بعد انتهاء الحرب الباردة 1990-1991 وتفكك الاتحاد السوفييتي تلاه تفكك يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، وإعادة توحيد ألمانيا واليمن، انتشرت نظريات عديدة لتفسير الظاهرة من جهة، والغوص في قراءة التوجهات المستقبلية. كان السؤالان الأهم اللذان حاول المفكرون الإجابة عنهما، هما كيف انتهت مرحلة التنافس والنزاع بين القطبين الرئيسيين، ثم ما هي معالم المرحلة القادمة.
زبيغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر، نشر مقالا بعنوان «نهاية الحرب الباردة- منتصرون ومهزومون»، اعتبر أن الولايات المتحدة وحلفاءها بعد نحو أربعين سنة من النزاع بوسائل متعددة، انتهت بفوز فريق على آخر، ولذلك سيفرض الفريق المنتصر شروطه على الفريق المنهزم، ويحدد معالم المرحلة الجديدة. وقال في مقاله الشهير ومقابلته مع صحيفة فرنسية حول الموضوع نفسه، إن الرابحين في الحرب الباردة هما الولايات المتحدة وألمانيا والخاسران الاتحاد السوفيتي وفرنسا.
مواقف السعودية ومصر وتركيا بدعم من قطر وعُمان وباكستان، أمر مهم جدا لتعديل موازين القوى وإبعاد شرور الهيمنة والسيطرة على المنطقة إذا ما حقق محور الشر أهدافه
فرانسيس فوكوياما الأكاديمي الياباني، أصدر كتابا عام 1992 بعنوان «نهاية التاريخ والرجل الأخير» طرح فيه نظريته وجوهرها، أن الديمقراطية الليبرالية الغربية قد انتصرت على الأيديولوجيات الأخرى كافة عند نقطة انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي (1991) وبهذا تكون البشرية قد بلغت «ليس مجرد انقضاء حقبة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، بل نهاية التاريخ بحد ذاته»، وأن الديمقراطية الليبرالية الغربية ستظل الشكل النهائي للحكم البشري. صامويل هنتنغتون، أصدر مقالا في مجلة «فورين أفيرز» عام 1993 بعنوان «تصادم الحضارات» (أفضل تصادماً على صدام- فالتصادم يشمل تدخلا إنسانيا، بينما الصدام قد يقع فجأة بسبب عوامل طبيعية) وألحق بالعنوان علامة استفهام ثم عاد ونشر كتابا عام 1996 بالعنوان نفسه، من دون علامة استفهام مضيفا «وإعادة صياغة النظام العالمي». إدوارد سعيد رد على الاثنين معا. فقال، إن نظرية فوكاياما حول نهاية التاريخ شهدت نهاية فوكاياما ونظريته الخائبة، أما هنتنغتون فرد عليه بشكل مفصل هو وكتاب و،أكاديميون آخرون، ولا مجال لسرد الردود لكن سعيد أشار إلى خطل هذه النظرية التي تضع نحو مليار ونصف مليار مسلم في سلة واحدة، ثم تجمع مكونات الحضارة الغربية وكأنها ثقافة واحدة قائمة على المعطيات اليهودية المسيحية، من دون النظر إلى التعددية والتباين ومكونات تلك الحضارة.
بين برنارد لويس وصامويل هنتنغتون
إن الذي صاغ مصطلح «صدام الحضارات» ليس هنتنغتون، بل زميله برنادر لويس أستاذ دراسات الشرق في جامعة برينستون بنيوجرسي، حيث استخدمه في مقاله الخطير الذي نشره في سبتمبر عام 1990 في مجلة «أتلانتك» بعنوان: «جذور الغضب الإسلامي – لماذا يستاء الكثير من المسلمين بشدة من الغرب، ولماذا لن تهدأ مرارتهم بسهولة». لقد أكد لويس في مقاله، أن العالم الإسلامي (دون استثناء) محبط ومقهور وحاقد بسبب تخلفه عن ركب الحضارة العالمية، وأنه لن يألو جهدا على مواجهة الغرب بسبب هذا التخلف والحقد والإحباط.. يرفضون الحضارة الغربية لماهيّتها ذاتها، وللمبادئ والقيم التي تمارسها وتدعو إليها. فهي شرٌ متأصل، ويُعتبر أولئك الذين يروجون لها أو يتبنونها بمثابة «أعداء الله».
هنتنغتون بشّر بأن الحروب الأيديولوجية قد انتهت وجاء دور الحروب الحضارية بين الديانات والثقافات. يجادل هنتنغتون بأن عالم ما بعد الحرب الباردة، لن تهيمن عليه الصراعات الأيديولوجية بين القوى العظمى، بل الصدامات بين الحضارات، التي عرّفها بأنها أعلى التجمعات الثقافية للشعوب، بناءً على عوامل مثل اللغة والدين والتاريخ والقيم. وحدد حضارات رئيسية تشمل الحضارات الغربية والإسلامية والصينية والهندوسية والأرثوذكسية (في أوروبا الشرقية وروسيا) وأمريكا اللاتينية، وربما الحضارات الافريقية. ووفقاً لهنتنغتون، فإن الصراعات على الأرجح تقع على «خطوط الصدع»، أي نقاط الاحتكاك، وذكر نصا نقاط التماس بين أوروبا والدول الإسلامية. لقد وضع الحضارة الإسلامية في مقدمة انفجار الصراعات.
كلا الأستاذين الصهيونيين لويس وهنتنغتون، أعدا الوعي النظري لمواجهات الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي أولا، ثم مع الحضارة الصينية. لقد نظرا لغزو العراق وكان لويس يقول «إذا لم نذهب ونقتلهم هناك سيأتون ويقتلوننا هنا».
حروب ما بعد الحرب الباردة
إن من يتابع الحروب التي أطلقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، لا يجد صعوبة كبيرة ليرى أنها استهدفت بشكل أساسي الدول العربية والإسلامية. هذا لا يعني أن حروبا أخرى لم تنفجر بين مكونات ثقافية وعرقية وثقافية متشابهة وهو ما ينقض نظرية هنتنغتون، إلا أن الغالبية الساحقة من الحروب فرضت على العرب والمسلمين. فما جرى بين المكونين الأساسيين في رواندا، التوتسي والهوتو عام 1994 يذكرنا بدول ما بعد الاستقلال من الاستعمار الأوروبي، وكذلك ليبيريا ومجازر شارلز تايلور، وما ارتكبه الجنرال سنكوح في سيراليون.
الذي أريد أن أتوصل له في هذا المقال، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تندرح ضمن هذه الحروب، التي تسعى إلى تفتيت أي قوة خارج المنظومة الغربية. وبعد الانتهاء من الحرب مع إيران وتطويع المنطقة العربية، ستبدا التحرشات في تركيا تليها باكستان التي بدأت تعاني من إقحام طالبان في هذه الحرب لصالح الهند بعد أن خسرت المواجهة مع باكستان في مايو 2025. نراجع الحروب في مراحلها الأولى التي انطلقت ضد العراق أولا 1991 والصومال 1992 ومسلمي البوسنة التي استمرت حتى سنة 1995 وما قام به الصرب من مجازر واغتصابات وتدمير للمدن والقرى والمساجد. وستظل مجزرة سربرنيتسا في يوليو 1995 علامة فارقة في التاريخ المعاصر على الإبادة ضد المسلمين بعد انسحاب قوات الأمم المتحدة بقيادة ضابط هولندي. ولم تتوقف الحرب هناك وانتقلت إلى كوسوفو، كون سكان الإقليم من المسلمين. كما تم استهداف مسلمي جمهورية افريقيا الوسطى. وفرض الحصار على العراق بعد حرب 1991 لمدة 13 سنة، تركت العراق هيكلا عظميا آيلا للسقوط. ثم عادت قوى الهيمنة والقهر الممثلة أساسا بالولايات المتحدة وبريطانيا، وأطلقت «عملية حرية العراق» عام 2003 تحت حجة «أسلحة الدمار الشامل» وتم احتلال البلاد بشكل كامل وجرى تقسيمها طائفيا. لقد تسببت الحروب على العراق والحصار الطويل بينهما وانفلات الغول الطائفي، بعد الاحتلال إلى هلاك ملايين العراقيين.
كما أن احتلال أفغانستان بمساعدة قوات الناتو عام 2001 والدمار الذي لحق بالبلاد وتسليم البلاد لعملاء الولايات المتحدة، يندرج ضمن هذا التوجه بعد الحرب الباردة. عشرون عاما من الاحتلال والدمار والقتل خرجت بعدها الولايات المتحدة ذليلة ومقهورة.
لقد أطلقت الولايات المتحدة مفهوم الفوضى الخلاقة، الذي شاهدناه في تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان ولبنان. وبمساعدة فرق متطرفة مثل «داعش» أنشأتها الولايات المتحدة وعملاؤها، لتسهيل انتشار الفوضى غير الخلاقة. أما عن فلسطين فالحديث يطول، ولا أعتقد أن أحدا يجهل ما حدث منذ اتفاقيات أوسلو المشؤومة حتى الآن من قتل وضم واستيطان واقتحامات واعتقالات وصولا إلى حرب الإبادة في غزة والضفة الغربية.
ما تعمل عليه الولايات المتحدة هو أن تبقى إسرائيل القوة الوحيدة المهيمنة على المنطقة ومصادرها الطبيعية وأسواقها الاستهلاكية. ممنوع على الدول العربية والإسلامية أن تنمو وتتطور وتستقل بقراراتها وتمارس سيادتها.
وأخيرا أود أن أن أعبر عن هواجسي، بأن تركيا وباكستان والجزائر ستكون في مرمى النيران قريبا، إذا خرج تحالف الشر الصهيوأمريكي حاسما لمعارك الشرق الأوسط الحالية. إن مواقف السعودية ومصر وتركيا بدعم من قطر وعُمان وباكستان، أمر مهم جدا لتعديل موازين القوى وإبعاد شرور الهيمنة والسيطرة على المنطقة ربما لخمسين سنة قادمة إذا ما حقق محور الشر هذا أهدافه، كما تنبأ بها عرّابا تصادم الحضارات لويس وهنتنغتون.
كاتب من فلسطين
الغريب ان الكاتب لم يمر على ما حدث في سوريا وكان شيء لم يكن
التشخيص الصحيح هو أساس بناء التصور الدقيق في الطب..وكذلك في السياسة..والكاتب المحترم انطلق من مقدمات شكلت جانبا تكوينيا في تفاصيل الأحداث التي نعيشها أو نعايشها .. ولكنه إنتهى إلى نتيجة لا ترتبط منطقيا بما تم التقديم له.. لأن تركيا هي حلقة أساسية في السياسة الأمريكية رغم توابل العناوين والشعارات..ونفس الشيء بالنسبة إلى باكستان التي كانت محطة جوهرية في حرب افغانستان التي اضعفت الإتحاد السوفياتي.. وأما الجزائر فهي مهادنة للسياسات الأمريكية..ومرتبطة بمصالح حيوية معها حتى في اوج مرحلة الشعارات في الستينات والسبعينات.. وبالتالي فإن استهذاف هذه الدول بعد إيران هو محض تخمين لدراماتيكية لا محل لها من الإعراب سياسيا..؛..وهناك معطى لايمكن تجاوزه..وهو أن السياسة الأمريكية سلما أو حربا لاترجع إلى مزاج هذا الرئيس أو ذاك كما يتم تصويره من خلال الإعلام الشعاراتي…ولكنه مؤسس على إستراتيجية انطلقت مع التذخل الأمريكي في الحرب العالمية الأولى..ومؤداها أن قوة أمريكا السياسة والاقتصادية..تقوم على ضرورة وجود عدو حقيقي أو افتراضي.. وأن افتعال الحروب أو اشعالها هو عنصر حيوي في تكريس هيمنة أمريكا وقدرتها على رسم خطوط التوجيه داخليا وخارجيا..بغض النظر عن كون إسم الرئيس هو ترامب أو أوباما أو بوش.. أو مستر بين..
الإنسان كائن مركّب، ماديا، روحيا، ثقافيا و بيئيا.
المثقفون العرب الذين يسِمُون الغرب بالعقلانية و بالفكر المنطقي التجريبي و التعامل بمبدأ حساب الربح والخسارة، يشوشون على بني قومهم في فهم بنية العقل الغربي.
منذ حملة الإسكندر الأكبر التي فتحت الصراع مع الشرق إلى ترامب حاليا مرورا بالحروب البونيقية، و الحروب الصليبية، و الإستعمارية بعد الإكتشافات الجغرافية الكبرى، و التوسعات في العصر الحديث، لم تكن نزوعات الربح و الإستغلال هي المحرك الوحيد، بل مع دوافع أخرى مرتبطة بغرائز بدائية مغلفة بشعارات تبريرية، دينية كانت أو أخلاقية ، كإلغاء الآخر المغاير و تبخيس قدره و استغلاله و استعباده و التطرف في التنكيل به (غزة مثلا)
ظهور و سقوط الحضارات نتيجة حتمية تمر عبر مرحلة النشأة ثم البناء ثم مرحلة السقوط ،فقد تعاقبت أمبراطوريات كبرى لا تغرب عليها الشمس إنهارت في نهاية المطاف.الحروب و التهديد و الوعيد التي تبديه أمريكا لدول العالم اليوم هو محاولة تشبث غريق بقشة عائمة ،فالنظام الدولي الجديد قد حُسم لصالح الصين بالأرقام في القريب العاجل ،و أهداف أمريكا في الحرب ضد إيران هي قطع إمدادات النفط و الإستيلاء عليه لكن النوايا الإسرائيلية تختلف عن الأهداف الأمريكية و تركز على ضرورة الإسراع في بناء “مملكة داوود” أرض الميعاد التي تطالب بها قوى سياسية و روحية كثيرة مثل “منظمة أرجون”.. ثم بعد ذلك نقل مركز الثقل المالي أولاً و الإقتصادي و التكنولوجي من بلاد العم سام إليها لتصبح دولة قوية تقوم على أنقاض أمريكا ،بمعنى تحويل”باكس أمريكانا” pax amiricana إلى “باكس جوديكا” pax judica و هو نظام إقليمي تحت هيمنة إسرائيلية مطلقة على الشرق الأوسط ،و بالتالي كل دول المشرق العربي و تركيا أيضاً معنية بهذا المشهد السياسي المحتمل .