الناصرة ـ «القدس العربي»: تدخل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران شهرها الثاني، تتسّع نارها وتطال المنطقة وتتفاقم تبعاتها على المستوى العالمي على الأقل من ناحية الطاقة والتجارة بدون أن تتضح مآلاتها في الأفق لاسيما وأن صاحب القرار الأول والأخير فيها، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متقلبّ المزاج والغايات، لا أحد يستطيع أن يعلم حقا مبتغاه النهائي. قبّيل انتهاء موعد الإنذار الثاني أعلن عن إنذار ثالث لعشرة أيام وما لبث أن طرح ورقة مطالبه في مفاوضات غير مباشرة تشمل 15 بندا تعتبر عمليا وثيقة استسلام. كانت وما زالت الترجيحات والتحليلات متفاوتة بين من يرى أن ترامب يبحث عن سلم وعن «صورة انتصار» وبين من يرى أنه يعمل على كسب الوقت لاستكمال مراكمة القوة والتصعيد في الحرب على إيران، وهناك من لا يستبعد قيامه بحملة بريّة للسيطرة على مضيق هرمز أو على جزر إيرانية غنية بموارد الطاقة. بين هذا وذاك ورغم أنها إنزال الجحيم على إيران منذ شن الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي فإنها تراوح في المكان، تتبدل أهدافها وتزداد جبهاتها وتبدو أنها قد دخلت مرحلة الاستنزاف. وفي الأثناء تتزايد الانتقادات في إسرائيل على غرار ما يحدث داخل الولايات المتحدة حول إدارة الحرب، حقيقة أهدافها وتأمين خطة تشمل مخارج منها إضافة لاستمرار تعرّض الإسرائيليين للصواريخ والمسيرّات من لبنان وإيران ودفع الأثمان المتزايدة على أنواعها. هذه الفجوة بين ما وعدوا وبشرّوا به بأن «محور الشر» ضرب من أساسه إلى رأسه في حرب حزيران الماضي وفي الحرب الحالية حتى الآن يرى الإسرائيليون الوقائع مغايرة تماما على الأرض، صواريخ تتساقط بدون توقف وتبقيهم داخل الملاجئ وسط تعطيل دوائر حياتهم ما ينتج «تنافرا معرفيا» وتشكيكا متزايدا بمصداقية وقدرات حكومتهم وتآكلا بثقتهم بها. وينعكس تغيّر المزاج العام في إسرائيل في عدة تجليات منها استطلاعات رأي متتالية تظهر تراجع نسبة الإسرائيليين المؤيدّين للحرب من 90 في المئة وأكثر في بدايات الحرب إلى دون 60 في المئة. كما تظهر حالة الشكوى والتململ، بتوجيه أوساط في المعارضة والرأي العام الانتقادات والتساؤلات حول الكذب وسوء تقدير قوة الأعداء وعدم توفير خطة حقيقية مع مخارج سياسية أيضا تعي حدود القوة وخطورة الرهان عليها فقط. وحالة الشكوى والمزاج المتكدّر المستجدة داخل إسرائيل بعكس حالة النشوة ولغة العجرفة التي سادت قبل شهر، تشمل عموم الإسرائيليين وليس فقط لدى أولئك على الحدود مع لبنان حيث صواريخ حزب الله تكاد لا تعطيهم فرصة لالتقاط أنفساهم حتى اليوم. ويضاف لهذه التجليات التحذير الاستثنائي الدراماتيكي لقائد جيش الاحتلال زامير قبل ثلاثة أيام من احتمال انهيار الجيش الإسرائيلي بسبب الأعباء الثقيلة وقد سارع رموز المعارضة والمراقبين لاستغلال هذه التحذير الأحمر لتصعيد الانتقادات والتساؤلات التي بقيت مغيبّة حتى قبل أيام معدودة. عن الوضع الراهن قال القائد الأسبق لغرفة العمليات في الجيش الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف إن الحرب قد باتت حرب استنزاف تسير حسب التطوّرات وليس حسب خطة مسبقة مرتبّة. في حديث للإذاعة العبرية الرسمية صباح السبت انتقد زيف «الأهداف العالية» التي يطرحها الرئيس ترامب ويؤكد أن إيران سترفضها بكل الأحوال. ومضى في انتقاداته: «لم يساعد ترامب الإيرانيين بخلاف وعوده ولم يسقط النظام الحاكم ولم يحقق أهدافه المعلنة والقيادة الإيرانية صارت أكثر تشددا. منذ أسابيع لم يتحدث الأمريكيون عن إسقاط النظام وقد أدركوا أنهم تسلقوا شجرة عالية وأن هذا الهدف غير واقعي. ابن الشاه ليس خيارا أبدا ولا توجد معارضة حقيقية داخل إيران ونحن الذين دفعنا ترامب للركوب على موجة المظاهرات والاحتجاجات دون أي رؤية أو خطة وهذا خطأ فادح. اغتيال قائد هنا وقائد هناك مهم لكنه يبدو كمحاولة تجفيف البحر بمعلقة. ولذا يحتاج ترامب الآن لشيء ما يتكأ عليه كي يغلق الملف».
بقاء إيران ماذا يعني؟ عن هذا السؤال قال زيف إنه «من أجل دفع الجمهور الإيراني للخروج للشارع أنت تحتاج لتصعيد الحصار ولوضع اقتصادي غير محتمل ينعكس بفقدان الأمن الغذائي. ربما تساعد الضربة العسكرية لكن التعويل عليها وحدها كانت خطوة غير حكيمة». وسئل زيف سؤال بات يطرح يوميا هل تستطيع إسرائيل البقاء في هذا الحالة المتعطلة النازفة رغم أن نتنياهو يقول سنواصل الحرب طالما اقتضت الحاجة؟ عن ذلك لم يتردد بالاعتراف بالواقع على الأرض: «إسرائيل اليوم في حرب استنزاف في عدة جبهات..وهذا أمر سيء وأقوال نتنياهو كلمات فارغة». وردا على سؤال آخر قال زيف إن إغلاق الحرب يتأتى من خلال حل مشكلة اليورانيوم وإلا تكون هذه الحرب قد زادت حالة إسرائيل سوءا. وعن احتمالات المفاوضات مقابل الحرب والتصعيد يعتقد زيف ضمن رؤيته المتشائمة أن المفاوضات تحت النار أكثر جدوى، وفي المقابل أشار «أن هناك ضغوطا متزايدة في الداخل الأمريكي وترامب يعاين الآن إمكانية السيطرة على جزيرة خارك وغيرها لأن ذلك يعطيه مكسبا بيده لكنني أشك باحتمالات نجاح ذلك».
بما يتعلق بلبنان حزب الله ينجح استهدافنا بقوة فماذا نفعل؟
عن ذلك قال: «لا توجد عندنا إمكانيات كثيرة فمهمة الجيش بالأساس هي إيران والآن ينضم الحوثيون مما يثقل علينا وبدلا من إغلاق جبهات تفتتح جبهة جديدة». قال زامير وبحق إن هناك فرصة حقيقية ليست عسكرية لإحداث تغييرات داخل لبنان بسبب ضعف إيران وتغير سوريا وبسبب المعارضة اللبنانية الداخلية: إلى جانب القوة وحزام الأمن حتى الليطاني ينبغي مساعدة حكومة لبنان لترتيب الأوراق شمال الليطاني وإلا نجد أنفسنا في ذات سيناريو لبنان التاريخي. «ينبغي منح ذلك فرصة وإن كانت النتيجة غير مؤكدة وهذا مفضل قبل أن نذهب لاحتلال لبنان.علينا توفير تسليح وتدريب لفرقة لبنانية تتولى هي عملية التفكيك ضمن أجندة زمنية محدّدة وزيادة رواتب جنودهم. لسنا بحاجة لأكثر من فرقة واحدة لهذه الغاية». ويرى زيف أن انضمام الحوثيين الآن للمعركة جزء من مفاوضات إيران وضغوطها ويعتبر ذلك «نوعا من النافذة غير الطبيعية». وعن استمرار مهاجمة إسرائيل بالمسيرّات قال: «المسيرات تهديد يفقدني صوابي: حتى الآن لم نجد حلا لها رغم أنه تهديد معروف لنا منذ سنوات». الجنرال زيف الذي وجه انتقاداته المنهجية المثابرة لحكومة الاحتلال في إدارة الحرب على غزة يخلص للقول اليوم إن حكومة نتنياهو تهمل الجيش وتدخله في حرب بدون نهاية ثلاث سنوات وتفرض عليه حماية المستوطنين وتستنزف قواته دون أهداف محددة».
ويتقاطع مع زيف داني أيالون السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن الذي قال في حديث للقناة 13 العبرية إن هناك ضغوطا متزايدة على ترامب داخل الولايات المتحدة منوها لتراجع البورصة وبقاء أسعار النفط عالية ووسائل الإعلام الليبرالية وحتى المركزية واليمينية تثقل بانتقاداتها واتهاماتها خاصة الاتهام بأن نتنياهو غرّر بترامب وأوقعه في مصيدة. ولا يستبعد أيالون أن يتجه ترامب «صاحب صورة المنتصر» للتصعيد بحثا عن حفظ هيبته وصورته ويضيف: «ربما يريد ترامب الإنهاء ولا يستطيع لأن إيران تواصل صمودها وتحديّها وترفض شروطه. النظام الحاكم في إيران النازفة مصمّم ويفضّل التضحية بالشعب الإيراني على أن يستسلم وهو نظام ديني غيبي يؤمن بعودة الإمام المنتظر. كان الأمل أن ينهار النظام من الداخل بفعل الضربات والاغتيالات وهذا لم يحدث رغم أن عشرات الملايين من الإيرانيين يعارضون النظام لكنهم لا يخرجون للشارع لأنهم بلا سلاح. كذلك كان الأمل أن ينشق قسم من القيادة الإيرانية ولكن هذا أيضا لم يحدث ولذا بقيت أمريكا وإسرائيل في الجبهة مقابل هذا التحدي وهناك تباين في المصالح بين إسرائيل (اليورانيوم) والولايات المتحدة (هرمز) مما يطرح تحديا إضافيا علينا». وخلص أيالون للقول: «لا أريد أن أسدي النصائح للإيرانيين لكن أمامهم فرصة لدق الأسافين بين إسرائيل وبين الولايات المتحدة من خلال تلبية مطالب ترامب بما يتعلق بالاقتصاد وفتح هرمز ورفض مطالب إسرائيل المتعلقة باليورانيوم والصواريخ الباليستية».
هه، سيهزم الجمع ويولون الدبر ✌️🇮🇷💪🚀🔥