عندما يصغي الإنسان إلى ذاته فهو مع الله، وعندما يلتزم الإنسان مع ضوابط ومقدرات المؤسسة فهو مع المجتمع والدولة والشعب. وعندما يكون الله في غنى عن الناس، غير قابل للاحتكار، معنى ذلك أن أفضل سبيل إلى عبادته، بالصلاة والعمل الصالح، هو الإخلاص للمؤسسة بما تحققه من نماء وتفوق للفرد والمجتمع، فصلة الفرد بالمجتمع تؤمنها المؤسسة التي هي حاصل مجموع نوايا وأغراض وتطلعات يشترك فيها من يزاولون العمل بها، ويقع على عاتقهم التكفل بتحقيق مشاريعها وبرامجها والأصل الذي تأسست عليه.
إذا كان الغالب في حياتنا المعاصرة هو ظاهرة التحولات والتغيرات التي لا تتوقف، فإن الدين أيضا يجب أن يطرأ عليه التحوّل، ليس بما هو دين في ذروته العليا، بل بطريقة تجاوب الإنسان معه، في لحظة هي مفارقة تماما لما كان عليه الناس في السابق.. فالإنسان المعاصر هيئة وكينونة استوفت أكثر المكانة التي يمكن أن تساعد على فهم أفضل لخطاب الله والأنبياء والرسل، على مدى التاريخ الإنساني، وعلى وجه الخصوص التاريخ الإسلامي، على اعتبار أن النص القرآني كان جوهر وأساس حضارة إنسانية عالمية جديدة. فقد اكتمل الإنسان وامتلك ذاته وتبلورت شخصيته بالقدر الذي صار أكثر تأهيلا للتواصل مع خطاب إلهي ووصايا أنبيائه ورسله وكتبه.. وتعريف العولمة من هذا الجانب، هي تلك اللحظة التي وصلها الإنسان، وصار يدرك فيها المجالات المعرفية والعيانية كافة، المتاحة فوق الأرض وما بعدها.
فالدين، وفق ما يمكن أن نصل إليه، هو مواصلة النفاذ إلى النفس البشرية، لنستخلص منها جوانب إنسانية تُقَرّبنا أكثر من الله، كمطلق لا يمكن تحديد مصدره ولا نهايته، امتداد متواصل على ما هي عليه النفس أيضا، امتداد لا يحد بزمان ولا مكان، فالإنسان يبدع إلى ما لا نهاية، لأنه يمتلك نفسا يستمد منها قدرات هائلة ورائعة، على ما اكتشفته العلوم الإنسانية والطبيعية المعاصرة، خاصة منها علم النفس أصوله وفروعه. والمؤمن المسلم يدرك تمام الإدراك قيمة وأهمية مفهوم النفس، إذا ما أعيد تعريفه وتحديد زمن العولمة، لأن النفس ككامن في الذات البشرية هي التي خاطبنا بها الله بقوله: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون». والمقام هنا يدعو إلى النظر في النفس وتأملها والغوص في أعماقها، واستخلاص الدُّرر وآيات الإعجاب والاستفهام منها، التي لا تنقطع لأن آلية النظر في مجال النفس بالبصر والبصيرة معاً، أي آلية تُسَخِّر كل الطاقة الكامنة في حياة الإنسان في آخر ما تطوّر إليه، وتحاول أن تبعد عنه العَمى والعَمَه، وتُبَصِّره بفضيلة الدين في الحقبة الفائقة.
عندما تتسع دائرة الأخلاقيات المهنية تتسع أيضا دائرة النفس الإنسانية، فالمؤسسات على تنوعها المذهل تحكمها أخلاقيات مهنية، بينما النفس/ الذات الإنسانية يحكمها الدين
أجل، عندما نلحظ توَسّع وتَطَور المجالات، مع ما يتبعها من ضوابط أخلاقية تعود إلى المهن الجديدة، فإن مجال الدين يصبح النفس وأعماق الإنسان، على ما حاوله مثلا في السابق المتصوفون، الذين بحثوا في النص المقدس، وسعوا لكشف بواطنه، وتأملوا في ما بعده وقبله، وخلقوا من ثم، تربية جديدة هي فلسفة العِرفان إلى جانب فلسفة البرهان، وأضحى بالإمكان مجايلة البرهان (العقل) والعرفان (التصوف) وما يمكن أن يُسَخِّران من طرق بحث وتأمل لنُشدان الحقيقة. وإذا كان الحل الرائع الذي قدمه ابن رشد في إمكانية التواصل، وليس الانفصال، بين الحكمة والشريعة، فإن ما يجب أن نلتمسه في زمننا الفائق هو الإصغاء الواعي والهادئ إلى حياتنا اليومية، مع لحظات التأمل في الذات البشرية، بالقدر الذي نشعر بالذات المتعالية الإلهية، وكل شيء يتم بالواقع العَيَّاني: الخارج بالبصر والداخل بالبصيرة وتكتمل أطراف المسألة لا يضيع فيه لا الدين ولا الأخلاق ولا القانون ولا الفلسفة.
ما يمكن أن يترتب عن هذا الكلام، هو أن الدين تتسع دائرته في الذَّات التي لم يتوقف الإنسان نفسه عن الوقوف عليها، بالمزيد من الاكتشافات والتعريف بها، على نحو جديد مستفيدا من التطورات والتحولات التي لحقت الأشياء والكلمات في عصر العولمة. فعندما تتسع دائرة الأخلاقيات المهنية تتسع أيضا دائرة النفس الإنسانية. فالمؤسسات على تنوعها المذهل تحكمها أخلاقيات مهنية، بينما النفس/ الذات الإنسانية يحكمها الدين أقوى وأشد ما يمكن أن تستأنس به النفس وتتواصل معه، كنوع من الوصول إلى المعاني الخالصَة والمخْلصة لوجه الله، الذي يجب أن لا نبرر به أعمالنا كلها، حتى لو كانت دنيئة، مثلما تفعل التنظيمات الدينية الجهادية المتزمتة، بل يصبح الطريق إلى الله عبر النفس هو السبيل الآمن على حياة الناس في هذه الدنيا وخشية الإنسان من الله في عالم الآخرة.
وتواصلا مع فكرة النَّفس كمجال للدين في مقابل الأخلاق المهنية كمجال لمؤسسات مختلفة ومتنوعة ومتباينة بشكل مذهل، فإن إخفاق الجماعات الجهادية في الوصول إلى «حكم الله» و»تطبيق الشريعة» و»الخلافة الإسلامية» على ما زعموا، هو أنهم وظفوا الجهاد ليس في الانكفاء على الذات ومراقبتها، والتأمل الداخلي فيها وضبطها بأحكام ناعمة، أي «الجهاد الأكبر»، كما ورد في الحديث النبوي. ومعروف أن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس بالمَرَان الدَّائم عليها، قَصد تَخْليصها من النوايا الشَّريرة والأغراض المبيَّتة وما تنطوي عليه من التَّطلع إلى الفساد والأضرار. وعليه، فقد انحرفت الجماعات الإسلامية عن القصد عندما راحت إلى خلط رهيب ومفزع بين الجهاد الأكبر الذي هو النَّفس، الذي يلح على النَّفس الطويل، وجهاد أصغر طارئ ينتهي بوقف الحروب والمعارك والفتن. لا، فقد حل الجهاد الأصغر عند هذه الجماعات محل الجهاد الأكبر ومني الجميع حاكما ومحكوما بالتراجع العام عن الحضارة والمدنية.
وقد يتسع المقال والمقام في موضوع النَّفس لمجال الدين في عصر العولمة، خاصة في حياتنا العربية الراهنة، التي حرّفت الدين عن أصوله ومعانيه وأغراضه، ويتسع المقام والمقال لقراءة وإعادة قراءة حالات النَّفس في مواضيعها المختلفة والمحددة في القرآن الكريم كخطاب إلهي للناس كافة، وليس حكرا على المسلمين، لأن كثيرا من معانيه عاينها وأظهرها غير المسلمين، ولأن الأغلبية من المسلمين يبررون الفساد والظلم والجور في قرارة أنفسهم، الأمر الذي يأباه الدين خاصة، في اللحظة الراهنة وهو المسؤول الرئيس عن الأوضاع الخائبة التي يعانيها العرب مع أنظمة حكمهم. فنظام الحكم يدير ويتصرف بالمؤسسات، فيما المحكومين يسوّغون أوضاعهم بالقضاء والقدر وبالإصغاء إلى النفس، وهي توصي بالانتقام والتعويض ولو بالسرقة والسطو والتجاوز والانتهاك، دونما إدراك أن الأمر يلحق الضرر بالدين في الداخل وفي المؤسسة في الخارج. وهذا ما تجمله الآية الكريمة: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». واضح تماما ربط تغيير الحال بالاشتغال على النفس واكتشاف إمكاناتها وخباياها.
كاتب جزائري