استيقظتُ عند الثّامنة إلا ثلاث دقائق..
عيناي مَفتوحتان كأن أحدا همَسَ باسمي
السقفُ أبيض مائلٌ إلى الصّفرة، وكأنه يتنفس معي…
شعْرةُ معلّقة على الوِسادةِ، خطُّ ضوء يَقسم الجِدار نِصفين، كأنَّ الغُرفة تُراقبني…
ظٍلٌّ ساكنٌ، لكن الصّوت لا يتوقف:
الثلاجة، أنبوبُ الماء، خُطوات في الطابق العلوي من العمارة..
كلُّ شيء حي، وكل شيء يتجاهلُ وُجودي…
مددتُ يدي إلى صدري، لم أتحسّس نبضا، بل مساحة فارغة…
قلبي ينبضُ كساعة تعملُ بلا ضجيج.
نهضتُ، الأرضيةُ باردةٌ، أصابع قدَمي تلتقي الجَليد..
المرآةُ أظهرتْ وجهي بعد أيام: هَالات تحت العينين، شُعيرات بيضاء عند الصدغ، أثرُ وسادة على الخدِّ…
أهلا باليوم الرابع عشر من فبراير… عيد الحب
فتحتُ الصّنبور، ارتجفتُ من الماء الباردِ، لكنَّ عينيّ أصفى…
ارتديتُ قميصا رماديا، مددتُ يدي نحو الأحمر ثم سَحبتهما، خائفا من طُفولة متأخرة…
في الشارع، الصباحُ يرقص عاريا مِن زفير الريح.
رائحةُ الخبز تتسلّلُ إلى عُروقي
لكن لم يكن هناك عيد..
كلّ الجَمال يمرُّ دون أن يلمسنِي
شاهدتُ شابا يحملُ شارة حمراء أكبر من صدره…
يمشي بِحذر مُضحك
الوخز غريبٌ، ليس ألما، بل تذكير: الحُب لا يأتي بِمواعيد، والحياة تمضي…
دخلتُ المقهى
رائحة القهوة تملأُ الصدر، المكان ميِّت…
عرفتُ أنّ المقهى حزين اليوم بِموت نادله البشوش، كمال…
ابتسامته، حركته، طريقة ترتيب الأكواب، كل شيء اختفى مع صمته الأخير..
جلستُ قرب النافذة، طاولة فيها خُدوش قديمة…
حتى الهواء أثقل، يحملُ صدى الغياب
فتحتُ فيسبوك، تجاوزتُ التدوينات المُحتشمة عن عيد الحُب…
توقفتُ عند اسم واحد
الإسمُ لم يتغير، لكن معناه تغير
مررتُ إصبعي فوق الحُروف، شعرت بِحرارة خفيفة…
تخيلتُ صوتها لو أجابت، تخيَّلتُ الصمت لو لم تجب…
أطفأتُ الهاتف.
عدتُ إلى البيت باكرا، جلستُ على الأريكة.
الظّلال تكبرُ على الجدار، تتحوّل إلى أشياء أكبر مني…
في العَتمة كلُّ شيء أكثر صدقا
السّاعةُ تطرق، النافذةُ تعكس صورتي الباهتة…
الوحدةُ لم تَعُد عدوا، كانت غرفة لم أجرؤ على دخولها من قبل..
مددتُ يدي مرة أخرى، لم أتحسس نبضا، بل مساحة…
فهمتُ شيئا ببطء:
الحُب لم يكن الصّوت في الطرفِ الآخر، ولا الرسائل، ولا الوعود..
كان الاستعداد الدَّاخلي لأكون كاملا حتى وأنا وحدي…
فتحتُ الشرفة
هواء فبراير باردٌ ونظيف.
في الشّارع، أضواء باهتةٌ، ضحكات بعيدة، سياراتٌ تمر، شخص يلعنُ الزمان..
ابتسمتُ.
ليس لأن أحدا ينتظرني، ولا لأن عِيد الحُب جاء أو غاب…
بل لأنني أدركتُ: العِيد يحدث بِصمت، حين تتوقفُ عن انتظار الشوق على الباب، وتدركُ أنّك كنتَ في الداخل طول الوقت
أغلقتُ الشّرفة بِرفق، كمنْ ينهي حِكاية ويبدأُ أخرى…
كاتب مغربي
تحدث هذه الاشياء كما لو انّ الإنسان يكتشف لحظة في الحياة لا تشبه أخرى، أو كما لو أنّها تضعنا على تناس مع ما هو جوهري…