الصحافة الذكية: مقدّمات لغوية وعملية!

تناقشت قبل عامين تقريبا مع الكاتب والأكاديمي أحمد زهاء الدين عبيدات، حول اعتمادي، وآخرين قلائل، لمصطلح الذكاء الصُنعي، بدل الذكاء الاصطناعي وكان رأيي أن الكلمة أقصر وأخف على السمع، وأن كلمة الاصطناع تحيل إلى الافتعال، وهو أمر فيه إنقاص من قيمة الشيء (كالفرق بين الفعل والافتعال)، أما الصنع ففيه تقصّد، وهذا أقرب للاستخدام مع فكرة الذكاء، ومع المآلات العظيمة التي اتجه إليها هذا الفرع العلميّ، الذي يبشّر بآثار هائلة على البشرية والكوكب الذي تقيم فيه.
جادلني عبيدات بالقول، إن جعلهم الآلة تنتج الذكاء كأنهم جعلوها تتصنع محاكاة الإنسان، وكان رأيي أنه عند تزويد الآلة بقدرات العقل الإنساني ستؤمن سرعتها تفوقا هائلا على الإنسان، وقد اقترح أحد المؤسسين لهذه الصناعة، ماكس تيغمارك، في كتابه «الحياة 3.0: أن تكون إنسانا في عصر الذكاء الصنعي»، أننا سنصل إلى الطور الثالث من العقل الفائق: العقل 3.0.
حسب معجم الدوحة التاريخي لمعاني اللغة العربية فإن كلمة الصنعي في رسائل جابر بن حيان، العالم الموسوعي الملقب بأبي الكيمياء، الذي ولد في طوس ونشأ في الكوفة، وتوفي عام 200 هجرية (815 ميلادية) في جملة «إنه من كانت له دراية بكتبنا الصنعية الموازينية، علم أن هذه الكتب الأربعة، على قلة أوراقها وصغر حجمها، عظيمة الفائدة، جامعة لما لم يجمعه كثير من كتبنا الطوال، وكتب غيرنا في هذا الباب»، وجاءت الكلمة بصيغتها المقترحة، الصنعي، في كتاب «عنوان النفاسة في شرح الحماسة» لأبي عبد الله محمد بن قاسم بن زاكور، المتوفى قرابة عام 1708 ميلادي، في قوله «فيكون أمدح لها من كونه صنعيا»، أي منسوبا إلى الصنع.
في المقابل كان أول ورود تاريخي لهذه الكلمة في كتاب داود أبو شعر، «تحفة الإخوان في حفظ الأبدان»، الصادر عن مطبعة الحنفية في دمشق عام 1882، بقوله: «يوجد مصدران آخران للحرارة وهما الحرارة الاصطناعية والحرارة الحيوانية»، واصطناع الشيء المقصود هنا، كما أعتقد، هو فعله، أي إنشاء الحرارة وليس محاكاتها. تميل المفاضلة، في رأيي، بين هذين الاصطلاحين، إلى ما اقترحته لتعريب مصطلح Artificial Entelligence بالذكاء الصُنعي، ربطا إياه بالصنعة، وعودة به إلى جذر تاريخي علمي هو جابر بن حيان، بدلا من الذكاء الاصطناعي، الذي يرد بمعنى الإنشاء والعمل وليس المحاكاة والتقليد.

هل تستطيع الآلة فهم العالم؟
في مجال الصحافة، سجّلت وكالة اسوشييتدبرس علامتها في البدايات المبكرة للذكاء التوليدي باستخدامه في كتابة تقارير الأرباح المالية منذ 2014، مما رفع الإنتاج من مئات إلى آلاف التقارير سنويا، ووفّرت، في الوقت نفسه، قرابة 20 في المئة من وقت الصحافيين للقصص التحليلية. لم يبدأ الذكاء الصُنعي في الصحافة إذن كبديل للصحافي بل كمحرر بيانات سريع.
تبعت ذلك «سايبورغ» من بلومبرغ، التي أنشأت نظاما يقوم، إضافة إلى تحليل التقارير المالية، بكتابة الأخبار فور صدورها، وكانت تلك خطوة أخرى سرّعت الأخبار، وطابعها لغوي بسيط، لتتبعها وكالة رويترز للأنباء بإنشاء «نيوز تريسر» (متتبع الأخبار)، الذي يرصد ملايين التغريدات ويكتشف الأخبار العاجلة قبل النشر، وبذلك لم تعد الآلة تكتب فقط، بل تقرر ما هو خبر.
شجع النموذج رويترز مجددا على إنشاء «رويترز ـ لينكس إنسايت»، الذي يقترح زوايا قصص ويكتب فقرات أولية للصحافيين، وبذلك انتقلنا إلى «غرفة أخبار هجينة» لكنها ليست آلية بالكامل، وقامت بعدها صحيفة «نيويورك تايمز» باستخدام الذكاء الصنعي خلف الكواليس لتحليل البيانات، وإعطاء أولوية للقصص، وأرشفة المحتوى. انضمت مؤسسات الصحافة المحلية للموجة فتمكنت منصة مثل «باتش» من التوسع من قرابة ألف منطقة إلى سبعة آلاف منطقة فملأت بذلك «الفراغات الإعلامية» في المدن الأمريكية الصغيرة.
قدمت «واشنطن بوست» بعدها تجربة ناجحة ومؤثرة بإنشاء نظام «هيليوغراف» الذي غطى الانتخابات الأمريكية وأخبار الأولمبياد وكتب مئات القصص بسرعة كبيرة وبذلك أثبت أن الذكاء الصنعي قادر على التوسع والتخصيص والعمل في الزمن الحقيقي للحدث. تمكنت «اسوشييتدبرس»، الرائدة في هذا المجال، من تقديم المثال الأكثر استدامة، وكان الدرس المستخلص أن النجاح يقوم على استخدام التقنيات الجديدة في المحتوى الاعتيادي، من دون محاولة القيام بقفزات كبيرة قد تجعل النموذج ينهار، لكن هذه النماذج دفعت مؤسسات أخرى لتجارب متطرفة كما فعلت صحيفة «إل فوغليو» الإيطالية التي أصدرت نسخة مكتوبة بكاملها بالذكاء الصنعي، وكانت النتيجة ظهور أخطاء، وإعادة صياغة محتوى موجود، وانكشاف ضعف التحليلات. الدرس الآخر الذي تم استخلاصه حينها أن الآلة تستطيع الكتابة لكنها «لا تفهم العالم».
التجربة الفاشلة الأخرى تمثلت بشبكة «نوتا نيوس» التي نشرت عشرات المقالات المسروقة من مؤسسات أخرى، وتبعتها فضائح أخرى مثل «سبورتس إلستريتد» وCNET اللتين نشرتا مقالات بأسماء كتاب وهميين، وبمحتوى مليء بأخطاء فادحة. قدّمت صحيفة «كليفلاند بلين ديلر» الأمريكية تجربة متواضعة بعد ذلك، فقد كلّفت نموذج الذكاء الصنعي بكتابة مسودات الأخبار المحلية، مما أثار جدلا كبيرا حول الجودة والمصداقية، لكنها مثّلت بداية لمرحلة جديدة فالنماذج اللغوية الكبيرة لم تعد تجربة، بل أصبحت بنية أساسية في بعض غرف الأخبار.

من يتحكم بالخوارزمية؟
تتطور نماذج الذكاء الصنعي حاليا بشكل سريع وهائل، بحيث أن حكومة الولايات المتحدة منعت استخدام نموذج جديد من شركة أنثروبيك، على غير الأمريكيين، ويعكس ما يحصل في الصحافة في العالم هذه التطوّرات أيضا، التي انتقلت من كتابة الخبر، في التجارب الأولى، إلى تحديد ما هو خبر، ومن الإنتاج إلى التأثير السياسي، عبر تضخيم روايات معينة، وتخصيص رسائل لكل جمهور بعينه، وخلق واقع إعلامي مواز، وصولا إلى تحويل صيغة ال،مؤسسة الإعلامية بكاملها على نظام خوارزمي بحيث لا يعود الإنتاج مرتبطا بعدد الصحافيين، بل بقدرة النظام على معالجة البيانات.
التطوّر الأكبر الذي يجب رصده، يتعلّق بالصراع الجاري حاليا على من يتحكم بالخوارزمية كونه سيتحكم بالأجندات العالمية والمحلية. مقابل النموذج العالمي لرويترز، بدأت شبكات عربية كبرى مثل «الجزيرة» و»العربية» و»سكاي نيوز العربية» باستخدام أدوات الذكاء الصنعي في الترجمة والتلخيص وتحليل البيانات.
يدفع هذا التطوّر باتجاه سيغيّر، على الأغلب، مهنة الصحافة برمّتها، وهو أمر سنسعى لتحليله في مقال آخر.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عودة الرواية:

    مع شكري للكاتب واحترامي لاقتراحه اللغوي فليعدرني ان كان لي رأي ٱخر ، فبالنسبة للدكاء وما يناسبه كمنعوت او كإسم مركب او حتى لصفة يمكن ان تصير نسبا وخصوصا بوجود ياء النسب .(المناخ الصحراوي) الخ ، ربما في نظري ارجح استعمال كلمة الدكاء الصناعي” ربما ستبدو نطقا وتعبيرا احسن من الدكاء الصنعي او من “الاصطناعي” باعتبار العلة البيانية التي تفضل بها الكاتب ولو ان فيها مقال هي كدلك ، وكمتال بسيط هناك متلا فرق بين قولنا الخطة الاستعجالية والخطة العاجلة او” الخطة العُجالية ” اشتقاقا من العُجالة او العَجلة ..هنا الاشكالية ليس في اختلاف توظيف الصفة بقدر ما اننا مع موصوف غير تابت وليس بالضرورة محتاج الى نعت مطلق متعلق به ! لان الخطة هنا محتاجة الى تدبير اكتر ما هي بحاجة الى نسب يناسبها او الى وصف قار موقوف الاستمرار ..لدلك ستجد هنا ان الخيار اللغوي مستحب فقط بين استعمال “الخطة العاجلة” او “الخطة الاستعجالية” طبعا حسب النسق الزمني أو السياق المعنوي لكل صفة تبعا للجملة .كدلك هو شأن الدكاء …فهو محتاج الى صفة ( تدبيرية) اكتر ما هو محتاج الى صفة قطعية او نعت قار يجب ان يليق به دائما. …يتبع رجاءا

  2. يقول عودة الرواية:

    علاقة بالموضوع متلا وحسب الاختصاص فهناك نوعين من “الدكاء التكنلوجي” …هناك الدكاء الالي “الصلب” المتعلق بأجزاء ( الهارد وير ) وهناك الدكاء الرقمي الخاص بالبيانات الرقمية (الصوفت) او (الداطا) تم البرامج “الخوارزمية” مع ان كل منهم يكمل عمل الاخر بعدما كان المجال في السابق مقتصرا فقط على النوع الالي الاول وندكر منه كمتال : تقنية الموصلات “الكهروطيسية” التي ظهرت في اواسط القرن المنصرم حيت استعملت انداك كحلول الرقمنة الاولية في المراكز الهاتفية قبل تورة “التألية الدكية” في مطلع السبعينيات و التي عوضت اليد العاملة بشكل كبير جدا كما هو معلوم…تم استمر تطور هدا النوع من “الدكاء الالي” الى مرحلة ظهور شرائح “العقل الحركي” ..هكدا شاع اسمها اول مرة خصوصا في التمانينيات ..وهي شرائح اساسية لاشتغال الالات الحركية وفق دكاء معقد معين وكانت سببا في تطوير مصانع العمل التسلسلي الالي التي تشتغل فيه الميكانيزمات الروبوتية وهي تستجيب بدقة لنظام دكي مبرمج يشتغل تلقائيا بفضل الشرائح الدكية والمجسات دون تدخل الانسان وكان ممكن ان نسميه انداك الدكاء الالي قبل ظهور مصطلح الدكاء الصناعي تم الاصطناعي التوليدي او المولد حاليا.

  3. يقول عودة الرواية:

    فاصطناع الدكاء يمكن في نظري ان يستجيب معناه الى مرحلة تكنلوجيا التوليد البرمجي الالي الدي يتدخل فيه الانسان باستمرار لاصطناعه ودلك بالتوجيه والتدريب تم مرحة العرض او الاستعراض وهكدا يمكن ان نسميه بالدكاء الاصطناعي التوليدي احسن ما نسميه اصطلاحا بالدكاء الصناعي او “الصنعي” الدي حسب المعنى هو ما يتم صنعه مرة واحدة ولا يحتاج نسبيا للتدخل كل مرة في مجريات دكائه لانه صنع وكفى وهدا يجوز كدلك لتوفر هدا النوع بصيغته الكلاسيكية المطلقة …وهده قصة تطور الصناعة من عقل المحرك والدكاء الالي الى مرحلة الدكاء الصناعي تم اخيرا الى مرحلة الدكاء الاصطناعي التوليدي وعالم البرمجيات التفاعلية والتعليمات الخوارزمية….

    1. يقول أسامة كلٌيٌَة سوريا/ألمانيا:

      أظن كلمة صناعي هي المقابل المناسب (المعنى المعاكس) لكلمة طبيعي (والطبيعة أيضاً تتطور وتتجدد مع الزمن) ومن هنا فإن استخدامها مناسب أكثر للمعنى!

  4. يقول آدم وحواء:

    عودة الرواية.. تعليقك تركني ولم اصل الى شيء.. حبذا الاختصار والتركيز بدل التهويس بالمصطلحات.

  5. يقول أسامة كلٌيٌَة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي حسام الدين محمد. لي تجربة مع الذكاء الألي (الصناعي الصنعي الإصطناعي) فمنذ فترة حاورته عن الصحافة الحرة وهل هي موجودة في عالمنا اليوم. كانت معظم ردوده! عامة أو معلومات اكتسبها من الإنترنت حيث يمكن بسهولة معرفتها لمن يتابع الصحافة والأخبار من أمثالي. بعد حوار دام ربما ١٠ دقائق لم أحصل على جواب واضح. حاولت مرٌة أخرى بعد عدة أيام فوجدت أنه حلل كل أسئلتي السابقة واستنتج مقصدي وأعطاني أجوبة أو في الحقيقة ردود مناسبة على ماقصدت معرفته من أسئلتي. لكنه اعترف في نهاية الحوار أنه لايوجد صحافة حرة وسرد بعض الأسباب التي تجعل ذلك صعب في عالمنا. ومع أن ذلك ليس بجديد أو على الأقل أعرف ذلك من قبل لكن كان مفاجئاً لي هذا الإعتراف الواضح.

  6. يقول عودة الرواية:

    اردت من خلال التعقيبات السابقة ان اضع تقريبا للنبدة العلمية في تطور المصطلح حتى يمكن ان يكون منفتحا على مجال الترجمة العلمية بالشكل الدقيق الدي تعنيه الكلمة وكان دلك لابد من خلال دلك جرد كرونولوجيا الاحدات العلمية التي تطور فيها الدكاء الالي عبر تاريخه القصير مند مطلع القرن الفائت وكان لاول مرة كما قلت مند ظهور القطع الموصلة الكهرباىية ( relais )بتطور التقنيات الكهرومغناطيسية التي لم تفي بالمهامات السريعة الاوتماتيكية لينتقل البحت عن استغلال الظواهر الالكترونية المتسارعة وكان عبر شبكة انابيب الاشعة الكاتودية التي لم تستطع بدورها هي الاخرى مواكبة شغف الانسان في تسريع الجهد التلقائي والمبرمج الى حين ظهور اشباه الموصلات التي كانت الشرارة الحقيقية لظهور ما يسمى بالدكاء الالي المبرمج وكان خاصة من خلال تورة (الدارات المنطقية) التي ادت الى تطوير مجال الالات المعلوماتية (computer) من جهة تم في تطوير سلسلة المهامات الصناعية التقيلة المبرمجة ودلك عبر قطع شرائح ( cerveau moteur) العقل الحركي السالف الدكر …..يتبع

  7. يقول عودة الرواية:

    ويرجع لها الفضل في تطوير كتير من الصناعات الحديتة كالنسيج والسيارات والالات الكهربائية والمواصلات والمعلوميات ..ومن هنا بدأت تورة القطع الدكية في زمن عصر الدكاء الاول تم بعد دلك جائت تورة استكمال التقنية التناظرية للاشارات بتقنية المعالجة الرقمية وتحليل المعطيات البيانية بشكل دقيق في قنوات زمنية متناهية القصر والتحكم فيها عن طريق البرمجة كواسطة تباشر الوعي الزمني الانساني ودكائه خصوصا بترادف تورة التوصيلات الضوىية والتكنلوجيا النانوية التي ساهمت بشكل اساسي في تطوير مفعوم الدكاء الصنعي و الصناعي او الدكاء الاصطناعي….الموضوع موجه لمن له دراية بالميدان ولتشعبه يصعب ضبط مصطلحاته الملخصة من طرف اي قارئ غير مهتم قد يلخصه بمجرد هلوسة !!! مهما انه ليس من صلب موضوع الكاتب الكريم فقط كان تعقيبا لاحدى فقراته في الموضوع في ما يخص رأيه في المصطلح وكدا رغبة في تدخلي كمختص في هدا الموضوع المتشعب الدي يحتاج الى تركيز وتفهم ضيق الحيز وظروف التعليق الأني وليس المرتب للمقالة بشكلها الرسمي المنظم …..

  8. يقول وعد الأثيري:

    حقيقةً، كان على هذا النوع من الذكاء الآلي –
    أن يُسمى بـ”الذكاء التضليلي” أو حتى بـ”الذكاء التدليسي”
    لأسباب بديهية بيّنة بذاتها، لو دقّق المرء مليّا في الأمر !!

اشترك في قائمتنا البريدية