غزة ـ «القدس العربي»: كعادتها أثارت حكومة إسرائيل اليمينية شكوكا كبيرة حول نواياها المضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وأثبتت بأفعالها الميدانية على الأرض، أنها قد تعود مجددا للعدوان على قطاع غزة، بحجج واهية تضعها في هذا الوقت، وهو أمر دلل عليه تصريحات كبار مسؤوليها، وسط إشارات أمريكية بإمكانية التغاضي عن ذلك.
ومع الحديث عن التهدئة، التي بدأ تطبيقها ظهر يوم الجمعة قبل الماضية، لا يمكن أغفال ما قامت به إسرائيل على مدار الأيام الماضية التي تلت دخول الاتفاق حيز التنفيذ، لتعطي بذلك إشارات على إنها ستمضي وفق أهوائها وخططها الحربية في شن هجمات متفرقة، تعمل من خلالها على توتير الأجواء، مع مواصلة حصد المزيد من أرواح الضحايا.
هجمات دامية تخرق التهدئة
كانت بداية الهجمات ضد غزة رغم الاتفاق المبرم، يوم الثلاثاء الماضي، أي بعد يوم من إتمام مراسم عملية تبادل الأسرى بين المقاومة وإسرائيل، وهو ما يشير إلى أن الأخيرة أرادت بذلك التأكيد على أن قرار الموافقة على التهدئة كان هدفه فقط عقد هذه الصفقة، وذلك خلافا لما يروجه الوسيط الأمريكي، الذي يعود للوقوف إلى جانب إسرائيل في أي ظرف.
وفي تلك الهجمات التي أوقعت العديد من الضحايا، كان بينهم خمسة مواطنين في حي الشجاعية حينما حاولوا الاقتراب من مناطق سكنهم لتفقدها، وربما الحصول على مستلزمات أساسية تنفعهم في النزوح الذي يعيشونه رغم قرار وقف إطلاق النار، وآخرون من مناطق تقع شرق المنطقة الوسطى وفي بلدات خان يونس الشرقية.
وفي عدة حوادث سجلت، تعمدت قوات الاحتلال استهداف هؤلاء المواطنين بالرصاص من طائرات مسيرة، أو بقذائف مدفعية، لتقتل وتصيب عددا منهم، لحظة اقترابهم من مناطق سكنهم، وهناك لم تهدأ أصوات إطلاق النار من جنود الاحتلال الذين ما زالوا يحتلون أجزاء كبيرة، تمثل تقريبا ما نسبته 53 في المئة من أراضي قطاع غزة، ضمن ما يعرف بـ «الخط الأصفر».
وسجل في هجمات أخرى عنيفة إصابات في صفوق نازحين ما زالوا يذوقون ويلات ومرارة الحرب في خيام مقامة على مقربة من «الخط الأصفر»، فأصابت عددا منهم، وبثت حالة من الذعر والخوف في صفوفهم، خشية من هجمات جديدة، في ظل التهدئة القائمة، وتوالت الهجمات حتى أنه لم يخل يوم بعد عملية التبادل إلا وشهد سقوط ضحايا جدد.
و»الخط الأصفر» الذي يقسم القطاع إلى جزء شرقي وآخر غربي، يتيح حتى اللحظة للجيش الإسرائيلي بالسيطرة على 53 في المئة من مساحة قطاع غزة، والمتمثلة بمناطق واسعة من جهة الشرق، ومناطق على مقربة من الحدود الشمالية والجنوبية للقطاع، بعدما انسحبت قوات الاحتلال من مراكز المدن والمخيمات، وعادت للانتشار في تلك المناطق بموجب التهدئة التي دخلت حيز التنفيذ ظهر الجمعة الماضية.
تقييد المساعدات
وإلى جانب هذا، استمرت مأساة غالبية سكان قطاع غزة، الذين رغم التهدئة، بقوا نازحين في خيام مهترئة ومراكز إيواء مدمرة في أغلبيتها، وقد لوحظ أن هذا العدد ازداد بشكل كبير خلال فترة الهجوم الأخير على مدينة غزة، وعلى المناطق الحدودية الشرقية لمدينة خان يونس.
فسكان تلك المناطق، وكذلك سكان البنايات والأبراج التي دمرت بغارات إسرائيلية مؤخرا، يعيشون ظروفا صعبة في الخيام، ويتقاسمون مشقة الحياة مع باقي سكان القطاع، الذين يعيشون في منازل أصابها الضرر الجزئي خلال الحرب، وكانوا يتطلعون لتخفيف أزماتهم خلال التهدئة، لكن هذه الأحلام تبددت مع استمرار خطط وهجمات إسرائيل ضد غزة.
ولم تكتف إسرائيل بهذه الهجمات، فتعمدت عدم تنفيذ البروتوكول الإنساني الذي ينص على مرور أكثر من 400 شاحنة مساعدات يوميا، واكتفت بإدخال نصف هذه الشاحنات، رغم الحاجة الماسة لسكان غزة الذي ذاقوا على مدار عامين ويلات الحرب والنزوح والقتل والتدمير، ويحتاجون بشكل ضروري إلى الطعام والدواء، الذي لا يتوفر بالكميات التي تناسب متطلباتهم.
وأكد ذلك المكتب الإعلامي الحكومي الذي قال إن ما سمح بإدخاله يمثل نحو نصف ما جرى الاتفاق عليه، وهو ما لا يكفي احتياجات السكان، ولذلك فقد طالبت منظمات دولية بفتح إسرائيل جميع المعابر مع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية بلا قيود.
وتهربا أيضا من تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، لم تسمح إسرائيل بفتح معبر رفح البري الفاصل بين قطاع غزة ومصر، في الموعد المحدد له يوم الأربعاء الماضي، لتحرم بذلك آلاف المرضى والمصابين من السفر للخارج لتلقي العلاج اللازم، لعدم توفر أماكن وتخصصات لعلاجهم في غزة.
وهؤلاء قدرت منظمة الصحة العالمية، عددهم بأكثر من 15 ألفا و600 مريض في قطاع غزة بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل، في ظل التدهور الحاد الذي تعانيه المنظومة الصحية بعد عامين من الحرب.
تهديدات إسرائيلية
هذه التطورات، كانت إسرائيل تزعم أنها مرتبطة بعدم تنفيذ المقاومة في غزة بنود اتفاق وقف إطلاق النار بالكامل، وتقصد بذلك عدم تسليم جثامين باقي الإسرائيليين القتلى في غزة، في فترة 73 ساعة، لتخالف بذلك ظروف الميدان.
فحكومة إسرائيل اليمينية لم تراع التغيرات الكبيرة التي شهدها قطاع غزة، من حيث تناثر أكوام الدمار بشكل كبير في كل الأماكن، ومن بينها أماكن دفن أسفلها الإسرائيليون القتلى، وكذلك تواجد جثامين في مناطق التوغل الإسرائيلي، أو في أنفاق جرى تدميرها.
وقد أشارت إلى ذلك صراحة كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، فأعلنت في تصريح صحافي، أن المقاومة التزمت بما تم الاتفاق عليه، وقامت بتسليم جميع من لديها من الأسرى الأحياء وما بين أيديها من جثثٍ تستطيع الوصول إليها، وأشارت إلى أن ما تبقى من جثث «تحتاج جهوداً كبيرة ومعداتٍ خاصة للبحث عنها واستخراجها»، وأكدت أن المقاومة تبذل جهداً كبيراً من أجل إغلاق هذا الملف.
لكن هذه التأكيدات والتي ترافقت مع تدخلات الوسطاء، لم تؤثر على قرار التصعيد والتهديد الإسرائيلي، رغم علم إسرائيل أن هذا الأمر حقيقي، بسبب تطورات ميدان غزة.
وتعمدت إسرائيل إطلاق التهديدات العلنية والمباشرة ضد غزة، إذ توعدت بعودة الحرب القوية، وكشف وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أنه طلب من الجيش إعداد خطة لهزيمة حماس في حال استئناف القتال، وخلال اجتماعه مع قيادة الجيش الإسرائيلي، قال إنه طالبهم فيها بإعداد «خطة شاملة» إذا رفضت حماس تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار.
وعقب ذلك قالت الوزارة في بيان أصدرته مهددة «إذا رفضت حماس تطبيق الاتفاق، فستعود إسرائيل، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى القتال وستعمل على هزيمة حماس تماما، وتغيير الواقع في غزة، وتحقيق جميع أهداف الحرب».
أما رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير فقال «نتموضع في مواقع سيطرة تتيح لنا العودة إلى القتال في أي لحظة إذا طلب منا ذلك».
وسبقهم بالتهديدات بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة، حين قال «إذا لم تلتزم حركة حماس باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ستفتح أبواب الجحيم»، معتبرا أن إطلاق سراح الرهائن وضمان نزع سلاح حماس وإنهاء تهريب الأسلحة إلى غزة «أمر ضروري لتحقيق السلام الدائم»، وكرر التهديد «إذا فشلت حماس في الامتثال للاتفاق، ستنفجر الأوضاع بشكل كامل».
أما وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموترتش، فتوعد بالاستيطان في غزة، في دلالة على نوايا إسرائيل البقاء على احتلال أجزاء منه، وقال خلال مشاركته في احتفالات بمناسبة عيد «فرحة التوراة» في مستوطنة سديروت القريبة من غزة «ستكون هناك مستوطنات يهودية في غزة، لأنه من دون استيطان لا يوجد أمن»، وأضاف في تهديده الذي كشف عن خطط إسرائيلية مخفية «أقول بوضوح: لن تكون هناك حماس في غزة، ولن يكون هناك تهديد على مواطني إسرائيل، وستكون هناك مستوطنات يهودية في غزة لأنها أرض إسرائيل، ولأن من دون استيطان لا يوجد أمن. وسنواصل بإذن الله سلسلة الانتصارات والمعجزات العظيمة.»
ويأتي هذا التصريح في وقتٍ تستعد فيه إسرائيل لإنهاء الحرب في غزة بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة، يقضي بانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع.
والاتفاق الذي وقع بين المقاومة وإسرائيل برعاية مصرية وقطرية وتركية وأمريكية، ينص على عقد صفقة شاملة للأسرى الأحياء، وهو ما تم بالفعل يوم الإثنين الماضي، بإطلاق حماس سراح 20 إسرائيليا، على أن يلحق بذلك تسليم الحركة لجثث القتلى الإسرائيليين، وهو أمر لم يتم حتى اللحظة بشكل كامل، إذ قام الجناح العسكري لحماس بتسليم 12 جثة، وأكد أن الوصول لباقي الجثامين المدفونة يحتاج إلى وقت ومعدات.
وجاءت التهديدات الإسرائيلية، بعد أخرى مماثلة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال فيه إنه سيدرس السماح لإسرائيل باستئناف العمل العسكري في غزة إذا رفضت حماس الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار.
ونقلت عنه تقارير أمريكية القول «إسرائيل قد تستأنف القتال في غزة بمجرد كلمة مني، إذا لم تلتزم حماس باتفاق وقف إطلاق النار»، مؤكدا انهم ينتظرون إشارة منه للعودة للقتال، وأضاف «سأنظر في السماح لنتنياهو باستئناف الأعمال العسكرية إذا رفضت حماس الالتزام بوقف إطلاق النار»، وقد اشتملت تصريحاته على تهديدات مباشرة لحركة حماس.
هذا وقد كشفت الإذاعة الإسرائيلية، نقلاً عن مسؤول إسرائيلي، تأكيده أن حكومة بلاده لا تنوي بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، قبل إعادة جثث جميع المختطفين المحتجزين في قطاع غزة.
وفي تصريحات أخرى لترامب تلاقت مع تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اشترطا نزع سلاح حماس، من أجل المضي في تنفيذ اتفاق التهدئة، وهو ما أعلنت الحركة مرارا عن رفضه، وجاء في تصريحات ترامب التهديدية «إذا لم تنزع حماس سلاحها، فنحن سننزع سلاحها. إنهم يعلمون أنني لا أتهاون»، وتوعد بأنه قد يلجأ إلى ذلك بـ«العنف».
موقف حماس
في المقابل قال المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم، إن قتل جيش الاحتلال لعدد من أهالي قطاع غزة عبر القصف وإطلاق النار، يعد انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار، ودعا الأطراف المختلفة إلى متابعة سلوك الاحتلال وعدم السماح له بالتفلت من التزاماته أمام الوسطاء فيما يتعلق بإنهاء الحرب على قطاع غزة.
كما شكرت الحركة الدول التي رعت اتفاق وقف إطلاق النار، والتي قدمت الخدمات للشعب الفلسطيني، ودعت الجميع إلى مواصلة جهودهم مع الشعب الفلسطيني، واستكمال دورهم بمتابعة تنفيذ باقي بنود الاتفاق، وخاصة المتعلقة بإدخال المساعدات بالكميات المطلوبة، وتوفير كافة الاحتياجات اللازمة للمواطنين في القطاع، وفتح معبر رفح في الاتجاهين أمام المواطنين، والعمل على بدء الإعمار بشكل عاجل، وخاصة منازل المواطنين والبنى التحتية من مشافٍ ومدارس ومؤسسات خدمية، أو المتضامنين في حملات المقاطعة والفعاليات الشعبية.
وجاءت مجمل هذه التطورات والتهديدات في الوقت الذي يواصل فيه قطاع غزة معايشة أسوأ الظروف، حيث لم يتغير على حياة السكان إلا وقف القصف العنيف الذي كان يوقع عشرات الضحايا يوميا.
وأشار المكتب الإعلامي الحكومي في بيان جديد، إلى أن كميات المساعدات التي دخلت ما تزال محدودة جداً، تمثل «نقطة في بحر الاحتياجات»، ولا تلبّي أقل من الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية والمعيشية لأكثر من 2.4 مليون إنسان في قطاع غزة، وأنه ينبغي أن تتدفق المساعدات بشكل مستمر وكبير من شاحنات مساعدات ووقود وغاز طهي ومواد إغاثية وطبية بشكل عاجل ومنتظم وبدون توقف.
تحذيرات دولية
وإلى جانب تحذير الأمم المتحدة من خطر مئات الألغام والصواريخ التي لم تنفجر وتركتها إسرائيل في مناطق العمليات العسكرية التي انسحبت منها، تبرز مخاطر استمرار أزمة الطعام والدواء، بسبب القيود الإسرائيلية.
وحثت الأمم المتحدة إسرائيل، على فتح جميع المعابر بشكل فوري، لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بعد أن أكدت أن إسرائيل أبلغتها أنها لن تسمح إلا بدخول 300 شاحنة مساعدات، تمثل نصف العدد المتفق عليه إلى قطاع غزة، وأنها لن تسمح بدخول أي وقود أو غاز إلى القطاع إلا لاحتياجات محددة تتعلق بالبنية التحتية الإنسانية.
ويقول المستشار الإعلامي لـ«الأونروا» عدنان أبو حسنة، إن منظمته الأممية وضعت خطة سيتم تطبيقها إذا أُدخلت المساعدات، في 3 مجالات، توزيع المواد الغذائية والأغطية والخيام، والصحة والتعليم، وأشار إلى أن لديها 6 آلاف شاحنة بها مواد غذائية تكفي لمدة 3 شهور، وأيضًا بها مئات الآلاف من الخيام والأغطية التي تحتاج الوكالة إلى إدخالها فورًا.
ولا تزال إسرائيل تمنع «الأونروا» من العمل في قطاع غزة، بما في ذلك إدخال المساعدات للسكان الذين عانوا ويلات الحرب.
تجدر الإشارة إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قدر تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة تقدر بنحو 70 مليار دولار، مؤكدا أن هناك دمارا مروعا في غزة.