الحقائق خلف الدعابة

حجم الخط
1

تصريح وزير الداخلية اللبناني حول عدم تعاون سارقي السيارات مع أجهزة الدولة أثار زوبعة من الضحك والسخرية على مواقع التواصل الإجتماعي وفي المقاهي وصالونات البلد. طبيعي أن يسخر جيل تربى نصفه أو أكثر من نصفه على أفكار الدولة الحديثة. فالدولة الحديثة، دولة قانون واحد للجميع، تكافح السرقة والسارقين، تكافح التهريب والمهربين، تحارب المتهرب من الضريبة والمتهربين، تحارب الفساد والمفسدين. فكيف لوزير، تربيته عسكرية مع ذلك، أن يدلي بمثل هذا التصريح الغريب؟
المظنون في هذه الحالة أن الوزير لم يصرّح من عدم. فهو حتماً يعرف تماماً الموضوع من الداخل، خصوصاً وأن التصريح جاء في إطار مواجهة الدولة لموجة السيارات المفخخة التي يستعملها الإرهاب الذي يضرب البلاد. المسألة ليست تفصيلية في هذه اللحظة. والوزير لا يمكنه إطلاق النكات الظريفة في مثل تلك الحالات المصيرية.
ربما أراد الوزير، المسؤول نظرياً عن أمن اللبنايين، القول، على نحو موارب، أن سارقي السيارات العاديين، أو المعتادين، يتعاملون، بشكل ما، عادة مع أجهزة الدولة، وأن السارقين اليوم هم غيرهم بالأمس. وإما أراد القول أن السارقين القدامى أخلّوا بقواعد ‘الاشتباك’ السابقة. بكل الحالات، وبمعزل عن نوعية السارقين، فتح الوزير، قصد ذلك أم لم يقصد، موضوع تشابك المصالح بين ما يسمى بقوى الأمر الواقع المجتمعي وأجهزة الدولة التي يفترض فيها أن تكون فوق المجتمع وعلى مسافة منه.
كشف الوزير قشرية الدولة في بلاد كبلادنا. فهي لا تسوس المجتمع بل تخضع له كما هو، بواقعية، تتعايش معه بما هو لا بما هي. هي لا تجر المجتمع إلى قوانينها وإلى سيادتها المطلقة بل هي تنزل قوانينها إلى أعرافه وعاداته. على القانون إذن أن يتكيّف مع العرف لا العكس.
كشف تصريح الوزير بسخرية مضمرة وغير مقصودة مفهوم الدولة في بلاد لا تتمتع بحريتها الفعلية. فالدولة التي تستقي قوتها وهيبتها من الخارج لا يمكنها أن تقنع ناسها بسيادتها. وبالتالي فهم يتعاطون معها بصفتها أحد اللاعبين مثلها مثلهم. فكما هي تستقوي بقوة خارجية يمكنهم هم أيضاً أن يستجلبوا خارجاً ما له مصلحة بدعمهم من أجل محاربة خارجها. مركزية الدولة نظرية أو لنقل مؤقتة. وفي كل مرة يعتريها الوهن والضعف تستفيد القوى الإجتماعية الطرفية لكي تقوم بغزوات على الطريقة القديمة بغية إعادة توزيع الثروة بين مكونات المجتمع.
كشف الوزير غطاء مجتمع نسيجه الإجتماعي فيه يسيطر على الدولة القشرية ويخضعها لأعرافه وتقاليده وأنماط عيشه المعتادة. كانت العشيرة بالماضي تقطع الطريق وتغزو قوافل التجار الأغنياء والزناكيل لكي تقتات وتبقى على قيد الحياة. فهل يمكن اعتبار سرقة السيارات التي تقوم بها بعض القرى الطرفية في لبنان نوعاً من الغزو القديم خصوصاً وأنها تجري بشكل شبه علني؟ بكل الحالات فإن تصرف الدولة مع مكونات مجتمعها لا يظهر بمظهر من يتعاطى كسلطة رسمية ولا بمن يسعى إلى تنميتها وصهرها وضمّها إلى المجتمع الكبير بل هي تتعاطى معها تحت الطاولة، إذا جاز القول.
الوزير اعترف دون قصد منه بأن الدولة ليست السلطة التي تحتكر العنف في المجتمع بناء على القانون والحق. بل هي تفرض ‘الأمن بالتراضي’ كما يقال في لبنان. أي أنها تشارك قوى المجتمع المؤتلفة في جماعات عشائرية أو طائفية. لا بل هي تترك هذه القوى تتحاصص الدولة ومواردها. وعندما تجد إحدى هذه القوى أن المحاصصة غير عادلة تقوم هي مباشرة بما يمكن لكي تزيد أو تحصل على غنم لم يحسب له حساب في المحاصصة العامة. الطوائف إذن هي من يدير الدولة وفقاً لأعرافها وحاجات بقائها واستمرارها وإعادة إنتاجها.
الطرفان على أي حال لا يريدان الدولة بما هي قانون وقواعد عامة شاملة. الكل يغطي الكل في هذه اللعبة المدمّرة للمجال العام. المكونات الإجتماعية تقاوم بالمبدأ قيام دولة القانون بما هي نقيض لها. فلا يوجد بالتاريخ سابقة حيث قامت قوة إجتماعية بالإنتحار الذاتي والتخلي عن سلطتها ومصالحها من أجل بناء نقيضها. والدولة، التي نشأت قواها في بلادنا على قاعدة التخلي عن قسم أساسي من سيادتها لمصلحة الخارج القوي الذي فرض هو شكل الدولة وفقاً لأغراضه، ليس لها مصلحة من ناحيتها بصهر المجتمع وفرض القانون الواحد للجميع.
أن يسخر الفيسبوكي من تصريح الوزير مسألة مفهومة على قاعدة فهمه للدولة الحديثة. ما لا يفهمه وعي هذا الفيسبوكي ربما هو الطريقة التي تنجدل فيها العلاقة بين بنى إجتماعية ما قبل دولتية وبين هذا البناء الفضفاض الذي سمي دولة. هذه العلاقة المركبة التي يحتاج فيها الطرفان لبعضهما البعض بحيث يصبح كل طرف حاجة تأسيسية للطرف الآخر لا يسعه الإستمرار من دونها. وبهذا المعنى فإن دعابة الوزير لا تعود دعابة عندما نعرف أن المتحدات الإجتماعية قد تقاسمت الجبال عنوة لتحوّلها إلى كسارات ومقالع عملة وريوع. ليس هذا وحسب بل تقاسمت الشواطيء والرمول وبنت المجمعات السياحية على أراضي الدولة والمرافيء التجارية والسياحية. كما تقاسمت الصحة والمستشفيات والمصارف والوكالات الحصرية وردمت البحر وباعته. ومن يبتلع الجبل والبحر والبناء والقطاع المالي والصحي والإقتصادي لن يغص ببعض السيارات التي يغزوها البعض ممن يعتبر نفسه مغبوناً بالقسمة العامة.
تقاسم الدولة ومواردها وملذاتها كما كان يقول إبن خلدون من قبل جماعات قوى المجتمع ليس سراً مطوياً بل هو يتبع لقواعد وموازين دقيقة. صحيح أن هذه القواعد غير مكتوبة لكنها محفورة بالرؤوس ومتعارف عليها ومتفق على أنصبتها إلا إذا اختل ميزان القوى الذي تقوم عليه هذه الأنصبة فتحتاج عندها لتدخل الخارج أو لحرب بينها من أجل إعادة تكريس موازين القوى الجديدة.
وحتى تقوم الدولة، ما على سارقي السيارات بلبنان، وأسوة بغيرهم، إلا أن يؤسسوا نقابة تدافع عن مصالحهم وحصصهم من موارد الدولة خشية أن يضطروا إلى اللجوء إلى الإرهابيين لتصريف إنتاجهم المتكدس.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبدالرحمن الخليفة / السودان:

    تعبير مجتمع ماقبل الدولة المحورى فى المقال جعلنى انظر الى تجسيد حقيقى لواقع بلدى الذى تتنازعه قوى عديدة داخلية تكون فى النهاية الدولة بمؤسساتها هى التى تسعى الى ترضيتها وكسب ودها واقتسام النفوذ والموارد معها …. هناك جانب ثقافى للامر مرتبط فعلا بقضية العشائرية فى مجتمعاتنا وقد كانت سلطة ومازالت فى بعض المواقع تحكم حيزا من الارض والناس وتتحكم بقسط من الثروة وفق اعراف وتقاليد لم تتمكن من الصمود وسط تمدد السكان وتطور الحياة ..الجانب الثانى وهو مرتبط بالتوافق على اهمية الدولة من حيث الوعى العميق بدورها واهميته الذى يستند الى شرعية القبول به كنموذج عادل وشفاف وهناك الكثير الذى يجب معالجته فى هذا الجانب .المقال هام جدا ويضع اطارا شاملا لقضية مصيرية بالنسبة لكل شعوب المنطقة واجزاء كبيرة من عالمنا المعاصر للاسف حتى هذه اللحظة .

اشترك في قائمتنا البريدية