الخادش وغير الخادش للحياء

حجم الخط
17

لا يمر شهر، حتى تظهر في مكان ما من الوطن العربي إشكالية ما، حول حرية الإبداع والمبدع وحدودها. في الأيام الأخيرة طفا هذا السؤال في أم الفحم، المدينة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، التي وصفها شهيد الفن والموقف ناجي العلي بـ»الأسم الحركي لفلسطين».
اتخذت بلدية أم الفحم قراراً بإلغاء حفل لمغني الراب تامر نفار، الذي كان مقرراً مساء اليوم الخميس في قاعة سينماتيك في المدينة، بحجة أن كلمات أغانيه لا تنسجم مع الثقافة والمعايير الفحماوية، كما جاء في بيان البلدية، وعلى الفور ظهر صراع بين موافق ومعارض. اعتبر البعض أن هذا المنع قمعٌ لحرية الإبداع، بينما اعتبر البعض الآخر، أن القرار صحيح، لأن هناك كلمات لا تليق بأن تلقى على مسامع شبابنا وشاباتنا.
الفنان تامر نفار ذو توجه قومي عربي وأممي واضح، بدأت شهرته في الانتشار بعد أغنية «مين إرهابي» عام 2001. هاجمته وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريجب قبل ثلاث سنوات بعدما خرجت بشكل تظاهري من قاعة حفل خلال مهرجان أفلام في حيفا، وذلك عندما بدأ بغناء قصيدة محمود درويش «سجّل أنا عربي». تعرّض نفار في مسيرته إلى تحريض من اليمين الإسرائيلي الحاكم ومحاولات تخريب لحفلاته. صحيح أن إحدى أغنيات تامر نفار فيها كلمات خادشة لنا كعرب، ولكن من الممكن تصنيف معظم أغانيه بأنها وطنية اجتماعية، تتحدث عن مشاكل الشباب العرب وأحلامهم ومعاناتهم في مواجهة العنصرية والاحتلال والتطهير العرقي، وهدم البيوت العربية، ومصادرة الأرض، وتهمة الإرهاب العشوائية الموجهة للعرب، وجرائم القتل المتفشية في مجتمع عرب 48 من دون أن تقوم الشرطة بواجبها في مكافحة هذه الظاهرة.
الراب جديد نسبياً عند العرب، ومعظم جمهوره من الشباب، ولهذا السّبب يجد المتقدمون في السن، وهم عادة أصحاب القرارات في المراكز الثقافية، صعوبة في تذوق هذا الفن وتقبّله، ويرونه منفّرا بغض النظر عن كلماته، فهو يعتمد الحركة العنيفة على المسرح والإيقاع السريع المؤثرات، وكلمات تبدو غير منسجمة وبدون وحدة في موضوعها، حيث من الممكن أن تنتقل الكلمات بحدة من موضوع إلى آخر في فضاء الفكرة، وهي خلطة كلمات فصيحة ومحكيّة مطعّمة أحيانا بشعر معروف إلى جانب كلمات ركيكة من تلك الكلمات المستعملة في حياتنا اليومية، وقد تظهر بينها فجأة كلمة عبرية أو إنكليزية وحتى روسية. من ناحية أخرى فإن القرى والمدن العربية داخل مناطق 48 ليست كلها على مقاس ثقافي واحد، فسكان المدن المختلطة مثل، يافا التي باتت جزءا من تل أبيب واللد والرملة وعكا وحيفا ذات الأكثرية اليهودية، لا بد أن يتأثروا بالأجواء المحيطة بهم، أكثر من سكان مدينة كل سكانها من المسلمين مثل أم الفحم، التي تعتبر قلعة الحركة الإسلامية في مناطق 48، رغم أن أهلها مثل سائر سكان المدن والقرى العربية يخرجون إلى أعمال معظمها في المدن اليهودية.

كل جيل ينمو ومعه فنونه ومعاييره الجمالية الجديدة، وهذا خاضع لعوامل كثيرة اجتماعية واقتصادية وسياسية

لا نستطيع أن نطلب من الجيل الصاعد البقاء داخل بوتقة الفنون التي عاشتها وتذوّقتها الأجيال السابقة، في ما سُمّي بالزمن الجميل، وقبل الزمن الجميل، فكل جيل ينمو ومعه فنونه ومعاييره الجمالية الجديدة، وهذا خاضع لعوامل كثيرة اجتماعية واقتصادية وسياسية، وفي النهاية لا يبقى سوى الحقيقي والأصيل بغض النظر عن تسميته. برأيي المتواضع أنه كان من الممكن لممثلي بلدية أم الفحم أن يتفقوا مع المغني على حذف بعض الأغاني من عرضه، ولا أظن أنه سيعارض، فلديه عشرات الأغاني الاحتجاجية المصنفة بأنها وطنية واجتماعية، ليس فيها أي كلمة خادشة. هناك قضية أخرى وراء هذا الحظر، وهو أن هذا النوع من الحفلات عادة ما يكون مختلطا بين الذكور والإناث، يتخلله هياج الجمهور، ربما هذه هي المعضلة الحقيقية التي واجهتها بلدية أم الفحم، عندما ناقشت الموضوع واتخذت قرارها، بدون أن تذكرها في بيانها، علماً أن رئيس بلديتها مستقل وليس محسوباً على التيار الإسلامي، ولهذا أعتقد أنه لو كان العرض للذكور فقط، لما كان هناك اعتراض بمثل هذا الحزم والحدّة.
يبدو أن النقاش الذي أثاره قرار بلدية أم الفحم، هو نفسه الذي يدور في معظم البلدان العربية، المثال الأخير كان مشروع ليلى في لبنان، وملابس ديانا كرزون في جرش، الأمر الذي يعني أننا كلنا كأمة نعيش في منطقة الحيرة بين ما هو خادش للحياء وما هو ليس خادشا للحياء، وما يزيد الارتباك، هو إدراكنا بأن الحواجز التقليدية تحطّمت بواسطة وسائل الاتصال التي تتيح لكل الناس من كافة الأعمار والأجناس مشاهدة ورؤية وقراءة كل ألوان الفنون، خادشة وغير خادشة للحياء، وأمام قضايانا الكثيرة والخطيرة، نتساءل هل خدش الحياء متعلق بالفنون فقط؟ مثلا، أليس غريباً أن لا نعتبر إلقاء القمامة في الشارع عملا خادشا للحياء؟ أليس الفضاء الممتلئ بروائح بقايا الذبائح المتعفنة بعيد عيد الأضحى في أطراف مدننا وقرانا خادشا للحياء؟ كي لا نستحي أمام جريمة قتل أم لخمسة أطفال على يد زوجها! ألا تخدش حياءنا جرائم القتل وإطلاق النار التي تكتسح مجتمعنا؟ القائمة طويلة جداً، وأهم بكثير من كلمات في أغنية لتامر نفار أو غيره من الفنانين.
كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول كمال- نيويورك:

    هناك رقابة فنية في كل دولة في العالم و لديهم معايير مختلفة للحد مما “يخدش الحياء” في مجتمعات هذه الدول. و احيانا ما يسمح بشيء حتى يرفضه المجتمع و تعتذر الرقابة أو الجهة المشرفة و احيانا العكس. المشكلة دائما في من يعتبر ان كل شيء مباح و لا يخدش الحياء و يأتي بعده من يزاود عليه في فجوره و سوقيته. نحن نعيش في مجتمع و لا بد من وجود ضوابط اخلاقية فيه و ليس كل واحد فيه حر يعمل ما بدا له. هذا النوع من الفن منتشر و لديه مستمعيه في امريكا و لكن الغالبية لا تحبه و تبغضه. حرية التعبير و الرأي جميلة و لكن على صاحب التعبير ان يتحمل تبعات رأيه و خاصة من مخالفيه. عليه ان يحترم قرار منع حفلته في أم الفحم و يذهب حيث حفلته مرحب بها.

  2. يقول غدير ماهر:

    الازدواجية هي ما تجمع الوطن العربي، ليس خادشاً للحياة تعنيف النساء وإضطهاد حقوقهن ولكن خادش للحياة استعمال ألفاظ جميعنا نستخدمها في الخفاء ولكن عندما يغنيها شخص ف العلن تصبح خادشة للحياء. من لايوافق على عمل الفنان تامر غير مجبر على الحضور هكذا بكل هذه البساطة.
    قدم الفنان التماس للمحكمة والمحكمة ألغت قرار البلدية اليوم الخميس.

  3. يقول رسيله:

    صباح الحبق المورق غايات واحلام ، صباح التفاؤل كاتبنا لك ولجميع القراء والقارئات مقالتك الرائعة اليوم سياسيه ثقافيه فنيه اجتماعيه تغوص في شريان الفكر الإنساني العربي وصراعاته بين تقدمي ورجعي، هذا وقد اشتملت لوحة ابداعك بعضا من فنك التعبيري الساخر الذي يسعى لصياغة افكار الناس وآرائهم وقیمهم، ومعاناتهم والآمهم مما زاد المقاله حسنا على حسن.
    تامر نفار المتميز يسعى في اغنياته الى كشف الستار وكشف “المخبى “لذلك يخافه كل من يخشى مواجهة الحقيقة والواقع ، حقيقة حياتنا المليئة بالمظاهر الكاذبه ،حقيقة قضايانا المهمشه ،حقيقة حقوقنا السياسيه المغتصبة وهويتنا الضائعة في أفق النسيان.
    كلمات اغانيه تشبه قطرات الماء البارد التي ترشق على وجه سامعيها لتوقظهم من سبات عميق ، كلماته لها وقع التأثير من اجل التغيير ، وهذا الامر يخيف أصحاب القرار الذين يجهلون ان تامر حاضر في هواتف أبناهم وبناتهم النقالة وينام ويأكل ويشرب معهم ويرافقهم في سياراتهم ويدندنون أغانيه أثناء الاستحمام وقد يخرج لهم بصورة المارد في الحلم لأنه يمثل أحلامهم المنشوده المندثرة .

  4. يقول رسيله:

    ( تكمله )تامر كان ذكيا للوصول إليهم من خلال المزج في اسلوبه بين الراب ذو الأصول الغربية وبين الموسيقى العربية فالعديد من أغانيه تحتوي على ألحان وايقاعات عربية تشمل عزفا لالات موسيقية شرقية كالعود والدربكة.
    هذا وتعالج اغانيه قضايانا السياسيه والعنصرية المستشرية التي تواجهنا في أماكن التعليم والعمل والتنقل كما تعبر عن أوضاع قرانا ومدننا المنكوبة بالبطاله والمخدرات والسلاح وافات العنف التي باتت لا تطاق، انها اغاني تثير الواقع المعاش فكيف لا تستثير الشباب والصبايا.
    اما بالنسبة للايحاءات الجنسية في أغانيه فهي لا تتعدى ان تشبه تلك المغناه في اعراسنا ومناسباتنا ويرقص عليها الكبير قبل الصغير طربا الم يغني صباح فخري قائلا :”قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بناسك مابعد قد
    كان شمر للصلاة ثيابه حتى وقفت له بباب المسجد الله أكبر الله أكبر يا داعيا لله مرفوع اليد متوسلا متضرعا( يتبع)

  5. يقول رسيله:

    ( تكمله اخرى) للمنجد يا طالبا منه الشفاعة في غد قل للمليحة في الخمار الأسود فسلبت منه دينه ويقينه وتركته في حيرة لا يهتدي ردي
    عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق دين محمد
    ردي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق عيسى وأحمد يا ليل ….
    الا يهرع الكثير من سكان مدينة ام الفحم والقرى والمدن العربيه لحضور حفل للفنان المتألق كاظم الساهر وهو يغني بكل الايحاءات الجنسية :”كوني امرأة خطرة كوني القسوة كوني النمرة لفي حولي لفى حولي كي أتحسس دفء الجلد وعطر البشره سيلي عرقاًً، زيدي ألقاً كوني فرساً، كوني سيفاً يقطع كوني شبكا ليست تشبع كوني
    صيفاً افريقياً، كونى حقل بهار يلذع كون الوجع الرائع، اني أنزف حباً إذ أتوجع.” فيرددها الشايب قبل الشاب.
    كاتبنا تحليلك رائع بأن بلدية ام الفحم لا تريد حفلا مختلطا ولكن الاختلاط واقع في أماكن العمل وفي الجامعات وفي الأسواق وفي المقاهي التي تملأ المدينه وفي الشوارع وفي المواصلات العامه.( هناك تتمه اخيره)

  6. يقول رسيله:

    (تتمه اخيره) تحليلي هو ان منظومة الأخلاق في المجتمعات العربية هي تنافسية، فالطفل العربي يُنشَّأ في بيئة تنافسية أخلاقيا حيث تسعى الأمهات إلى أن يكون أبناؤهن محطَّ إعجاب أخلاقي، وأن يُشاد بتربيتهم، فيبدأ الأبناء بتنفيذ هذه اللوائح الأخلاقية رغبةً في الحصول على المزيد من الإعجاب والرضا: من الأم ومن الآخرين عمومًا.
    ولكن هذه العملية المعقدة من طلب الرضا، تقود إلى ما يسميه هشام شرابي: حالة عامة من “المسايرة”، والتي تقود بدورها إلى تكريس “المجاملة”، لا كسلوك استثنائي يحدث تحت ضغط بعض المواقف الاجتماعية، بل كطريقة منهجية في التفاعل الاجتماعي، تساهم في خلق “توترات الباطن”، وتكرس اندماج الفرد “ظاهريًا” في الجماعة، مع سخطه الباطني عليها وعلى ما يبدو ان هذا الجيل يحمل السخط الكبير على كل انواع المسايرات والمجاملات.
    تامر نفار يغرد خارج السرب فلماذا نمنع أبناءنا من مناشدة الثورة الذي يغرسها فيهم لماذا لا ندفعهم أيضا للثورة على الظلم والمظاهر الكاذبة الخداعة لماذا لا نحلم بأن يكون لنا ابناء وبنات استثنائيين كتامر نفار.
    سهيل كيوان انت كالعاده مبدع وبامتياز،مقال رائع جدا تحليل كافي وشرح وافي، دمت شعلة نشاط متوهجة، تحياتي لك.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية