تحدثت في إحدى المناسبات مع صديقي الأمير، حول طموحات المجتمعات الإسلامية في أن يكون لديها الحاكم الصالح؟ وما درجة تحققه في الواقع الحالي والتاريخ، بين المثالية والنسبية؟
لكني قد أصبحت بعد ذلك النقاش مقتنعا أن هذا المفهوم في حاجة لإعادة النظر، في كيفية تطوره داخل وعي المسلمين. وقد تساءلت أيضا، هل تكون الشروط التي نسجها وعينا السياسي والتاريخي حول شخصية الحاكم الصالح، تزيد من صعوبة التفاهم بين المجتمعات وحكامها؟
البحث عن الحاكم المثالي
عندما يقرأ الناس التاريخ بحثا عن الحاكم الصالح، فإن وعيهم يقودهم نحو مثالية تجعل هذه الشخصيات معدودة على رؤوس الأصابع. هل من المعقول أن يكون الحاكم الصالح في تاريخنا السياسي والاجتماعي محصورا فقط في حالات استثنائية ومحدودة، تجعل الأمر يتوقف عند عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز؟ نعم لقد كان ميلاد تلك النماذج مرهقا للكبار قبل الصغار، بسبب صعوبة تكرارها في التاريخ، وصعوبة تحول طريقتها في الحكم إلى قانون وتقليد ثابت في السياسة الإسلامية. لكن لا شك أيضا أنه حتى اللحظة، لم تخل المنطقة من الحكام الصالحين.
أحوال الحاكم موضوع يومي في حياة الناس. يتحدث الناس من طنجة إلى جاكرتا كل يوم في بيوتهم ومنتدياتهم الخاصة والعامة عن الحاكم. يتحاورون حول قصص حياته وعلاقته بالمقربين منه وبعامة الناس، ويجدون لذة ومتعة في استكشاف غرائب الحوادث التي وقعت في حياته. وفي هذا الاستذكار لا تجد الكثيرين يتحدثون عن صيامه وقيامه وزهده وإنفاقه، وجهاده وعلمه وبكائه حين سماع المواعظ، وتقريبه للعلماء وإنفاقه عليهم.
الناس في الغالب تتحدث عن تعامله مع معارضيه، وكيفية مواجهته للأزمات السياسية والاقتصادية، وإدارته للملفات الوطنية والقومية في مجال السياسة الخارجية والعلاقة مع الدول الصديقة وغير الصديقة، وطريقة لباسه الجميلة وماركات الثياب والعطور، والساعات والأغاني والسجائر التي كان يفضلها، وردود أفعاله المرحة أو الغاضبة أحيانا.
علينا إذن أن ننتبه إلى تغير الوعي بين الأجيال، فقد كان المسلمون من قبل يركزون في النظر إلى الحاكم على معيار القيم الفردية، وهو ما نستنتجه مما ترويه لنا كتب التاريخ والسير. بالمقابل فإن نظر المسلمين الآن إلى الحاكم يتأسس في الغالب على منطق الإنجاز الذي يقدمه أو الإخفاق الذي يواجهه.
لا يوجد منزل في المغرب لا يتحدث أفراده في جلساتهم عن أيام الملك الحسن الثاني رحمه الله، وكذلك في مصر يتذكر الناس أيام عبد الناصر وغيره، وفي الأردن والجزائر والخليج تصبح شخصيات الحكام السابقين قصصا متداولة في المجالس.
إن هذا النوع من الحوارات في المنطقة غالبا ما يدور حول الإنجازات التي قدمها سياسيا واقتصاديا، لا حول التزامه الفردي بالقيم ودرجة تدينه.
وعندما يكتب المؤرخون الحاليون للدول والحكام، فإنهم غالبا ما يركزون أيضا على الإنجازات التي تحققت.
وهم بالتأكيد لن يكتبوا التاريخ مثل الذهبي وأمثاله، ممن كانت تعني لهم درجة القرب من الدين الكثير في تقييم الشخصيات السياسية، من قبيل مدى نصرته للسنة ومحاربته للبدعة أو العكس.
غلبة الصيغة العلمانية
كان التدين والقيم الفردية أمرا أساسيا في تقييم صلاح الحاكم في الماضي، لكن غلبة الصيغة العلمانية في إدارة الدول والثقافة السياسية الغربية على النخب السياسية والثقافية العربية، جعل النظر إلى الصلاح الفردي للحاكم أمرا في المرتبة الثانية. فلا يتم اللجوء إليه إلا في الحالات القصوى التي يصبح فيها سلوك الحاكم مؤثرا سلبا على سير الدولة، مثلما حدث مع جون كينيدي أو بيل كلنتون.
حدثت تغيرات أساسية على شخصية الحاكم المسلم وتكوينه الثقافي بالنظر إلى الانفتاح على الثقافة العالمية. فلننظر إلى لغة وكلمات وثائق الخطابات الرسمية بين حكام الدول في الماضي، التي تميزت بكثافة دينية ضخمة على مستوى اللغة والمعنى. إنها لم تعد كذلك إلا في حالات نادرة مثل المغرب، الذي يستمر في الحفاظ على هذا النمط من الكتابة السياسية الكثيفة.
في عموم المنطقة أصبحت اللغة السياسية العادية كافية في المراسلات الخارجية وتفي بالغرض. لا تتوقع أن تجد مثل تلك الرسالة بين المغاربة والعثمانيين بتاريخ قريب منا عام 1842م مكتوب فيها” ورد على حضرتنا العلية بالله، الشريف العلامة المنيف، السيد يوسف بن بدر الدين المدني، وصحبته كتاب من عند سلطان الإسلام، السيد عبد المجيد العثماني أيده الله ونصره، مضمنه تصحيح الأخوة في الله، والمواصلة في ذاته، والمعاقدة على التناصر في الدين، والتعاون والتعاضد فيه”. فتلك لغة قد خلت.
بعد الربع الأول من القرن العشرين ركزت التيارات الدينية الناشئة في المنطقة على شخصية الحاكم وصلاحه الفردي. وفي سعيها نحو حلم استعادة الخلافة رأت أن الخليفة هو الخلافة نفسها. وقد أدخل هذا التصور أجيال المنطقة في دوامة، أنتجت وعيا مختلطا، بما هو مطلوب تحقيقه للخروج من الانحطاط.
لقد حملت أجيال في وعيها حلم الدولة الإسلامية واستعادة الحاكم العادل منذ انبثاق فكرة الإسلام السياسي. غير أن هذا الوعي ما لبث أن اصطدم بمعطيات الواقع في المنطقة، وبشكل خاص بعد أن جربت الحركات الإسلامية طعم السلطة. حيث أصبح الإسلاميون بعد التخلي عن شرط الدولة الإسلامية القديم، يخففون من شروط العدالة الكاملة في الحاكم، ويسعون وراء ” الإنجاز” لا ” الصلاح” الفردي للحاكم بمفهومه القيمي.
الصلاح ليس كافيا وحده
تعامل الأئمة والعلماء الأقدمون مع الحاكم كما هو في طبيعته ومواصفاته، ولم يسعوا عمليا إلى الرفع من سقف متطلباتهم منه، بما يجعل أمر الانتظام في سلكه مستحيلا. لكن الناس ينظرون في الحاكم إلى معنى الصلاح الذاتي، ويغفلون كثيرا عن ما يساوي ذلك الأمر أهمية، وربما فاقه أحيانا في ظروف وسياقات معينة، وهو معنى “الإنجاز” والقدرة على تحقيقه.
إن أخطر المشكلات التصورية في كتب الفقه السياسي والسياسة الشرعية، في التنظير لشخصية الحاكم، هي افتقارها للحديث عن الشروط المطلوب توفرها في الحاكم للإنجاز.
وشروط الإنجاز بلا شك ليست هي القدرة البدنية ومجرد الصلاح الأخلاقي على أهمية ذلك بشكل كبير.
إن الشروط التي وضعها كثير من فقهاء السياسة الشرعية حول الحاكم إذا نظرت إليها، كأنما تقول للحاكم في مختلف الأزمنة، كن صحابيا أو تابعيا أو إماما في العلم والسياسة والدين.
لم تكن الشروط التي ذكرها الماوردي وغيره متحققة بالكامل في التاريخ الإسلامي، فإذا تحقق بعضها لم يتحقق غيرها. وبسبب مثاليتها استقر في وعي الناس أن الغالبية الساحقة من حكام المسلمين لم يستوفوا تلك الشروط، فلم يكونوا بهذا الاعتبار حكاما صالحين. وهو ما أنتج وعيا مزيفا حيال ما قد يكون عليه الحاكم المسلم من نسبية.
يغلب على الشروط المستوى المرتفع جدا في جانب العدالة، وهي في غالبها شروط شخصية تتعلق بدرجة تدين وعلم ونسب الحاكم. فالشروط المعتبرة في أهل الإمامة لدى الماوردي سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد. والثالث: سلامة الحواس. والرابع: سلامة الأعضاء. والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. والسادس: الشجاعة، والسابع: النسب. لكننا بكل تأكيد نستطيع هنا أن نحكم على كثير من سلاطين دولة المماليك بالصلاح والإنجاز، رغم فقدان عناصر العدالة الكاملة والعلم والنسب، من أمثال قطز والظاهر بيبرس.
لكني بعد كل ما تقدم أريد أن أصل إلى أهم نتيجة عند الماوردي تجعل الحكم بالصلاح نسبيا، هي أنه لو تكافأ في شروط الإمامة اثنان، وكان أحدهما أعلم والآخر أشجع، روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت. فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى، لانتشار الثغور وظهور البغاة، كان الأشجع أحق. وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحق.
الإنجاز والأفضلية
الحاكم الصالح لن يكون في يوم من الأيام مختلفا عن كثير ممن نراهم في واقعنا الحالي. بل إن كثيرا من الحكام الحاليين هم أقل سفكا وتورطا في الدماء من عدد من سلاطين الماضي، ممن نتغنى ببطولاتهم العسكرية. هناك معادلة لابد من الانتباه إليها، وهي أن وجود المجتمع الصالح، يتناسب بشكل مطرد مع وجود الحاكم الصالح. صلاح الحاكم يمضي موازيا مع صلاح المجتمعات نفسها، فلا يحدث واحد دون الآخر.
لقد كان عمر يعدل والناس أيضا تعدل، ففيهم أمثال علي.
إن مطلب وجود المجتمع الصالح يسبق مطلب وجود الحاكم الصالح. وعندما أظهرت الثورات العربية ظلم عدد من الدكتاتوريين، فقد كشفت أيضا المختبأ والمدفون في الناس، من قدرة هائلة على الفتك ببعضهم البعض. لم تكشف الثورات ظلم عدد من الحكام فقط، بل ظلم فصائل ومجموعات كبيرة.
ولو كنت التقيت بالماوردي، لاقترحت عليه أن يضع شروطا تخص طبيعة المجتمعات، بالتوازي مع الشروط الخاصة بالحاكم.
عندما تتأمل عمر بن الخطاب فعليك أن تدرك أن العدالة الكاملة التي بلغها رضي الله عنه ترجع إلى طبيعته الشخصية، أكثر من رجوعها إلى كون ذلك نمطا في الحكم. كما أن ليونة عثمان قد أنتجت ليونة في نمط الحكم. إن الأفضلية بين الصحابة رضي الله عنهم لم تكن في الجانب القيمي فحسب، بل كانت في عنصر الإنجاز بدرجة كبيرة. لقد تمكن أبو بكر من تدبير ارتداد الجزيرة العربية حتى بلغت الردة شرفات المدينة، وتغلب على تلك الأزمة وكان عمر مثله. في حين لم يتغلب عثمان وعلي على أزمات ربما أقل حدة من مشكلة الردة التي كادت أن تقضي على الإسلام.
لكن بالنهاية سيبقى بداخلنا عمر وصلاح الدين وابن تاشفين. وسيحتفظ المغاربة دائما بذكرى الحسن الثاني، كما يحتفظ المصريون بمحمد علي باشا، وسيذكر الناس في قطر أن الشيخ حمد بن خليفة كان من فلتات العقود الماضية.
كاتب مغربي