُ السؤال
أهو بيننا موجود
على كرسيّه الوثير»
يتبدَّى لنا هنا الاشتغال الواعي واللمَّاح على اللغة، موظفة إيَّاها باعتبارها أداة لا هدفا؛ علاوة على أنَّ ما جعل اللغة في هذا الديوان قويَّة ودالة هو، مزجها بالنَّفَس الفلسفيِّ واحتشائها بأسئلة وجودية في غاية الترميز والأهمية، ولعلَّ ما يزكِّي هذا الادعاء هو جنوح الشاعرة صوب توظيف جملٍ قصيرة، غير مكتملة، وهي جملٌ تتقلَّدُ مهمَّة إتاحة مساحة رحيبة للمتلقي للقراءة والتأويل وملْ الفراغات بحرية وأريحية بائنتين. يظهر مدى تفهُّم الشاعرة لوظيفة اللغة في الشعر الحديث من خلال تحررها من أغلال الوزن والقافية الموحدة، ومن ثمَّة فإنَّها مشت وئيدة الخَطو صوب اجتراح إيقاعٍ داخليٍّ في مُجمل قصائدها، عبر تقنية التكرار التي تؤدِّي في ذلك الموضوع مهمَّة التوكيد بغية ترسيخ الفكرة في ذهن المتلقي.
هذا الديوان الشعري غير المتجانس على مستوى القضايا المطروقة في مجمل قصائده، ينضوي على جملةٍ من الرموز والتلميحات السريعة والعابرة، ولعلَّ في مقدمتها نجد: رمزية البحر/الذرة: الراجحُ أنّ الشاعرة سعاد كعب تنزع إلى توظيف هذه الثنائية متقصِّدة التعبير عن جدلية: التناهي واللاتناهي؛ حيث إنَّ الذرة أو قطرة الماء هي تمثيلٌ حقيقيٌّ لتناهي الذات الآفلة، مقابل لا متناهي الوجود، الذي يمثله البحر دائم الحركة والتجدد بلا انقطاع. كما نستحضر، في هذا الباب، رمزية الطائر بلا أجنحة التي هي ترميزٌ بائنٌ وجليٌّ لوضعية العجز الوجودي، والظاهر أنَّ هذا الترميز اللمَّاح والمكثف يجمع بين جموح الرغبة في الانفلات من أيِّ قيدٍ محتمل، وهو كناية عن الطيران/التحليق في استشعارٍ كليٍّ للحرية، مقابل الأغلال المكبِّلة. أستدعي هنا مقطعا من الديوان: «ولدتُ طائرا بلا أجنحةٍ»
ولدت ذرة سابحة في بحر الخيالات
في بحر الشجون
ولدت لتعشق
ولدت طائرا يحومُ في العلالي كذرةٍ سارية لا تعرفُ الجدود
كطائرٍ بلا أجنحة»
يُستشفُّ القارئ وهو يغور في هذا الديوان الشعري طغيان جدليات وجودية ما انفكَّتُ تستبدُّ بتفكير الإنسان وتستنفرهُ، ويمكن إجمالها في ثلاث جدليات رئيسية:
أولا: جدلية الحضور والغياب/الظهور والتواري: إنَّها جدلية تجاوزت حدودها وارتقت إلى مرتبة بنيوية تغلغلت في النص، وأحكمتْ قبضتهُ، وذلك يظهر بجلاء عبر تحوُّل الغياب المادي للآخر إلى حضور حسي من خلال الأثر والتذكُّر، وهذا يسفر عن أنّ المكان، وعلى الرغم من وفرة الماديات فيه، إلَّا أنَّه مكتنزٌ بالغياب.
ثانيا: جدلية النفسي والوجودي: هذه النصوص الحافلة بالتأملات الفلسفية المرنة والمزدحمة بالأسئلة الوجودية، هي انعكاسٌ بادٍ لرحلة غير يسيرة في دواليب النفس الإنسانية مستفسرا عن جدوى الوجود ومآلات الحياة: تقول الشاعرة: «ويبقى السؤال: ماذا بالعمر صنعت؟ ماذا للعالم قدمت؟
يبقى السؤال
يشغلُ المكان».
ثالثا: المنظور الاجتماعي: أفردت الشاعرة سعاد كعب أكثر من قصيدة في ديوانها لمحاكمة الزيف الاجتماعي المتمثل أساسا في الخيانة والمخاتلة وانتفاء الصدق والإيثار وجملةٍ من المشاعر النبيلة التي أخذت تتبدَّدُ تدريجيا، ومن ثمة فإنَّها كرست قصائدها تلك لمحاكمة هذه الأقنعة الاجتماعية، التي تُوظف حسب السياق، فالخيانة في شعرها، من باب التمثيل لا الحصر، لم تكن كناية عن الخيانة المتواضَع عنها والمتعارف عليها، إنَّما تشملُ المبادئ والوعود والكلمة أيضا معرضةٌ دائما للخيانة.
وخلاصة القول، إن هذا الديوان الذي تخيَّرت الشاعرة «زَبَدٌ مِنْ بَحْرٍ» عنوانا له هو عبارة عن بنية شعرية في غاية التعقيد؛ حيث تتمازجُ فيه الطبيعة بوسمها خلفية للصراع مع حفنةٍ من الأسئلة الفلسفية التي تستوجبُ النظر والتمعُّن المُتروي، ولعلَّ هذا ما يجعله نصّا شعريا واعيا متصفا بالنُّضج بمنأى عن القراءة السريعة؛ حيث إنَّه يفرضُ على المتلقي: قارئا وناقدا استدعاء المنهجيات النقدية الحديثة لاستنطاق دلالاته وتعرية مضامينه واستشفاف مقاصده ومراميه الأدبية والإنسانية.
كاتب مغربي
الصياغة رائعة!