النظرة إلى الشعر العربي على امتداد تاريخه بشكل عام، وإلى الشعر المعاصر وتحولاته بشكل خاص، تكشف عن أن هذه التحولات التي مرّ بها الشعر العربي لم تكن مرتبطة بهيئة واحدة أو بشكل أو اتجاه واحد، بل جاءت متعددة التوجهات والمشارب، والتساؤل حول التحولات والانعطافات في الشعر العربي ربما يكون توجها مهمّا لمعاينتها، ومقاربة طبيعتها من كونها تحولا داخل حدود الإطار الفني أو مضيفة إليه ما يوازي الإضافة التي يضيفها اللاحق إلى السابق، من خلال السير أو إعادة السير في الطريق ذاتها، أو من كونها تحولا جذريّا أو مفصليّا. هذا ما يقوله عادل ضرغام في كتابه «الشعرية المعاصرة.. محاولة اقتراب»، الصادر عن مجموعة بيت الحكمة للثقافة، وفيه يرى أن هذا التحول المفصلي لا يؤدي إلى الابتعاد التدريجي عن التقاليد والقوالب المتداولة داخل حدود النسق الفني، لكنه، فوق ذلك، يهشم الهوية الفنية المؤسسة للنسق الشعري المتداول.
تحولات الشعرية المعاصرة
الكتاب الذي يناقش الشعرية المعاصرة وتحولاتها، يرى مؤلفه أن النص الجديد دائما ما يُقابَل بمحاولات لوقف انتشاره وشيوعه وهيمنته، لكن إصراره على الوجود، وإيجاد مكان له يؤدي إلى نشأة حالة من حالات التفاوض والتعايش، تكشف عن مشروعية وجوده، مشيرا إلى أن الحديث عن التحولات المذهبية في الشعر العربي الحديث وطبيعة هذه التحولات يشدنا إلى إشكالية تقبّل الجديد وإفساح مكان ومساحة لنموه وحركته، مؤكدا أنه مع الفنون التي تملك تراثا يستند إلى تاريخ موغل في القدم، يتحول التراث بالتدريج إلى تقاليد صلبة لها قدرة على مجابهة وقمع أي بوادر للخروج. هنا أيضا يذهب الكاتب إلى القول إن نظرة متأنية ومتأملة للمذاهب الأدبية، أو إلى تجلياتها الشعرية في الأدب العربي، تكشف عن تنويعات عديدة لكل مذهب، أو لكل اتجاه إبداعي، وفي ذلك دليل، يقول ضرغام، على أن ميلاد المذهب الأدبي لا يتم بتجلٍّ وحيد مكتمل، إنما يتشكل في إطار تجليات عديدة تكشف عن استباقات للحظة الميلاد الحقيقية، متسائلا هل يُنظر إلى الانتقال من مذهب أدبي أو اتجاه إلى مذهب أو اتجاه مغاير على أنه تحول؟ أم ينظر إليه على أنه تنويع لحني على نوتة، أو نسج في حدود قالب لا يزال صامدا، على الرغم من مرور العصور والأزمنة؟
جنسان منغلقان
ضرغام الذي يذكر هنا أنه ظل النظر إلى الشعر والنثر بوصفهما جنسين منغلقين ومنفصلين، وليس هناك مساحة للتداخل بينهما من الناحية الشكلية أو البنائية إلا من خلال ما يتيحه الاتكاء على جماليات فنية متداخلة لا تثبت ذوبانا للنوعين الإبداعيين، بقدر ما تثبت انفصالا وحدودا مائزة بينهما، يشير إلى أن قصيدة النثر وثيقة الصلة بالتجريب المستمر المنفتح في كل كتابة على شكل جديد، كذلك يذكر أن قصيدة النثر بها بنية نثرية، لكن هذا البناء النثري مطالب بأن يعمل عمل الشعر، وهي من الناحية البنائية الإيقاعية تنفر من أي تقعيد أو تحديد، حتى لا يتحول بالتدريج إلى قانون، مشيرا إلى أن سوزان برنار في كتابها المؤسس لقصيدة النثر أصرت على الإشارة إلى أن قصيدة النثر تحيرنا بتعدد أشكالها، مثلما يتحدث ضرغام هنا عن الأجيال الشعرية مناقشا مصطلح الجيل الشعري، مؤكدا أن الإشكاليات التي تتعلق بهذا المصطلح، قد تدفعنا إلى التحول إلى دراسة الأدب بوصفه صفة للتميز والتفرد، وإلى دراسة الشعراء بوصفهم حالات متفردة تنحو منحى خاصّا، يرتبط بإثبات الفرادة والتميز في الرؤية الفنية، أو الموقف من الحياة والوجود، وليس إلى إثبات التشابه مع آخرين.
تجاور مستمر
عادل ضرغام، في سياق حديثه عن القصيدة العمودية وقصيدة النثر، يكتب قائلا إن القارئ المتأمل لاتجاهات وأشكال الشعر العربي يجد تجاورا مستمرّا بينها، وهذا التجاور يُقلّم، على المدى البعيد، حدة الخروج والتطور، فيؤثر عليها سلبا، لافتا النظر إلى أن هذا يجعل الوقوف عند شك إبداعي في الشعر العربي في اللحظة الآنية وقفة لها ما يبررها، خاصة في ظل سيادة بنية إبداعية، أو نسق أصبح مغلقا على نفسه، يستجيب للصوتي والنمطي المتداول بين شعراء النسق، في سياق عزلة دون امتحانه في حضور الأشكال الأخرى، ذاكرا أن من يستمع إلى القصيدة العمودية يدرك أنها في مأزق حقيقي، وأنها تعاني من مشاكل حقيقية، يتمثل أهمها في دورانها في نسق إبداعي قائم على تقليد البنية القديمة، مشيرا إلى أن المعرفة في الإبداع الشعري لا تنفي الذات، لكنها ترشده وتجعله يتجلى بشكل مختلف خارج نطاق الأحادية التعبيرية.
أيضا هنا وفي سياق كتابته عن سؤال الماهية وهوية النوع بالنسبة لقصيدة النثر، عن الشعر والمعرفة، عن شعرية الظل وتشكيلات الشاعر، عن مقاربة الذات وغواية الأبدية، يقوم عادل ضرغام بتشريح وتأمل ودراسة عدد من الأعمال الشعرية للشعراء: محمد إبراهيم يعقوب، محمود قرني، رفعت سلام، كمال أبو النور، كمال عبد الحميد، مؤمن سمير، عبد الله أبو حسيبة، أسامة بدر، حسن نجمي، سمير درويش، مشيرا إلى أنه دائما ما يؤرقه سؤال لغة الكتابة النقدية، والمراوحة بين كونها عملية تؤدي وظيفة دلالية، وجمالها المشدود إلى الفن، مؤكدا أنه لديه شبه قناعة أن اللغة النقدية إذا فشلت في التقاط رهافة اللغة الشعرية تصبح هشة مخذولة، وأنها إن لم تفلح في تشييد بناءٍ موازٍ للغة الشعرية مجال الاشتغال، تصبح داجنة غير فاعلة، وغير قادرة على التجاوز، مؤكدا كذلك أن النقد المكتوب بلغته المستندة إلى إرث محنط ليس لديه القدرة على الاشتباك مع النص.
كاتب مصري