السويداء والمصالحة الوطنية في سوريا

عام 1937، وقت عودته إلى سوريا من نحو عشر سنوات من المنفى في الأردن، أقر سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي (1925-1927)، إطلاق تسمية جبل العرب على ما كان يعرف طوال قرنين سابقين بجبل الدروز. كان في ذلك استئناف رمزي لرفض خطط الفرنسيين إنشاء دولة درزية منفصلة عن سوريا، كما هو استئناف لروحية الثورة السورية التي انتهت مهزومة أمام عدو أقوى. حملت التسمية من وجه آخر ارتباطاً بأقوى الجوامع السورية وقتذاك، الجامع العربي، وكانت مساهمة في خلق قضية مشتركة مع شركاء القضية وعموم السوريين.
وقبل ما يقترب من عام أطلق الشيخ حكمت الهجري على المنطقة نفسها اسماً لم يكن في التداول من قبل، جبل الباشان، والأرجح أن قلة من السوريين كانوا قد سمعوا به، خلافاً لتسميات سابقة معلومة مثل جبل حوران، أو جبل الريان. أعقبت التسمية الجديدة هجوماً شنيعاً وغير مبرر لقوات السلطة السورية الجديدة وردائف عشائرية لها على محافظة السويداء وأريافها، أوقع بين 1000 و1500 من الضحايا، معظمهم مدنيون، مع سلب ونهب وحرق منازل وإهانات دينية سفيهة. وهذا قبل أن تضطر القوات المهاجمة إلى التراجع والانسحاب تحت وطأة هجمات إسرائيلية عليها. وبعكس جبل العرب، اسم جبل الباشان يلغي أو يثبت إلغاء روابط كان المهاجمون قطعوها بهجومهم العدواني، وجسدوا إلغاءها في تحطيم تمثال قائد الثورة السورية قبل قرن. تقيم التسمية الجديدة، بالمقابل، رابطاً بإسرائيل عبر استخراج تسمية توراتية للمنطقة.
الدلالات واضحة جداً، وارتباطاتها السياسية واضحة بدورها. قبل قرن ونيف، كان هناك رفض لإقامة كيان درزي خاص أقامه الفرنسيون بالفعل، واليوم هناك سعي وراء كيان يشعر قطاع من الجماعة الدرزية بأن أمنهم وكرامتهم مرهونان به. ومهما أمكن الاعتراض على هذا الخيار الأخير، الفاقد لأدنى مقومات الحياة المستقلة، فإنه مفهوم من حيث أن ما حدث في السويداء وحولها قبل عام كان جرحاً تأسيسياً للدروز السوريين، جرح مُعرِّف لوعيهم الذاتي في الزمن السوري الراهن، بخاصة لوقوعه بعد سبعة أشهر بالكاد من سقوط الحكم الأسدي الذي كانت السويداء في حالة انتفاض ضده طوال عام وأربعة أشهر قبل سقوطه. المسيطرون الجدد دشنوا بالدم والإهانة عهدهم مع الدروز.
وبين كون النزعة الكيانية أو الباشانية مفهومة وكونها غير معقولة يتعين البحث عن مخرج سياسي كريم، يقوم على فهم واحترام الانفعالات الغاضبة المحقة ضمن الجماعة الدرزية، وفي الوقت نفسه يتجاوز وضع القطيعة الراهن ويجدد الرابط الوطني. هذا التجديد المأمول لا يصدر عن „حق شفعة“ سوري، يُغلِّب أفضلية سورية في ارتباط السويداء السياسي والكياني، ولا حتى عن ملاقاة حقيقة أن قطاعاً واسعاَ ومرشحاً لمزيد من الاتساع يفضل الارتباط السوري لأسباب تتمازج فيها الاعتبارات العملية والمبدئية. يصدر وجوب تجديد الرابط الوطني بالأحرى عن حقيقة أن السويداء مقياس لهشاشته، وأن هذه يمكن أن تشكل سابقة معدية. نضع جانباً أن السويداء أعز من أن تترك لهذا الوضع غير المشرف للسوريين الأحياء، ولتاريخ سوريا خلال قرن ونيف، قبل أن يكون غير كريم لأكثرية أهالي السويداء.
ولإصلاح ما وقع من سوء، العنوان واضح (وله سابقة في الذاكرة السورية): مبادرة مصالحة وطنية تأتي من جهة السلطات السورية، ويمكن تكثيف جوهر المصالحة الوطنية في ثلاث كلمات: اعتراف، تعويض، عدالة. اعتراف بالمسؤولية عما جرى وصيغة للاعتذار عنه، فجبر الأضرار وتعويض الخسائر، ثم محاسبة المسؤولين عن الكارثة. يمكن ويتعين إيجاد صيغ حكيمة لتحقيق هذه الثلاثية التي يتعين تكميلها وتثبيتها بترتيبات سياسية ومؤسسية تضمن طي الصفحة السيئة وإعادة توسيع المشترك الوطني. ومن أجل ذلك ربما تلزم وساطة عربية تساعد الطرفين على الاعتدال والتغلب على منطق القطيعة، أو من أجل فكرة من خارج الصندوق، حسب تعبير مفضل عند الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، هيئة عقلاء عربية من شخصيات مستقلة، سياسيين ودبلوماسيين ومفكرين، قلبهم على سوريا، ويريدون صون وحدتها وكرامة شعبها. إن كانت تلزم أفكار من خارج الصندوق لمعالجة المشكلات اللبنانية فهي ألزم بخصوص سوريا.
ولا يسع مبادرة مصالحة وطنية حيال السويداء والجماعة الدرزية أن تغفل نقطتين شائكتين. الأولى هو أوضاع سنيي المحافظة، وقد قتل بعضهم وهجروا جميعاً وخسروا ملكياتهم. المبدأ هنا هو نفسه المضمن في ثلاثية اعتراف، تعويض، عدالة. والمقصد هو دوماً المصالحة وحسن العيش معاً.
والنقطة الثانية هي الروابط الإسرائيلية التي نسجتها إدارة الشيخ الهجري منذ وقت سابق لكارثة تموز/ يوليو. هذه روابط لا بد من فصمها من أجل المصالحة الوطنية السورية. لا يستقيم الجمع بين الأمرين.

 مبادرة مصالحة وطنية تأتي من جهة السلطات السورية، ويمكن تكثيف جوهر المصالحة الوطنية في ثلاث كلمات: اعتراف، تعويض، عدالة

يمكن تصور تسوية كريمة تعالج كل المشكلات، وتتمخض عن إدارة ذاتية من أبناء المحافظة لمنطقتهم وتساعد في استعادة الشعور بالأمان بعد صدمة تموز 2025، وتشدهم إلى المتحد السوري الذي يوفر إطاراً تكاملياً أنسب لمصالحهم، واستمراراً لأنقى صفحات تاريخهم.
من شأن مبادرة مصالحة وطنية أن تغير البيئة السياسية في السويداء، وتقوي مواقع التيار الوطني السوري الذي أضعفته مجازر تموز لمصلحة التيار الكياني. من شأنها كذلك أن تغير البيئة السياسية في سوريا ككل في اتجاه يجمع بين الاستيعاب والتعدد. المصالحة الوطنية هي ما يتعين أن تكون الروحية لإصلاح العلاقات بين الجماعات الأهلية السورية بعامة، وبخاصة العلويين حيث تستمر أوضاع تمييزية وعدائية، كانت أوجه منها قد سبقت مجازر آذار 2025.
كانت المصالحة الوطنية بنداً في عمل الديمقراطيين السوريين في أيام «ربيع دمشق» وما بعد. قدم صيغة مفصلة لها المرحوم رياض الترك في محاضرة له في منتدى الأتاسي في دمشق في آب 2001. لكن لم يوجد عقلاء في الحكم الأسدي يستجيبون للدعوة، فيعترفون بفظائع عقد الثمانينيات والجراح العميقة لقطاعات واسعة من السوريين، ويعملون بالتالي على جبر الأضرار، وربما إعادة هيكلة النظام السياسي على نحو يحول دون تكرار ما جرى في تلك السنوات الدامية. بالعكس جرى تسفيه فكرة المصالحة وأصحابها. الترك نفسه، وكان سبعينياً، اعتقل بعد أسابيع قليلة من محاضرته.
وبعد عقد تفجرت الثورة السورية. كان يمكن ألا تحدث لولا عنجهية السلطة، وكان يمكن لتاريخ سوريا أن يأخذ مساراً آخر لو استجيب لدعوة المصالحة الوطنية التي تقدم بها وصاغ تصورها المتضررون.
ربما يرد أن الوضع مختلف اليوم، وقد يقال إن الأمر يتعلق بعمليات قمع قصيرة الأمد، أوقعت ضحايا بأعداد غير كبيرة، كما قد تساق اضطرارات لتبريرها. لم يكن الحكم الأسدي مفتقراً إلى مبررات لجرائمه، وعدد ضحايا السويداء يعادل بالنسبة والتناسب ضحايا حماه 1982، ومجمل ما خسره العلويون في سنوات الصراع السوري الطويلة يعادل بالنسبة والتناسب كذلك مجمل ما خسره السنيون. ثم أن تاريخنا مثل تواريخ البشر كلها مختلف ومتشابه في آن. ووضعنا الراهن يثير قضية المصالحة الوطنية بالضبط لأن الأوضاع الوطنية اليوم غير صالحة، لأننا حيال أوضاع معاداة وطنية إن جاز التعبير، انقسام نشط وكراهيات وسفك دماء، وإرادة عدم العيش معاً. لكن تاريخنا مثل تواريخ البشر كذلك ليس حتمياً، وتجنب أسوأ المخاطر ممكن بالاعتدال والتعقل. اعتدال وتعقل من هم في السلطة أولاً وقبل الجميع.
من شأن وساطة عربية محتملة أن تسهل الأمور على الطرفين، لكن المبادرة والقبول يجب أن يأتيا من طرف السلطة. سياسة القوة لن تنجح، وطلب الإذعان ليس عادلاً ولا عاقلاً، ولن يستجاب له.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد:

    الكاتب لم يذكر اسباب دخول السلطه إلى مناطق الدروز والمقال فيه تحيز واضح ضد السلطه الجديدة ويفتقر إلى الحياد

  2. يقول أسامة كلٌيٌَة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي ياسين الحاج صالح. بغض النظر عن بعض التفاصيل التي يمكن مناقشتها، لكن نقطة مهمة أعتقد يحب بحثها بدقة وهي، هل سيقبل الهجري فعلاً بقطع الروابط مع الإحتلال الإسرائيلي وبعض المعلومات تشير إلى أنهم يعملون معاً على ذلك منذ بداية الثورة بالإضافة إلى أن الهجري وقف مع نظام بشارون الهارب ضد الثورة ورجاله يتصرفون اليوم كما الشبيحة في النظام الساقط. نعم للمصالحة والأعتراف والتعويض والعدالة ولكن برأيي هذا لن يتم إلا مع أهل السويداء ومشايخها وعقلائها وممثليها حجالذين يفضلون المصالحة الوطنية على الروابط الإسرائيلية. فهل تستطيع السلطة السياسية القائمة التغلب على هذه المعضلة، أعتقد لاتنقصها العقلانية فأين الإرادة.

  3. يقول سلام عادل_المانيا:

    الامر يتعلق بثقافتنا ومفاهيمنا عن التنوع الديني والقومي والطائفي ومفهوم الوطنية عند شعوبنا فاعتقد ان المصالحة لا تتم الا بهزيمة احد الاطراف او يقتنع الطرفان بعدم امكانية هزيمة الاخر فاما يبقى الحال كما هو او يتنازل الطرفان لبعضهما والعراق تاريخيا منذ نشوءه كدولة لم تتصالح اي حكومة مع اي طرف تمرد عليها فقمعت الاشوريين في مجزرة سميل والاكراد مرارا الى ان وصل الامر لالتنازل عن نصف شط العرب لشاه ايران مقابل محاصرة الاكراد من اجل هزيمتهم واستسلامهم وحتى مع الاحزاب السياسية عندما تات الفرصة تم قمعهم وكما حصل في السودان ويحصل حاليا وفي سوريا سيحدث نفس الامر فالحكومة تنتظر اي فرصة لتفاوض اسرائيل وتتنازل عن الجولان وغيرها رسميا مقابل بيع اسرائيل للدروز او انها تنتظر لتكون اقوى داخليا وخارجيا ومن ثم تنقض عليهم

اشترك في قائمتنا البريدية