التفتيت المطلوب

حجم الخط
1

اللبنانيون خائفون من المجهول بعد اغتيال أحد الوزراء السابقين بسيارة مفخخة في قلب العاصمة بيروت. السوريون خائفون على مصيرهم نتيجة استمرار الصراع العنيف والتدميري. المصريون خائفون على بلدهم من العمليات الإرهابية التي بدأت تصيب مؤسساتهم الدولية والعسكرية.
اليمنيون خائفون على وحدتهم مع تقدم الطروحات التقسيمية والعمليات العسكرية المتفرقة التي تصيب قطرهم. الليبيون خائفون على حياتهم ووحدتهم ودولتهم بعد نمو حركات التفتيت القبلية والجهوية. العراقيون خائفون على وحدة العراق وسيادته بعد تزايد العمليات الإرهابية والسيارات المفخخة. بالمختصر كل العرب خائفون.
كيف لنا أن نفسر هذا الخوف في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن نكون الآن في حالة زهو وأمل وتفاؤل بالمستقبل؟ ألم ينجح الربيع العربي بإسقاط الإستبداد وإقامة الديمقراطية في أكثر من بلد عربي؟ ألم يقم المواطنون بالإقتراع في انتخابات حرة جرت كما كانوا يتوقون؟ ألم يحكم من ربح الإنتخابات؟ لماذا تتفسخ المجتمعات وتعود إلى عناصرها الأولى؟ لماذا لم تقد الثورة إلى الثورة؟ لماذا عادت لغة الفتنة والحزازات الطائفية والنعرات العصبية؟ بعض من كان متحمساً أجاب بأنه ربما كان أخطأ قليلا عندما نسي التوقف عند تعقيدات النسيج الاجتماعي العربي وقدرته على إعاقة أي تغيير داخلي.
نعم ربما كان هذا البعض على خطأً. نعم إن الإعتراف بالخطأ فضيلة. لكن هل يكفي قول ذلك لتصفية الحساب؟ وكجردة لما جرى؟ ألا يفترض بهذا البعض أن يقول لنا ماذا علينا أن نفعل اليوم لكي نصلح الخطأ؟ هل نتابع في الطريق ذاته أم نتوقف ونجري استدارة معينة؟ كيف نضع حداً لحالة الإهتراء المجتمعي التي أصبنا بها؟
لقد صار من المؤكد أن صراعاً من نوع آخر يجري على أرضنا العربية. فهو لا علاقة له بالتغيير الداخلي ولا بالإستبداد ولا بالحرية. لقد صار من الواضح أن بلادنا عرضة لصراع أكبر منا ومن حريتنا.
فالدول الكبرى في العالم تتصارع على موقعنا وثرواتنا ومواردنا. لقد صار من الواضح أن دولا إقليمية جارة وشقيقة تتصارع فيما بينها وتحاول أن تمد نفوذها الطبيعي إلى حيث يوجد فراغ حولها. ومن نافل القول أن حالة الإهتراء المجتمعية التي وصلنا إليها تمنـــــح من حيــــث لا ندري فرصة تاريخية لكل من يستطيع أن يعبئ الفراغ المخلوق. ومن هنا حتى نتصور أن ذلك كان وراء ما قام عندنا من ثورات، خيط رفيع يتردد البعض بتجاوزه.
على أي حال وسواء كانت النتيجة التي وصلنا اليها مخططة سلفاً أم عفوية فإن المهم اليوم أننا وصلنا إلى حالة صارت بلادنا فيها خائرة القوى وضعيفة إلى درجة يمكن معها لأي قوي ان يستغلها ويخضعنا. لقد وصلنا إلى حالة الدول الكسيحة التي يتقاتل ابناؤها فيما بينهم امام أعين الطامعين. فماذا يقترح علينا الآن معلمو الإقتراحات الثورية؟ لقد صرنا مقسومين إلى شيعة وسنّة يا صاحبي فماذا تقترح الآن من حلول لتجنب الصراع الأهلي الدموي العنيف المعلن؟
أن يعترف البعض بارتكابه خطأ جميل لكن غير كافٍ. عليه أن يطلّعنا الآن من هذه الورطة. أو على الأقل عليه أن يدلنا على طريق جديدة نوقف معها الخسائر عند هذا الحد. أو عليه أن يغيّر المعادلات الأولى ويستبدلها بأخرى أكثر واقعية. لأن الإستمرار في مواصلة هذا النهج لا يعود خطيئة بل جريمة.
نصحتنا بعض القوى العظمى يوماً باعتماد الفوضى الخلاقة وها نحن في قلب قلبها. لكن تبيّن أن الفوضى الخلاقة مدمّرة لنا ولشعوبنا ولدولنا وجيوشنا وبنانا التحتية وعمراننا البشري والمادي لكنها خلاّقة لمن يديرنا ويسيطر على ثرواتنا. ألم يحن الوقت بعدُ لكي نوقف هذه المجزرة؟ ألم يحن الوقت بعدُ لكي نقول لا لهذا المخطط الدموي؟ ألم يحن الوقت بعدُ لكي نعود أدراجنا إلى الوراء؟ أم أننا نحن العرب خلقنا لكي نقود الحروب الخاسرة دوماً؟ أم اننا نحن العرب لا نعرف التراجع خطوة لكي نتقدم خطوتين؟
التقدم من الإستبداد إلى التفتت والحروب الأهلية ليس تقدماً يا سادة. إنه كارثة ببساطة. وأوقفوا التمثل بتاريخ الثورة السورية رجاءً. أوقفوا حكاية أن الثورة الفرنسية احتاجت الى أكثر من قرن ونصف لكي ترسي أهدافها. فكما سبق وقلت هنا أن الفرق بيننا وبين الثورة الفرنسية كبير. ففرنسا الثورة لم تكن عرضة للأكل من إستعماريين يهددونها أما نحن فبلى. والأبخرة التي رأيناها في الثورة الفرنسية لم تكن أبخرة المباخر بل أبخرة المصانع. وشتان ما بين الإثنين.
ما نراه، نحن اللبنانيون، في مدينة طربلس من تقاتل أهلي هو بالتأكيد ليس ثورة. ما رأيناه في مدينة صيدا قبل مدة قصيرة هو بالتأكيد ليس ثورة. ما نراه أمام أعيننا يتحضر في العاصمة بيروت هو بالتأكيد ليس ثورة. ما سمعناه على لسان رئيس ‘مملكتنا’ هو بالتأكيد ليس ثورة ولا يبشر بها. بالعكس. ما جرى في لبنان بين عامي 1975 و1990 لم يكن بالتأكيد ثورة. فإذا كان كل ما جربناه في لبنان منذ حوالي اربعين عاماً لم يكن ثورة فلماذا سيكون كذلك في دول جارة وشقيقة وهي تمتلك، مثلنا، نفس الشروط المجتمعية والمادية والروحية؟
الفوضى الخلاّقة جعلتنا دولا كسيحة لا تدار إلا من الخارج . جعلتنا دولاً فاشلة. بتنا نمتلك كل الأهلية لكي نُستعمَر من جديد. فهل كان هذا هو الهدف المطلوب منذ البدء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد ساعد الجزائر:

    ،شكرا على المقال و خصوصا العنوان فهو في محله
    الشعوب العربية ينقصها وللأ سف الوعي السياسي الكافي لستعاب ما يحاك ضدها، فهي شعوب عاطفية تنساق وراء اعلام موجه

اشترك في قائمتنا البريدية