الحرب والخلاص الثيولوجي

حجم الخط
20

غالباً ما تستدعي الحروب الأفكار الخلاصية المستقبلية، كوسيلة تحفيز للقتال، يستعملها القادة، وكضرب من التصرف غير الواعي، لدى الجمهور، يساعد في تجاوز مآسي الحروب وأهوالها، قبل أن يفيق المخدَّرون على حجم الكارثة التي حلت بهم، بسبب الحرب التي سعوا إليها، مشحونين بـ”أفيون ثيولوجي/ميثولوجي”، ساقهم إلى الهلاك.
يقول المقربون من المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي إنه شخصية تميل إلى الإيمان المغرق في الغيبيات، والميثولوجيا الدينية، وهي ميول يشير إليها خطابه الأول الذي خرج مكتوباً، والذي حملت لغته حمولات غيبية كثيفة، وإشارات إلى المهدي الذي طلب المرشد الابن منه الدعاء والنصر والتمكين، مع ما يكتنف شخصية مجتبى من غموض ميز شخصيته التي تميل إلى الظل، حتى في حياة والده الراحل علي خامنئي الذي كان يهيئه لخلافته، حسب تقارير إيرانية كثيرة.
ومع استعار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران انتشرت بين أنصار النظام بعض الأفكار الخلاصية التي تهدف لطمأنة الإيرانيين بحتمية النصر، والتي تشير إلى أن مجتبى أحد “المخَلِّصين”، وأنه هو “الخراساني” الذي يسبق خروج “الإمام المهدي”، حسب الرواية الشيعية، وذلك بعد انحسار هذا التوصيف عن والده الذي كان بعض الوعاظ الدينيين يسقطونه عليه، دون أن يكف الأتباع عن التعلق بشخصية “الخراساني” الذي “يقود الجيوش ليهزم جيش السفياني في العراق”، وهي الفكرة التي تم إسقاطها من قبل على المرشد الإيراني الأسبق الخميني الذي حاول قيادة الجيوش لهزيمة “السفياني”، وهو أحد أعداء الإمام المهدي، في الثيولوجيا الشيعية، بشكل خاص، حين كان يتم إسقاط شخصية هذا السفياني على الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وهنا يقول حسين شريعتمداري ، رئيس تحرير صحيفة كيهان، المقربة من المرشد: “يمكن القول بجرأة إن مجتبى خامنئي هو المختار والمنتخب من قبل الإمام المهدي، ولذلك فإن طاعته تعد طاعة للإمام المهدي نفسه”.
دعونا نعود للوراء، إلى القرن الثاني الهجري، حين حقق أبو مسلم الخراساني انتصارات كبيرة، عندما قاد جيوش العباسيين، من خراسان، للإطاحة بالدولة الأموية، وحين عززت تلك الانتصارات ثقته بنفسه، وجعلته يطمع في منصب الخليفة العباسي، بعد أن أشاع بين الناس في خراسان أنه من نسل العباس (عم النبي)، وأنه هو “الخراساني” الذي يمهد لقدوم المهدي، ثم يبايعه، ويشاركه انتصارات آخر الزمان.
طبعاً، هذا “الخراساني” قُتل بأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وانهارت لدى أتباعه فكرة “الخراسانية”، بعد أن ألقي برأس أبي مسلم إليهم، مع أكياس فيها دراهم معدودة، ألهتهم عن الثأر له، لتنتهي هالة القداسة برأسه يتدحرج بين أرجل جنوده.

مع استعار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران انتشرت بين أنصار النظام بعض الأفكار الخلاصية التي تهدف لطمأنة الإيرانيين، وتشير إلى أن مجتبى خامنئي أحد “المخَلِّصين” الذين يسبقون خروج الإمام المهدي”

ومعلوم أن الدولة العباسية قامت على “دعوة” سرية، وبحكم ظروف النشأة التي رافقتها، كان على قادتها إنشاء “تنظيم سري”، عالي الكفاءة، نجح في الإطاحة بالأمويين، بعد “دعوته للرضا من آل محمد”، وهي عبارة مواربة، كان غرضها إيهام العلويين بأن العباسيين يعملون لإعادة “الحق” إلى العلويين. وقد نجح هذا التنظيم في إقامة دولة، لكنه كرس فيما بعد فكرة “الحق الإلهي” التي تبناها العلويون، وبثُّوها في كثير من المذاهب الإسلامية المنضوية تحت مسمى “التشيع”، كما كرس العباسيون اللجوء للغيبيات وإسقاطها – بالتأويل السياسي – على أشخاص وطوائف مختلفة، لأهداف سياسية، وتحت مظلة الأفكار الخلاصية التطهرية.
وبما أن باب المهدوية والخراسانية انفتح فسيطالعنا في فترة أبي جعفر المنصور رجل علوي، هو محمد النفس الزكية، يتلقب أو يلقبه أتباعه بالمهدي، وكانت ثورته على العباسيين غير بعيدة عن “الفكرة المهدوية”، غير أن هذه الفكرة ذابت مع دمائه التي سفكت، إثر هذه الثورة. ومن هنا أراد المنصور أن يقطع كل دعوى بـ”المهدوية”، فلقب ابنه محمد بن عبدالله العباسي، بلقب المهدي، ليقطع الطريق على العلويين، ويحول بينهم وبين “المهدوية، كوسيلة للوصول للسلطة”، وليمهد بهذا اللقب لابنه، ليكون ولياً للعهد، ثم إمام المسلمين، وثالث خلفاء بني العباس.
واستمر – إلى اليوم – الاستثمار في الفكرتين “المهدوية والخراسانية”، إضافة إلى فكرة أخرى هي “اليمانية” التي تتحدث عن علامات “عصر الظهور” للإمام المهدي، حيث يخرج رجل يماني يرفع راية الثورة، وهذه الفكرة تم إسقاطها على حسين الحوثي قائد التمرد ومؤسس حركة الحوثيين، في اليمن، حيث ظل فريق من أتباعه، ومن الإيرانيين يعتقدون أنه سيقود الجيوش، نحو النصر ليلتقي المهدي، ويسلم له الراية، كما كان يطرح الواعظ الديني الإيراني علي الكوراني، مؤلف كتاب “عصر الظهور”.
ولم يفق أتباع الحوثي من هذه اللوثة الثيولوجية إلا على جثة حسين الحوثي التي لم تكن كافية لتذويب فكرة “اليماني الممهد”، حيث استمر الحوثيون يعتقدون الفكرة ذاتها في أخيه عبدالملك زعيم الحوثيين الحالي، الذي ورث الزعامة بعد حسين، ليستمر الاستثمار في الأفكار الغيبية المقصودة للتجييش، ولتخدير الجمهور، وقيادة القطيع، في تجل واضح لمقولات كارل ماركس عن “الدين أفيون الشعوب”، التي تنفتح على دلالات التوظيف المثيولوجي النفعي للأديان، من قبل تحالف الملوك ورجال الدين الذي حكم أوروبا في قرون خلت.
وقد استمر استثمار “المهدوية”، وغيرها من “الأفكار الخلاصية”، لأهداف سياسية لدى كثير من الطوائف الإسلامية، وعند كثير من الطامحين السياسيين، لتستمر تلك الأفكار مؤثرة في قطاعات واسعة من المسلمين، حتى اليوم.
وبالعودة إلى الحدث الأبرز اليوم، والمتمثل في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نلحظ عودة الحديث عن الأفكار الخلاصية، ونهاية العالم، ليس لدى المسلمين وحسب، بل لدى كثير من المؤثرين الدينيين والعسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، إذ تطالعنا وسائل الإعلام بكم هائل من الأدبيات اليهودية والمسيحية التي تبشر باقتراب الخلاص، ومعركة “هرمجدون”، و”إسرائيل الكبرى”، و”بناء الهيكل”، ونهاية العالم، ونزول المسيح، وغيرها من الثيمات الثيولوجية في الديانتين.
وبغض النظر عن مدى صحة الروايات الدينية المنسوبة لأنبياء أو أئمة، فإن الإشكال يأتي من “التأويل السياسي”، لهذه المرويات، وهو التأويل الذي يحشد الناس للحرب، التي غالباً ما تنتهي، ليكتشف المروجون لروايات نهاية العالم، بأنه لم ينته بعد، وأن تأويلاتهم السياسية للمرويات الدينية ذهبت مع الريح، لتبقى الحقيقة الوحيدة، المتمثلة في حرائق الحروب، وآثارها المدمرة على الإنسان والبنيان، مع تربع حفنة من الانتهازيين الدينيين والسياسيين على السلطة، وحيازتهم للثروة، وسط كل هذا الخراب والدمار.

٭ كاتب يمني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Ayad Hadi:

    الخلاصة انتقاد ايران كيفما كان , رغم ان الحرب على ايران عمرها 47 عاما باشكالها المختلفة واغفل الكاتب الصراع الاقليمي و الدولي الجيوسياسي . هناك نموذج قدمته اميركا و الغرب للعرل و المسلمين وهو نموذج دول الخليج رخاء و استقرار مقابله الدوران في الفلك الاميركي و جوع و اضطراب نموذج العراق سوريا سابقا وايران الان . اغفل الكاتب ان ايران بنت المنطقة والكيان الصهبونب و الغرب هم الدخلاء وان الحرب حرب اختارتها حلف ابشتاين وليس ايران . الخلاصة انها حرب اما تكون الامة او لا تكون وليس المهدي المخلص او هرمجدون .

  2. يقول وجيه:

    شهدت حرب الثمان سنوات بين العراق و إيران شيوعا هائلا مذهلا للخرافات وتم استنزاف الدين من البشره حتى النخاع حيث تمتع أفراد عاديون من قوات التعبئه الإيرانيه باللقاء مع المهدي وانه هو الذي يضع الخطط العسكريه ويقود الحرب ضد العراق.
    عندما انهزمت إيران لم يتعظ أحد ابدا بسقوط الأوهام مما يدل على استخدام ذات النهج حتى آخر التاريخ دون ملل.

  3. يقول اللَّامي:

    لا يسعنا إلا القول هنا ،
    مساكين بالفعل العرب ..
    إذ يتخبطون في “تنظيرهم” بين الغيبيات وفضاءات الخيال الجامح وتحريف التاريخ ..
    بينما قطعان الصهاينة من الطرف الآخر نازلة بهم بطشا وقتلا على دقات الساعة ..

  4. يقول أمين:

    اكثر الحروب التي شكلت مصائر البشرية كانت نوازعها و أهدافها لدنيا و ليس لدين.
    اروبا العلمانية أشعلت و خاضت حروبا استعمارية و اخرى بينية لم يكن للدين و الغيب فيها ذكر و لا تفسير.
    ايران تعرضت لعدوان حاولت تجنبه بخدمات و صفقات ابقت على النظام و ابتزت دول الخليج. و كانت الطائفية اهم اسلحتها.
    اليوم تواجه هي و المنطقة حربا تلمودية تقودها غيبيات و من الطبيعي ان تحتاج هي لمواجهتها لغيبيات.
    العجب في اختفاء الدين تماما في تصور الحاكم في العرب لهذه الحرب. و كأن من اشعلها جاء الى فلسطين للنزهة.

  5. يقول عامد جليلي -:

    { يقول المقربون من المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، إنه شخصية تميل إلى الإيمان المغرق في الغيبيات، والميثولوجيا الدينية، كما يوحي خطابه الأول الذي حملت لغته حمولات غيبية كثيفة وإشارات إلى المهدي الذي طلب المرشد الابن منه الدعاء والنصر والتمكين، مع ما يكتنف شخصية مجتبى من غموض } اهـ
    يا سبحان الله، على النقيض من معظم تقارير الكاتب التي “لا” تكتظ لغتها بالحمولات الغيبية “إطلاقا”، والتي “لا” تستخدم الطائفية من طرف واحد كأساس غيبي محض للحطّ من قدر إخوتنا الشيعة “بتاتا”، والتي “لا” تثير النعرات العرقية والإثنية والشوفينية بين الفرس والعرب من خلال استعداء الحوثيين “لا من قريب ولا من بعيد” – يا سبحان الله في أواخر هذا الشهير الفضيل !

    1. يقول كاره للعجرفة:

      احسنت

    2. يقول المراني:

      يا سبحان الله.
      الحوثي الذي استفز اليمنيين بإسقاط عاصمتهم وبدعم إيراني أصبح تصورك ان اليمنيين يستفزونه.

  6. يقول Samir:

    مقال جيد يكشف هوس كثير من مجتمعات المسلمين بالغيبيات و البشارات و النبؤات المذكورة في الروايات و الأخبار و الآثار، و أعتقد أن كل ذلك نشأ في عصر التدوين تحت إشراف الدولة العباسية، فقد نشأت المذاهب و المدارس الفكرية المختلفة في عصر الدولة العباسية، و لا أكون مبالغًا إن قلت إن عقول المسلمين قد تشكلت في عصر الدولة العباسية من عقائد و أفكار و طقوس و موروثات و عادات و تقاليد..الخ و سوف يبقى ذلك كذلك إلى أن تقوم الساعة..!!

  7. يقول زياد:

    الكاتب محمد جميح أحد الأقلام التي نحب أن نقرأها، وننتظر مقارباتها.
    وهذا مقال يكشف تمسك نظام إيران بالأساطير والخرافات.
    تحياتي وكل عام وانتم بخير

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية