في الحياة السياسية لكل بلد منعطفات ولحظات تاريخية، المنعطفات التاريخية قليلة بينما اللحظات التاريخية اكثر.. لماذا؟ لأن المنعطف التاريخي ينطوي، أحياناً، على انقلاب حادّ في موازين القوى يؤدي إلى تغيير في النظام السياسي القائم، بينما اللحظة التاريخية تنطوي على تغيير، بمعنى تبديل، في وجوه أهل السلطة لا يمس بالضرورة بنية النظام القائم.
شهد الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري لحظةً تاريخية فارقة، ففي ذكرى مرور أربعة أشهر على كارثة الانفجار المروّع الذي دمّر مرفأ بيروت وشطراً من العاصمة، تمكّن الطلاب العلمانيون والمستقلّون في الجامعة اليسوعية، المعقل التقليدي لليمين السياسي المسيحي الطائفي، من تحقيق فوز لافت على مجموعة من الأحزاب، الوسطية والطائفية الإسلامية والمسيحية، المشاركة في السلطة حالياً، أو كانت لها السيطرة الكاملة في السنوات الماضية. سبق فوز العلمانيين والمستقلّين في الجامعة اليسوعية فوزٌ مماثل قبل أيام للطلاب العلمانيين والمستقلين في جامعة بيروت الأمريكية والجامعة اللبنانية الأمريكية وغيرها من الجامعات الخاصة.
القوائم الطلابية العلمانية والمستقلـة الفائزة بنحو 85 مقعــداً من مجموع المقاعــد الـ101 المتنافَس عليها فـــي كلّيات الجامعــة اليسوعية الـ12، احتفلت احتفالاً صاخباً بفوزها، وأعطته معنى الانتصار المدوّي على السلطة وأحزابها المشاركة في الحكومات المتعاقبة، والمسؤولة عمّا يعانيه لبنان حاليّاً من انهيار مالي واقتصادي وفساد منقطع النظير في شتى الإدارات والمرافق العامة، ونهب الأموال العامة، واستشراء العصبيات الطائفية، وتفكك ما تبقّى من هياكل الدولة المهترّئة. أكثر من ذلك، أعلن العلمانيون ومن يذهب مذهبهم من الطلاب والمناصرين، أن فوزهم هو بدايةٌ لتغيير شامل في الحياة السياسية عنوانه البارز، إسقاط المنظومة الحاكمة بكل رموزها وامتداداتها في نطاق الدولة ومجالات الحياة العامة. هل ما حققه الطلبة العلمانيون وحلفاؤهم من انتصارات في الجامعات، كافٍ بحد ذاته لتوليد القوة والزخم اللازمين لإحداث التغيير الذي يصبون إليه؟ تتمنى القوى الوطنية الحيّة والمواطنون المخلصون، أن يكون للطلبة العلمانيين وحلفائهم القوة والتصميم الكافيين لإعادة تجديد الانتفاضة الشعبية االتي كانت قد انطلقت في 17 تشرين الأول/أكتوبر2019 عابرةً الطوائف والمناطق، وفاعلةً في توليد ضغوطٍ كافية لإكراه حكومة سعد الحريري على الإستقالة، لكن زخم الانتفاضة وتأثيرها انحسر مع مطالع العام الحالي بفعل عاملين: اندلاع جائحة كورونا، ونجاح قوى المنظومة الحاكمة في زرع عناصرها ودسائسها في أوساط الانتفاضة، ما ادى إلى تصدّعها وانقسامها على نفسها وتراجعها.
ظاهرُ حالِ القوى الوطنية التقدمية في لبنان، أنها منشغلة عن مهمة التغيّر العميق الشامل، بإغراءات التغيير الظرفي السطحي العابر
إلى ذلك، ثمة عوامل أخرى تاريخية أسهمت في ترسيخ التعددية العميقة والمرهقة التي تميّزت بها المجتمعات الأهلية في لبنان، وأهمها ثالوث التقليد الجامد، والحكم الجائر، والعدو الطامع. ففي ظلّ تلك العوامل، أو بفعلها، غابت الحرية أو غُيّبت، وبالتالي تعطّلت حركات النهضة والتجديد، وترسخت هيمنة القوى الخارجية، وساد المجتمعات الأهلية ركود شامل وتخلّف مديد. صحيح أن مجتمعاتنا الأهلية شهدت احياناً لحظات تاريخية، تمثّلت بتلاقٍ بين مختلف القوى الوطنية الحيّة ضد حاكم ظالم، أو عدو طامع، لكنها كانت لحظات عابرة، محدودة الفعالية، ولم تستولد تحركاً شعبياً واسعاً وزخماً قوياً مولّداً لتيار وطني نهضوي شامل. في لحظات التلاقي التاريخية القليلة أمكن للقوى الحيّة توليد قدرات مكّنتها من تحقيق تغيير باهت ومحدود في وجوه أهل السلطة ومفاصلها. لكن مستثمري ثالوث التقليد الجامد، والحكم الجائر، والعدو الطامع، سرعان ما تدبّروا أمورهم، وتمكّنوا من تعديل موازين القوى، وابتداع المعادلات والتسويات الكفيلة باحتواء قوى التغيير، وإعادة بسط سيطرتهم على مفاصل السلطة ومرافق البلاد ومواردها. أليس هذا ما حدث فعلاً في اللحظة التاريخية التي ولّدت وفاقاً وطنياً شعبياً سنة 1943 بشأن إسقاط مواد الدستور، التي وفّرت للمفوض السامي الفرنسي صلاحيات التحكم والسيطرة، إذ سرعان ما أعقبتها انتخابات مزورة نظّمها الحاكم الاستقلالي الأول بشارة الخوري، لتعديل الدستور تأميناً لتجديد ولايته، فتسبّب بانتفاضة سياسية عارمة أكرهته على الاستقالة سنة 1952؟ ألم يحدث الأمر نفسه في اللحظة التاريخية التالية، عندما حاول الحاكم الذي خلفه كميل شمعون تعديل الدستور لتجديد ولايته سنة 1958، فاندلعت انتفاضة شعبية محدودة أكرهته على التراجع؟ ألم يحدث الأمر نفسه أيضاً عندما تمكّنت القوى الوطنية التقدمية من تعبئة جماهير واسعة في شتى مناطق البلاد حول برنامجها المرحلي للإصلاح الديمقراطي، فكان أن انبرت لها قوى طائفية داخلية، متواطئة مع قوى إقليمية لإجهاض حركتها، باستدراجها إلى حرب أهلية استمرت من سنة 1975 لغاية 1990؟ في كل هذه اللحظات التاريخية الوجيزة نجحت القوى الوطنية في تحقيق تغيير محدود في بنية النظام ووجوه أهل السلطة، لكنها أخفقت في تطويره، لافتقارها إلى الرؤية والقوة اللازمين لتعميق التغيير وتوسيع افقه.
اليوم حققت القوى الطلابية العلمانية وحلفاؤها انتصاراً لافتاً، فهل تراها تلتزم مهمة تعميقه وتوسيع أفقه باتجاه بناء الدولة المدنية الديمقراطية، المبنية على أسس حقوق الإنسان، وحكم القانون والعدالة والتنمية والإبداع الحضاري؟ ظاهرُ حالِ القوى الوطنية التقدمية في لبنان وطرائقها في مواجهة التحديات، التي افرزها ثالوث التقليد الجامد والحكم الجائر والعدو الطامع يشيرُ إلى أنها منشغلة عن مهمة التغيّر العميق الشامل بإغراءات التغيير الظرفي السطحي العابر. الحقيقة أن التغيير في لبنان ممكن، لكن التغيّر صعب. فالتغيير أمر مصنوع، وغالباً ما يكون صادراً أو مفروضاً على الفرد والجماعة من خارجهما، ويكون ظرفياً ومحدود الفعالية، ومشروطاً بمدى قوة الجهة التي تفرضه، بينما التغيّر ذاتي نابع من داخل الإنسان ومشاعره ومطامحه، ويكون استمراره مشروطاً بمدى عمق وجدّية صاحبه، والتزامه رؤيةً متكاملة للتحرر والتقدّم والتجدد. ما يلزمنا في لبنان، وربما في بلاد العرب، هو التغيّر العميق والالتزام برؤية نهضوية متكاملة وباستراتجية للعمل وللمقاومة والتحرر والإصلاح الجذري، والتقدم والتجدد الحضاري. التغيّر المنشود يستوجب بناء حركة وطنية نهضوية واضطلاع قياديين مقتدرين من ذوي النَفَس الطويل، لقيادة نضالٍ دؤوب قد يستمر جيلاً أو جيلين لتحقيق النصر والطموحات المشروعة.
كاتب لبناني
لن يحدث أي تغيير في لبنان طالما هناك وجود لإيران في ذلك البلد. الله المستعان.
التغيير في لبنان ممكن ، ويمكن ان يشرق لبنان مرة ثانية ، لكن كيف ومتى. ،، عندما غرد حزب الله خارج السرب اللبناني ،، لمصلحة ايران ، غردت الاحزاب الاخرى ايضا خارج السرب ،،،،عندما ينفك حزب الله من الهيمنة الايرانية ويعود حزبا لبنانيا نقيا ،،،، شعاره لبنان اولا. ،،، و ستعود وبدون شك كافة الاحزاب اللبنانية الى الحظيرة اللبنانية ، سيتآكل الفساد ويسقط. سواء كان ماليا او سياسيا ،
ستعود شمس لبنان لتشرق من جديد ،،،