التواصل فن وحنكة

من الصعب الاعتقاد بأن تكون فرنسا مهددة بالسلم الأهلي، وبالتالي من الصعب التسليم بأن تكون جهة ما، قد بدأت تمارس قوتها الناعمة بطريقة تجعلها قادرة على أدلجة النفوس والعقول. فهل فرنسا في طريقها إلى أن تصبح «إخوانية « كما يروج له البعض؟ أم أننا بتنا نشكك في تماسكنا الوطني، وعراقة تاريخنا حتى نعلق قوميتنا ونفوسنا على قدرة تأثير قوة ناعمة مزعومة؟ ثم ما معنى أن تكون «إخوانيا»؟ المسألة معلقة بالتأويل أصلا.
أما أن تذكّر بمبادئ الجمهورية لكل من يعيش على الأرض الفرنسية، أن تذكّر بقوانين التعايش السلمي، وبإلزامية رفض أي استغلال أيديولوجي يحول رسالة الأديان إلى قوة تأثير للسيطرة على العقول والنفوس، فهو واجب ومبدأ تأسيسي ينطبق على الجميع، وإذا كنا نرغب بالدخول في لعبة التنادي بالمسميات، وإلصاق الملصقات، فسنتداول المسميات سدى، لأن عملية إلصاق الملصقات، على هذا الحساب، مؤهلة لأن تطال أكثر من جبين.. التذكير بمبادئ الجمهورية وقواعد التعايش السلمي وضمان الحريات الفردية والجماعية، واجب وضرورة، لكن ليس على شكل ذلك الإطار المرسوم سياسيا وإعلاميا، الذي نتبعه دائما هنا في فرنسا: إطار التخويف والترويع وتعليق الشماعات، التي تطلق حملات التصنيف بين «المذنب» و»غير المذنب»، ليغدو الجانبان موقع استهداف على حد سواء.

الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتدريس اللغة العربية بوصفه رسالة سامية من التعليم العمومي الفرنسي، يعتبران أصلا من الواجبات الحتمية التي تتبع نسيج المنطق

أن تكافح جميع أشكال التطرف، بما فيها تحويل الرسالة الدينية إلى منطوق أيديولوجي قامع للحريات الأساسية واجب بل ضرورة، والدولة الفرنسية مجهزة بما يكفي من عدة استخباراتية زجرية فاعلة، تمكنها من أداء مهمتها، وبالتعاون مع دول صديقة، والعربية منها كثيرة، إن دعت الضرورة، لكن أن تضع الدين، والاستغلال الأيديولوجي للدين، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتدريس اللغة العربية في فرنسا، كلا على حدة بين دفتي تقرير علني متوفر لدى أية وسيلة إعلامية، لا يعرف الكثير من صحافييها وضيوفها التمييز بين النوافع الثقافية التكوينية، التي يمكن أن يجنيها كل فرد على وجه هذه البسيطة، من لغة وحضارة كاللغة والحضارة العربيتين، وبعض محاولات التحريف بالانتماء الحضاري والديني، لمصلحة نفوذ ناعم مزعوم يحاول – حتى لو وجد فعلا فلن ينجح في ذلك – الإخلال بمنظومتنا الاجتماعية. كفى ترويجا، ضمنا أو صراحة، أن فرنسا على شفا حرب أهلية! منذ متى أمكن التشكيك في أن فرنسا، ابنة عصر الأنوار، غير قادرة على الصمود الأبدي في وجه أي عصي توضع في دواليب شعار الجمهورية الأسمى: «حرية، مساواة، أخوة». نعم.. فلتتقص الدولة في حالة وجود ضرورة إلى ذلك، ولتكتب التقارير إذا كانت التقارير تيسر لها أسباب إضاءة جوانب مظلمة تجب إضاءتها. غير أن خطة التواصل العلني في هذا الموضوع قائمة على بنيان مهزوز، لأنها تهيئ الأرضية لتنامي ردود أفعال جماهيرية في منتهى السخافة – كأن تسمع، على هواء قناة شهيرة جدا، ومن بين مغالطات أخرى، ما يلي: «العربية لغة الانفصالية». منذ متى تسند إلى طبيعة اللغات توجهات حركات وأجندات فصائل؟
كل ترويج علني لانحرافات تضخم ما يجب قمعه سرا، ليترك المواطن وشأنه الأسمى والأجل: الاستقلال الفكري الذي تمنحه له تلك القدرة التمييزية العالمة، التي كان يسميها أبو عثمان بن بحر الجاحظ «إعمال العقل»، والتي لا تسعف صاحبها في التفريق بين الغث والسمين إلا بالثقافة. أما أن يخرج التقرير بتوصيات، فليكن، فعادة ما تطبخ التوصيات على نار هادئة لتلطيف أجواء محتقنة، لكن النقطتين المذكورتين، أي الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتدريس اللغة العربية بوصفه رسالة سامية من التعليم العمومي الفرنسي، يعتبران أصلا من الواجبات الحتمية التي تتبع نسيج المنطق دونما حاجة إلى إخراجهما من عباءة التقارير. التواصل فن وحنكة وعلى ذلك يتحدد الإعلام المسؤول. وكان الجاحظ أيضا هو من قال في كتاب «البيان والتبيين» « لكل مقام مقال».
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أبو تاج الحكمة الأول:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    شكرا لكاتب المقال الفرنسي الحر لمعارضة الحملة ضد اللغة العربية و الإسلام .
    التوجه الحكومي يبشر بحرب أهلية كما ذكر الكاتب.
    لابد من إعلاء النهضة بمبادئ الاندماج في المساواة والعدالة والحرية
    و عن الإخوان المسلمين فهم قلة قليلة ولا دور لهم في فرنسا وكان بالإمكان مخاطبة الحكومة لهم دون تشهير إعلامي ولكن الحكومة تمس الإسلام في كل شاردة ووارده وتمهيد الأسباب لذلك
    مع رئيس وزراء سابق يهتم بحظر حجاب المسلمات بالأماكن العامة والرئيس يهتم بحظر الإخوان ويهتم برسومات تسيء للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود هو الإسلام من وراء ستار هل أستطيع القول أنني كمسلم محفوظ الكرامة في فرنسا؟ هذا غير صحيح.
    غلط الحكومة الفرنسية النهج المتطرف مع المسلمين مما ينافي العلمانية المعتدلة كما بريطانيا و ينافي الأدب المسيحي القائم على المحبة
    الإخوان المسلمون ليسوا في فرنسا بل ببريطانيا فلماذا تهتم فرنسا بهم إلى هذه الدرجة بينما نجد بريطانيا وهي الحاضنة الأم لهم لا تتعامل معهم بنفس الطريقة
    أنا أخالف الإخوان المسلمين ويعجبني من الجماعات الإسلامية (الدعوة والتبليغ) لأنهم في انفصال عن السياسة ويلقنون الأجيال أبجدية الأدب والأخلاق والتواضع مع الناس.

اشترك في قائمتنا البريدية