هل بإمكان فتاة شابة غير متعلمة تحطيم كل من حولها بسبب أعمالها الخرقاء؟ هذا ما يتناوله فيلم «الحب مهنتي» Love Is My Profession (En cas de malheur باللغة الفرنسية) لبريجيت باردو، والممثل الفرنسي جان غابان. اشتهرت بريجيت باردو كممثلة أفلام فكاهية خفيفة، ولكن ما جعلها نجمة من الصف الأول في عالم السينما، كانت الأفلام الدرامية القليلة، التي أدت فيها أدوارا رئيسية. وكان أول هذه الأفلام الدرامية لها «وخلق الله المرأة» And God Created Woman (1956). أما أشهرها فكان الفيلم الدرامي «الحب مهنتي» الذي عرض عام 1958. وكانت قصته مأخوذة من رواية شهيرة للكاتب البلجيكي جورج سيمنون، الذي اشتهر برواياته البوليسية، ونشرها عام 1956. ويعد هذا الكاتب أحد أشهر الكتاب في أوروبا القرن العشرين، ونشر حوالي 400 رواية وبيعت أكثر من خمسمئة مليون نسخة لرواياته.
تدور أحداث الفيلم عن الفتاة الفرنسية «أيفيت» (بريجيت باردو) تعمل في مجال الدعارة، حيث تقوم مع زميلة لها في المهنة بسرقة محل مجوهرات صغير وضرب زوجة صاحبه. وتهرب الفتاتان، ولكن شرطة باريس تعتقل شريكتها. وتدرك «أيفيت» أنها ستعتقل عاجلا أم آجلا، فتذهب إلى محام كبير (جان غابان) للدفاع عنها في حالة إلقاء القبض عليها. ولكنها تكشف له أنها لا تملك مالا لدفع أجره، إلا أنها تستطيع تسديد تكاليف عمله على شكل خدمات جنسية له، ويوافق على عرضها. وينجح المحامي في تبرئة ساحة الفتاتين عن طريق الاتفاق مع أحد الشهود للكذب في شهادته في المحكمة. وتفي «أيفيت» بشروط الاتفاق، حيث يقوم بتأجير غرفة لها في فندق لفسح المجال للقاءاتهما الخاصة. والمحامي متزوج من سيدة محترمة تعرف جيدا أن زوجها على علاقة بـ»أيفيت»، ولكنها راضية طالما أنه باق معها.

يكتشف المحامي أن «أيفيت» على علاقة بطالب في الصف الأول في كلية الطب، فيأمر «أيفيت» بأن تكون مخلصة له ويتصدى للطالب، ويأمره بتركها والتوقف عن ملاحقتها. ولذلك يشتري لها شقة فخمة، كما يجلب لها خادمة جميلة وشابة، وتبدأ علاقة خاصة بين الفتاتين، بالإضافة إلى علاقة خاصة لهما مع المحامي. وفي هذه الأثناء تحقق السلطات في احتمال التلاعب بإفادة الشاهد في قضية السرقة، مما قد يعرض المحامي إلى قرار إيقافه عن العمل لعدة سنوات. ويحاول المحامي الدفاع عن نفسه، إلا أن قلقه يتقزم أمام فرحته عند سماعه بحمل «أيفيت» التي تؤكد له أنه الأب ويترك زوجته.
على الرغم من الرفاه الذي يوفره المحامي لـ»أيفيت»، فإنها تقرر زيارة عشيقها السابق المتيم بها، والذي يصاب بصدمة عندما تخبره بأنها لن تعيش معه لأنها ستبقى مع المحامي، فيستشيط غضبا ويقتلها. وينتهي المطاف بالمحامي بفقدانه زوجته وعشيقته وطفليه وربما حتى عمله.
تشكل «أيفيت» المحور الرئيسي في الفيلم، فهي فتاة مرتعبة ووحيدة في هذا العالم، نظرا لكونها عديمة التعليم والخبرة ومن خلفية اجتماعية مضطربة وغير قادرة على الانسجام مع محيطها، ولذلك، فإن أسلوبها في التعامل مع الآخرين يعتمد على تقديم السلعة الوحيدة المتوفرة لها، والتي أثبتت بالنسبة لها فعاليتها، ألا وهي خدماتها الجنسية، فهي تحصل على دعم المحامي الكبير وتبقي عشيقها كما تتقرب من خادمتها الجميلة بهذه الطريقة، فهي تحاول الحصول على حب الجميع بأي طريقة، بسبب مشاكلها النفسية، من دون أن تلاحظ أنها ستسبب في نهاية المطاف انهيار الجميع ونهايتها المأساوية.

كان تمثيل بريجيت باردو دون المستوى المطلوب، فلم يكن الدور يعتمد كثيرا على إغراء شبابها وجمالها، بل على كفاءتها كممثلة. وفشلت في أداء الدور بشكل مقنع، بينما كان من المفروض أن يكون ذلك سهلا بالنسبة لخبرتها في عالم التمثيل. ولم يساعدها ذلك التعبير الخشن والعدواني بعض الشيء على محياها، وليس في هذا الفيلم فحسب، بل في جميع أفلامها، ولذلك، فإنها ليست مثل منافستها الأمريكية مارلين مونرو، التي كانت تبرع في تعابير وجهها لإعطاء التأثير الدرامي للدور الذي تؤديه، كما كانت تجيد التقلب بين الرقة الطاغية والعدوانية المخيفة. كان بإمكان الإخراج أن يكون أفضل، حيث لم يستطع المخرج تطوير شخصيات الفيلم جيدا. وكانت بعض المشاهد غير منطقية، فمثلا كان مشهد لقاء «أيفيت» بالخادمة الجميلة، عندما تبدي إعجابها بجمالها، ساذجا وكأنهما طفلتان. وكانت التلميحات حول وجود علاقة جنسية بين الفتاتين والمحامي غير طبيعية. وأما في الرواية الأصلية الشهيرة فإن العلاقة الجنسية بين «أيفيت» والخادمة كانت واضحة، إلا أن هيئة الرقابة السينمائية في فرنسا رفضت إظهار علاقة واضحة بين الفتاتين في الفيلم، بسبب معايير الإعلام في تلك الفترة، مما شكل معضلة للمخرج. ويستطيع المخرج البارع تجاوز كل هذا، وإظهار العلاقات بين الفتاتين والمحامي، كما ذكرت في الرواية بتلميحات منطقية. ولكن مخرج هذا الفيلم للأسف لم يكن بتلك البراعة، وفشل كذلك في تعليل تقبل زوجة المحامي لعلاقته الجنسية بـ»أيفيت» على الرغم من سهولة ذلك.
إذ وجد بعض القراء قصة الفيلم مألوفة نوع ما، فلهم الحق لأن القصة تشبه قصة فيلم أقدم وأشهر منه. والفيلم المقصود «ريبيكا» Rebecca لجين فونتين ولورنس أولفييه، إخراج الفريد هتشكوك، فـ»ريبيكا» كانت تشابه «أيفيت»، ولكنها كانت متسلطة وخبيثة، واستعملت الجنس للسيطرة، وحتى إهانة كل من حولها من كلا الجنسين، مما يؤدي إلى تحويل حياة ضحاياها إلى عملية تعذيب مستمرة. وعرض فيلم «ريبيكا» عام 1940 وكان مأخوذا من رواية شهيرة بالعنوان نفسه، نشرت عام 1938. وعلى عكس مخرج فيلم «الحب مهنتي»، فإن المخرج الفريد هتشكوك كان ماهرا في تصوير السلطة الجنسية لـ»ريبيكا» بشكل بدا طبيعيا للغاية وواضحا، وإن يكن بشكل غير مباشر، حتى على خادمتها.
مع ذلك، فإن فيلم «الحب مهنتي» يستحق المشاهدة ليس لكونه من الأفلام الدرامية القليلة لبريجيت باردو وجان غابان، بل لأن أحداثه نموذجا لحالات من الممكن أن تحدث في الحياة الواقعية.
باحث ومؤرخ من العراق
من المثير فعلًا أن كثيرًا من الأجيال الحالية في فرنسا، عبر التعليقات على وسائل التواصل، حولت هاته الاخيرة إلى مساحة اعتراف جماعي بما كانت تمثّله بريجيت باردو، مع الإقرار بوعيٍ بأن تمثيل فرنسا عالميًا لم يعد كما كان في منتصف القرن العشرين، حيث كانت فرنسا قادرة على إنتاج رموز ثقافية ذات تأثير كوني واضح. لكن، مع أن هذا الاعتراف لا يعني أن فرنسا فقدت مكانتها بالكامل، لكن شكل حضورها تغيّر؛ من “قوة ثقافية مهيمنة” إلى فاعل ضمن مشهد عالمي متعدد الأقطاب.
منذ الثمانينيات والتسعينيات، تضخمت ميزانيات الإنتاج، خاصة في السينما والموسيقى، بشكل هائل، وأصبحت المنافسة عالمية تقودها شركات أمريكية عملاقة ومنصات بث تملك موارد ضخمة جدًا. فرنسا، رغم دعمها القوي للثقافة عبر الدولة، لم تدخل سباق الميزانيات الضخمة بنفس منطق هوليوود. فهي اختارت تاريخيًا نموذجًا يحمي “السينما المؤلفّة” والهوية الثقافية بدل الانخراط الكامل في صناعة ترفيه جماهيري عالي الكلفة. هذا جعل الإنتاج الفرنسي يحافظ على الجودة الفنية، لكنه أحيانًا يفقد القوة التوسعية العالمية….
…ربما النموذج الثقافي الفرنسي كان تاريخيًا أقل قابلية للاندماج الكامل في منطق العولمة التجارية السريعة، لكن ذلك ليس ضعفًا بقدر ما هو خيار فلسفي وثقافي. ففرنسا بنت تقاليدها على فكرة “الاستثناء الثقافي” (l’exception culturelle)، أي أن الثقافة ليست مجرد سلعة تخضع لقوانين السوق، بل مجال سيادي يحتاج إلى حماية ودعم الدولة. و هذا النموذج حافظ على جودة فنية واستقلالية فكرية، لكنه لم يكن مصممًا لإنتاج ظواهر جماهيرية كاسحة على الطريقة الأمريكية. في المقابل، العولمة الحديثة (خاصة بعد صعود المنصات الرقمية) قامت على السرعة، القابلية للتصدير الفوري، والقدرة على إنتاج محتوى قابل للاستهلاك في كل مكان دون عوائق لغوية أو ثقافية. و هنا تظهر ميزة النموذج الأنغلوساكسوني: لغة عالمية، صناعة ترفيهية ضخمة، واستعداد أكبر لاعتبار الثقافة صناعة تنافسية قبل أن تكون مشروعًا هوياتيًا…
….المفارقة أن ما جعل فرنسا قوية سابقًا (تمسكها بالهوية، الذوق الخاص، العمق الفكري) هو نفسه ما جعل اندماجها في السوق العالمية السريعة أكثر تعقيدًا. النموذج الفرنسي يميل إلى العمق والتميّز، بينما العولمة تكافئ الانتشار والمرونة والسرعة. لذلك ربما لا يبدو أن فرنسا فقدت قدرتها الفنية، بل إنها تعمل وفق إيقاع مختلف عن الإيقاع السائد عالميًا.