«الحرة» من منافسة «الجزيرة» إلى تلفزيون ضمن باقة قنوات الإمارات؟!

يعد الأمريكيون سادة الإشهار في العالم، سواء بشأن ترويج السلع أو الخطاب الإعلامي القومي، ولم ينجحوا في قضية واحدة، وهي بلورة خطاب إعلامي موجه إلى بعض مناطق العالم، وأساسا أمريكا اللاتينية والعالم العربي. ومن أبرز عناوين الفشل الإعلامي، «قناة الحرة» التي لم تعد أمريكية، بل إماراتية روحا وقالبا. والحديث عن الإمارات، هو الحديث عن دولة معادية للكثير من القيم الإنسانية وعلى رأسها الديمقراطية.
ورغم ظهور الإشهار في البدء في أوروبا، وظهور الصحافة في أوروبا كذلك، إلا أن الأمريكيين هم الرواد. فالإشهار صناعة ثقافية بامتياز، وتحتفظ ذاكرة المرء بالكثير من الإعلانات الإشهارية الأمريكية للسلع التي نستهلكها، لجودة إخراجها وروعة مستواها الفني، وكأنها مشاهد من أفلام وقعها مبدعون كبار.

فشلت قناة «الحرة» في تحقيق نسبة مشاهدة مقبولة مقارنة مع الإمكانيات التي وضعت رهن إشارتها

في الوقت ذاته، تعد مدارس البحث العلمي في الإعلام في الولايات المتحدة رائدة في هذا المجال، على المستوى العالمي. معظم كبار الباحثين من هذا البلد، ويكفي ذكر أسماء مثل المؤسس والتر ليبمان، أو برنار بيرلسون. ومعظم الجرائد الكبرى العالمية هي أمريكية مثل «واشنطن بوست» و»نيويورك تايمز» ومجلات مثل «تايم» و»نيوزويك»، وحتى الوكالات فأسوشيتد برس لا تقل انتشارا وتأثيرا عن فرانس برس ورويترز.
وبعد الحرب العالمية الثانية، رفعت الولايات المتحدة راية القيم الإنسانية وحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، وهي استراتيجية لها مظاهر إيجابية في الكثير من القضايا، وأخرى سلبية بسبب الحروب التي شنتها والتعامل مع قضايا، مثل القضية الفلسطينية. ومن ضمن ما راهنت عليه لتعزيز استراتيجيتها، هو خلق أدوات إعلامية لمخاطبة الآخر، ومنه الرأي العام في العالم العربي. وحققت إذاعة «صوت أمريكا» نجاحا لافتا، وكانت تنافس إذاعة «بي بي سي» عربي، وتقف ندا لإذاعة «هنا موسكو». وبعد عصر الفضائيات، كانت الولايات المتحدة هي الأولى في الغرب، التي راهنت على إنشاء قناة «الحرة» بتوصية حثيثة من الاستخبارات والدبلوماسية وعدد من خبراء الإعلام. وسطرت أجندتها في تقديم رؤية مختلفة مضادة لكل من قناة «الجزيرة» وتبشر بالقيم الإنسانية القومية، ومواجهة المد الديني المتطرف، في أعقاب التفجيرات الإرهابية في 11 سبتمبر. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، من الذين بشروا بعصر إعلامي جديد في العالم العربي بواسطة قناة «الحرة».
وبعد مسيرة تناهز 17 سنة، يمكن الحكم على قناة «الحرة» من خلال عاملين، الأول مدى حضورها في المشهد الإعلامي العربي، وهو المشهد الذي أنشئت من أجله، ومازالت توجه له منتوجها، ويتجلى الثاني في نوعية جودة الخطاب الإعلامي، هل هو يتماشى والقيم التي أنشئ من أجلها أم لا؟ ورغم الإمكانيات التي رصدت لها، فشلت قناة «الحرة» في تحقيق نسبة مشاهدة محترمة ومقبولة مقارنة مع الإمكانيات التي وضعت رهن إشارتها. لم تستطع التنافس مع قناة «الجزيرة» بصفة نهائية، وانتقلت إلى مستوى أقل، وهو منافسة قنوات «فرانس 24» و»بي بي سي» التي ظهرت لاحقا ثم «روسيا اليوم» بالعربي.. وهذا يعني فشلها في تحقيق أي اختراق للرأي العام في العالم العربي، فهي من جهة لا تشكل مصدرا للأخبار لإعلاميين، ومن جهة أخرى تحقق نسبة مشاهدة محدودة للغاية.
وعلاقة بالعامل الثاني وهو جودة الخطاب، قامت قناة «الحرة» بتقسيم العالم إلى عالمين، الأول عالم لا بأس من عكس ما يجري فيه وبنوع من التحفظ، والعالم الثاني وهو استعمال الفوتوشوب، في التعامل معه وهو عالم دول الخليج، وأساسا الإمارات والعربية السعودية. من يتابع تغطية قناة «الحرة» للاغتيال الوحشي لجمال خاشقجي في القنصلية السعودية في العاصمة التركية إسطنبول، سيعتقد أنها أداة تابعة لديوان القحطاني.. والأمثلة كثيرة، ولكن لنقتصر على مثال دال للغاية وبعيد عن الصراع الخليجي، فقد تغاضت قناة الحرة عن مشكلة الأميرة هيا مع حاكم دبي لمدة قاربت الثلاثة أسابيع، وعندما تناولت القضية كان من زاوية دعوى رفعها حاكم دبي ضد الأميرة، وليس هروبها من ممارساته وتعسفه. هل هذا خطاب أداة إعلامية لدولة، ومن ضمن ما بررت به غزو أفغانستان، علاوة على محاربة الإرهاب، هناك قضية تحرير المرأة. وصل الأمر ببعض مديريها إلى فرض قاعدة على كل العاملين فيها بعدم نشر أي شيء عن الإمارات حتى مصادقة المدير.
لقد أعلن جورج بوش الابن عند تأسيس الحرة بأنها القناة التي ستساهم في تنوير العالم العربي، وتساهم في النهضة الفكرية للعالم العربي، وإذا بالقناة تتحول إلى قناة ضمن باقة قنوات الإمارات، وصوت قوي وجهوري للثورة المضادة للربيع العربي. هذه أول مرة، تنشئ دولة قناة وتستحوذ عليها دولة أخرى. ومن لم يصدق، فليلجأ إلى تقنية التحليل القائمة على الكم والكيف المعمول بها في علوم الإعلام للمنتوج الإعلامي لقناة «الحرة» وتطبيقاتها الرقمية حول نسبة الأخبار حول الإمارات ونوعيتها. إنه تمرين بسيط والأرشيف متوفر.
*كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    أكثر من 50% من متابعي الأخبار العربية يتابعوا الجزيرة! الجزيرة في تطور دائم!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول السلامي:

    لقد كفت قناة الحرة عن أن تكون حرة عندما اقالت العديد من الإعلاميين العراقيين لدواعي مضحكة وصارت تنظر إلى العراق بعين وهابية متحيزة على الدوام ضده.

  3. يقول فريد:

    تصريح بالغ الدلالة والذكاء ف التحليل “هذه أول مرة، تنشئ دولة قناة وتستحوذ عليها دولة أخرى” الأمريكان سدج بعدما سلموا قناة الحرة الى الإمارات العربية

  4. يقول المهدي:

    الإمارات استثمرت أموالا طائلة لشراء النسخ العربية من بعض وسائل الاعلام مثل سي إن إن، وجعلت قناة الحرة ناطقة بمصالحها. ولم تنجح في تحسين صورتها أمام الرأي العام العربي والدولي. المال لا يصنع الصورة بل المواقف المشرفة من القضايا العادلة مثل الديمقراطية.

  5. يقول خالد مصطفى الجزائر:

    الجزيرة لا يمكن منافستها بل مستحيل لأنه ببساطة تبنت قضايا المواطن العربي أنا شخصيا عندما يصدر أي نبأ عن كورونا أذهب للجزيرة لأتأكد فإن وجدته يبث أخذته وإن لم يبث أعلم أن تدليس ويستحيل إنشاء قناة بمصداقيتها هناك قناة أوراس ولكن هاته القناة موجهة تقريبا للشأن الداخلي الجزائري فعدد مشاهديها محدود.

  6. يقول وائل:

    الإعلان عن تأسيس الحرة كان حدثا ثقافيا وسياسيا، وبعد ضهور تمخض الجبل وولد فأرا. لا أتابع القنوات الفضائية كثيرا، وعندما أرغب في مشاهدة الأخبار الحرة تأتي في آخر الاختيارات.

اشترك في قائمتنا البريدية