السياسات الفاشلة أخطر من كورونا

حجم الخط
4

السياسات الفاشلة التي تنتهجها بعض الدول العربية، منذ بدء أزمة انتشار فيروس كورونا قد تؤدي بها إلى خسائر أكبر بكثير من الخسارة المتوقعة في حال انتشار الوباء ذاته، فضلا عن أن هذه السياسات، لا نجحت في كبح انتشار الفيروس ولا جنبت البلاد والعباد الأعراض الجانبية والخسائر الكارثية التي تتعلق بالاقتصاد وغيره.
بعض الدول العربية، جنحت نحو اتخاذ إجراءات بالغة التشدد، بحجة أنها تريد مكافحة الفيروس وتود حماية الناس من الوباء، وهذه الإجراءات لم تسبق إليها أي من دول العالم المتقدم، رغم أن الفيروس نفسه يضرب الجميع، والوباء ينتشر في أوروبا وأمريكا، أكثر من انتشاره في العالم العربي، ورغم ذلك فإن دولاً عربية نجحت في الترويج لشعوبها المغلوبة على أمرها، بأنها تتبنى سياسات أذكى وأنجح من تلك التي تتبناها دول مثل، الولايات المتحدة والسويد وكوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان وإيطاليا وإسبانيا.
الإجراءات المشددة التي اتخذتها بعض الدول العربية لمكافحة كورونا، والتي وصلت في بعض البلدان إلى درجة حظر التجوال الشامل مع عقوبات بالسجن والغرامات الباهظة للمخالفين؛ مردها على الأغلب إلى أسباب لا علاقة لها بالفيروس ولا بمكافحة انتشاره، وإنما ما يحدث في بعض دولنا العربية، أنه يتم استغلال الأزمة الصحية العالمية من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وفرض مزيد من الهيمنة والنفوذ للأجهزة الأمنية على حساب حقوق الناس وحرياتهم.
واقع الحال أن الدول العربية لو كانت تريد مكافحة الفيروس فقط لاكتفت باقتداء الدول المتقدمة مثل السويد وسويسرا وألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان، وهذه الدول جميعا لم تفرض على سكانها حظراً كليا على التجوال، وإنما وضعت قيوداً تهدف لتحقيق «التباعد الاجتماعي» فقط، كما لم نسمع أن أياً منها أغلق المطارات والحدود، أو نشر الجيش في الشارع، أو أوقع عقوبات بالسجن على المخالفين أو المتحركين، ولا فرض الحصول على تصاريح للراغبين بالتنقل أو الحركة، أو التسوق، أو شراء الحاجات والمستلزمات الأساسية. ما يحدث في الدول العربية أنها جنحت إما إلى سياسات فاشلة تكلف البلاد والعباد خسائر أكبر مما كان من الممكن أن تتكبده بسبب الوباء ذاته، أو أنها قامت عمداً، وبتخطيط مسبق باستغلال الوباء، وخوف الناس منه لتحقيق مآرب أخرى، بعضها سياسية وبعضها اقتصادية، أو في بعض الأحيان كلاهما معاً. بعض الدول العربية استخدمت أزمة كورونا من أجل تقوية النظام السياسي، في أعقاب ثورات الربيع العربي، ومن أجل التخلص من آثار هذه الثورات، وذهبت دول أخرى إلى تعزيز القبضة الأمنية والعسكرية، وسن قوانين جديدة مقيدة للحريات، مستغلة خوف الناس من المرض، وتضارب الأنباء والمعلومات بشأنه، وصولاً إلى منع طباعة الصحف والمجلات والدوريات المختلفة في بعض الدول، بحجة أنها تنقل العدوى، بالتزامن مع نداء وجهته الحكومة البريطانية لمواطنيها تدعوهم فيه إلى تكثيف شراء الصحف والمجلات وقراءتها خلال فترة الحجر المنزلي.

الدول العربية ستدفع ثمناً غاليا نتيجة سياساتها الفاشلة لحصر وباء كورونا، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية المقبلة

في دول عربية أخرى تحولت أزمة كورونا إلى «بزنس» عملاق تديره الحكومة، فقامت بجمع التبرعات من الناس، وحظرت على الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة أن تعمل معها بالتوازي، حتى تحتكر جمع أموال الصدقات والتبرعات، كما فرضت على مخالفي حظر التجوال غرامات مالية باهظة، هذا فضلا عن احتكار العودة للبلاد في الناقل الجوي الوطني المملوك أصلا للحكومة، والذي رفع أسعار التذاكر للعائدين بنحو عشرة أضعاف السعر المعتاد على الأقل، رغم الادعاء بأنه «بسعر التكلفة»، والأهم من ذلك كله أن الحكومة خفضت رواتب الموظفين وألغت البدلات وكافة أشكال الدعم، بحجة أنها تريد حماية الناس من المرض.. علماً بأن هذه الدولة ليس فيها سوى العشرات فقط من المرضى، والأهم من ذلك لا يوجد علاج لهذا الفيروس حتى الان ولو دفعنا ملايين الدولارات.
والخلاصة المؤكدة هو أن الدول العربية ستدفع ثمناً غاليا كنتيجة لهذه السياسات الفاشلة التي تقوم بها حالياً، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الشاملة، التي تقبل علينا بشدة، وإذا كان العاطلون عن العمل في الولايات المتحدة، قد ارتفع عددهم من 1.7 مليون شخص في فبراير/شباط إلى 33.5 مليون شخص في إبريل/نيسان، رغم أن العديد من القطاعات لا تزال تعمل في أمريكا.. فما هو الحال بالنسبة للدول العربية التي عطلت كل شيء؟ والى أين يتجه الاقتصاد العربي في ظل هذه الجائحة؟ وهل نستطيع أيضا أن نسأل عن الفقر أين وصل، وسيصل في عالمنا العربي إذا علمنا أنه في الوقت الذي تضخ فيه دول العالم الأموال في أيدي الناس على شكل مساعدات، فإن الحكومات العربية تقوم بسحب المال من الناس وخفض رواتبهم ورفع الدعم عنهم؟
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامح //الأردن:

    *كلام الأخ عايش(بالمجمل) صحيح.
    لكن المقارنة بين الدول العربية والدول
    المتقدمة فيه ظلم للحقيقة..
    *الدول العربية (منكوب) بالمجمل..
    حسبنا الله ونعم الوكيل.

  2. يقول السرحاني:

    يا سيدي هذا ما يحدث عندنا في الاردن بالضبط والوصف والكمال سرقوا جيوب الناس وضربوا اقتصاد البلد وجمعوا ثروة هائلة اكبر مما يحلمون ولا زالوا يضحكوا علينا باسطوانة حماية المواطن انا شخصيا لم اجد عملا منذ اكثر من شهرين ولا زلت ابحث واعيل امي وابي وعائلتي

  3. يقول اقتصادي:

    لابد من ضخ مزيد جوهري ومدروس من السيولة النقدية والانفاق العام للقضاء على حالة الترقب وعدم التأكد والجوع ونقص الطلب والشلل في سوق العمل.. ولا حجة ابدا في ظل ظروف استثنائية كوباء عالمي وركود دولي.

  4. يقول حمود ولد سليمان "غيم الصحراء" نواكشوط:

    يقول فوكو
    “ان المدينة المنكوبة هي النموذج الأمثل الذي تفكر السلطه ببسط هيمنتها عليه “

اشترك في قائمتنا البريدية