السلام في الشرق الأوسط… فلسطين عنوان تأهيله سياسيا

تواجه الديمقراطيات في كلّ مكان صعوبات داخلية وامتعاضات. وتفشل في التعامل مع المشكلات الإقليمية والدولية. والديمقراطيات الغربية الأقدم في الوقت الراهن تختبر صعودا غير متساو، وتشهد ركودا اقتصاديا، أزمة مالية، أزمة طاقة، استقطابا سياسيا وطريقا مسدودة. كما أنّ شرعيتها الداخلية تتضاءل على نحو ما نراه من حركات احتجاجية وإضرابات عمالية في أكثر من دولة أوروبية. ويتّم استثمارها بشكل متزايد من قبل الحركات القومية المتمرّدة، الشعبوية والمعادية للأجانب. كلّ ذلك معا، يجعل هذه التطوّرات تُلقي ظلاً أسود على المستقبل الديمقراطي والتطلعات الإنسانية. ما بالك بعملية السلام في الشرق الأوسط وعنوانها فلسطين، التي تراخى المجتمع الدولي في التعامل معها، رغم أنّ القادة العرب أعلنوا في ختام قمتهم في الجزائر الدعم المطلق للفلسطينيين في مواجهة إسرائيل.
صعود اليمين المتطرف الإسرائيلي سيجعل إسرائيل أكثر عدوانية في تعاطيها مع الشعب الفلسطيني والمقدسات. ومن الصعب في هذه المرحلة رؤيتها تتراجع لتتّخذ موقفًا أكثر اعتدالا أو ليبرالية. ستشكّل هذه الانتخابات على الأرجح منعطفًا لإسرائيل، ليس فقط في ما يتعلق بسياساتها اليمينية المتطرّفة، بل أيضا بتنامي نفوذ التيار التقليدي المتشدّد. والدعم اللامشروط لكيان الاحتلال يعقّد جوانب أخرى من الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط. ناهيك من استجابة المجتمع الدولي، فحتى الآن، لم يكن سجله ناصعا في ما يتعلق بمحاسبة إسرائيل على انتهاكات القانون الإنساني الدولي، تماما كمواقف بعض الدول الخارجية حول قضايا مثل المستوطنات والقصف الهمجي على المدنيين، الذي تمارسه الآلة العسكرية الصهيونية في كل مرة، تحت ذريعة الدفاع عن أمنها من الجماعات التي تسميها إرهابية في غزة المحاصرة وغيرها.
إسرائيل تخلت منذ فترة طويلة، عن أصولها الديمقراطية الاجتماعية، وتحولت إلى دولة يمينية متطرفة، نظرا للأثر المتوقع للاحتلال الطويل والوحشي. ومن ناحية أخرى، تعتبر الاتفاقات الحالية بين إسرائيل والديكتاتوريات العربية، التي تضفي الطابع الرسمي على العلاقات الضمنية طويلة الأمد، خطوة مهمة نحو ترسيخ قاعدة الشرق الأوسط للرجعية الدولية، كما يسميها تشومسكي. أما الفلسطينيون فيتعرضون للطرد، والتعسف وإجرام المستوطنين. و»هو مصير محتوم لمن يفتقرون إلى القوة، ولا يتذللون بشكل لائق عند أقدام أسياد الطبيعة». وفي الوقت الذي تجد فيه الأفكار اليمينية المتطرفة رواجا أكبر داخل إسرائيل، تُتوّج مسارات الاحتلال بتشكيل الحكومة الجديدة التي ستكون الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ الكيان. يُظهِر خلالها نتنياهو استعداده لقيادة ائتلاف أكثر تطرفا من الائتلافات السابقة التي قادها، خاصة أن حزبه، الليكود، أصبح في نظر المراقبين للشأن الإسرائيلي أكثر راديكالية. وغالبية من يدعمونه يؤمنون بالتفوق اليهودي، ويعززون السياسات العنصرية. هذا التحوّل السياسي أثار خشية المنظمات اليهودية نفسها في الولايات المتحدة، حيث عبّرت عن قلقها العميق من إمكان تأليف نتنياهو حكومة مع بن غفير، في إشارة منها إلى التأثير السلبي الذي يمكن أن يُسيء إلى مكانة كيان الاحتلال لدى الرأي العام الأمريكي. فحكومة تضم متطرفين من هذا النوع تشكل خطرا على أمن الكيان في رأيهم، وتؤجج النار بين المواطنين العرب واليهود، وتُلحق ضررا كبيرا بمكانة إسرائيل الدولية.

يشكل صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف تهديدا للفلسطينيين، وفرصة لإعادة رصّ الصفوف، وتوحيد الجهد الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني

انتهت الحرب الباردة منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، مع ذلك فإنّ الدعم اللامشروط لإسرائيل يخلق اليوم مزيدا من المشكلات لواشنطن أكثر ممّا يحلّ. وقد أدّى الانجراف نحو اليمين في السياسة الداخلية الاسرائيلية، وكذلك الدور المتنامي للأحزاب المتطرّفة، إلى إحداث مزيد من الضرر بصورة إسرائيل التي تدعي الديمقراطية، بما في ذلك صورتها بين العديد من اليهود الأمريكيّين. يبدو أنّ التكاليف الحقيقية للعلاقة الخاصّة بين إسرائيل وأمريكا تكاليفٌ سياسيةٌ بالأساس كما قدّر ستيفن والت. والدعم اللامتناهي لتلّ أبيب يجعل من الصعب كثيرا على الولايات المتحدّة الادّعاء بالمكانة الأخلاقية السامية على المسرح العالمي. وإلى الآن، ترفض واشنطن الاعتراف رسميا بمنشآت الأسلحة النووية الإسرائيلية، إذ من المفترض أن يؤدي ذلك إلى التشكيك في شرعية جميع المساعدات الأمريكية لإسرائيل بموجب القانون الأمريكي. يحدث كلّ ذلك على نحو الإمعان في محو الهوية الفلسطينية بشراكة أمريكية إسرائيلية، يتمّ تعزيزها بقبول صعود الفاشية في إسرائيل. رغم أنّ موقفا أكثر إنصافا وقابليّة للدفاع عنه من الناحية الأخلاقية من شأنه أن يُساعد، كما أكّد تشومسكي، على تقليل حدّة المواقف العدائية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، التّي ساهمت في صنع التطرّف العنيف، خلال العقود الأخيرة. ومن الواضح أنّ الرغبة اللامحدودة في حماية إسرائيل تُجبر الولايات المتحدّة على الدخول في علاقات مع حكومات شرق أوسطية ليس لها إلاّ القليل من المعنى الاستراتيجي أو الأخلاقي هي الأخرى. التوتر بين عولمة الاقتصاد العالمي وشعور الانعزالية القومية المتنامي في السياسة العالمية يعتبر خطرا عميقا. ناهيك من التهديدات المتزايدة للحرب النووية والكارثة البيئية، وتدهور الديمقراطية. فبعد الحرب العالمية الثانية بنت الولايات المتحدة وشركاؤها نظاما دوليا متعدّد الأوجه، تمّ تنظيمه ليتمحور حول الانفتاح الاقتصادي، المؤسّسات متعدّدة الأطراف، التعاون الأمني والتضامن الديمقراطي. طوال هذه المدّة، تمّ ربط النظام الدولي الليبرالي بالقوة الأمريكية، باقتصادها، وعملتها، ونظام أحلافها، وقيادتها أيضا. وفي كل ذلك كانت إسرائيل تمثل قاعدتها المتقدمة في الشرق الأوسط، وتلقّت دعما مطلقا من أمريكا على جميع الأصعدة المالية والسياسية والعسكرية والدبلوماسية. ربّما تُمثّل أزمة اليوم نهاية للمسار العالمي للحداثة الليبرالية التي كانت «تحفةً أثريةً لزمن معيّن ومكان مُحدّد»، أمّا الآن، فالعالم يسير قُدما نحو الأمام في نظر المفكر الأمريكي جون آيكينبري، الذي يحاجج بأنّه لا يزال للنزعة الدولية الليبرالية مستقبل، رغم المشكلات التّي تُعانيها. ورغم أنّ منظمات الهيمنة الأمريكية للنظام الليبرالي في حالة ضعف، إلاّ أنّ أكثر الأفكار والبواعث العامة المنظمة للنزعة الدولية الليبرالية تشتغل بعمق في السياسة العالمية. بالمحصلة، ما وفرّته النزعة الدولية الليبرالية هي رؤية لنظام قائم على قواعد منفتحة وبشكل مطلق وفضفاض. وكان من الممكن في الماضي المُحاججة بأنّ إسرائيل مثلا، كانت تعدّ رصيدا استراتيجيا ذا قيمة ما بالنسبة للولايات المتحدّة، رغم أنّه تمّت المبالغة غالبا في قيمتها تلك.
يشكل صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف تهديدا للفلسطينيين، وفرصة في الوقت ذاته لإعادة رصّ الصفوف، وتوحيد الجهد الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني. وإذا كانت إسرائيل تنشد الأمن والاستقرار حقا، فإن هذا الهدف لن يتحقق إلا بالتوصل إلى صيغة السلام باتفاق الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وهذا السلام المنشود لن يجد سبيله إلى التفعيل إلا عندما تدرك إسرائيل أن عليها التخلي عن الاحتكام إلى العنف وإرهاب السلاح، وتعيد تأهيل نفسها سياسيا وأخلاقيا، وتكفّ عن التطلع إلى أمنها على حساب تهديد أمن الآخرين.
كاتب تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية