تشكل الصين في معادلات القوة والقدرة، عقبة كأداء أمام التغول الأمريكي في العالم؛ ما دفع أمريكا للبحث عن طريقة للحد من الاندفاعة الصينية، كالتضييق على حركة الصين، والتعاون مع أعدائها، إلى درجة إقامة منصات للتعاون العسكري والتقني، وعقد تحالفات، كما حدث في تقاربها مع الهند، وكما جرى في الآونة الاخيرة؛ في المناورات البحرية المشتركة، أو التي اشتركت فيها البحرية الامريكية واليابانية والهندية والاسترالية، وهي رسالة تهديد للصين من جهة، ومن جهة أخرى هي مقدمة للتعاون مع الهند واليابان لتطويق الطموح الصيني في آسيا.
من المستبعد حصول حرب باردة بين الصين وأمريكا، وفق ما كانت عليه بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا في القرن العشرين، لاختلاف الهدف وحسابات القوة والقدرة، لكن هذا لا يلغي الصراع، الذي سيكون على أشده في السنوات المقبلة. أمريكا ستستخدم في هذا الصراع، ثلاثة مبررات؛ غياب الديمقراطية في الداخل الصيني. وتايوان التي تعتبرها الصين جزءا لا يتجزأ من أراضيها، والعمل على إقامة تعاون أو شراكات مع دول تطل على المجال الحيوي للصين. لا أحد بإمكانه التنبؤ بمآلات هذا الصراع، ومن الممكن أن نشير إلى أن الصين تختلف عن أمريكا لجهة الاقتصاد والسياسة والمشاريع، في تحركها في المجال الحيوي المتاح لكل منهما، أو وهما تسعيان الى خلقه أو تخليقه.
في المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني كشف زعيمه، الذي يشغل موقع الرئيس ويرأس المؤسسة العسكرية أيضا، عن خطط الصين في استدامة التنمية عالية الجودة، ركز فيها على عدة محاور كان من أهمها؛ اعتماد التنمية على الذات، والابتكار في السنوات الخمس الأولى، اي من عام 2021 إلى 2025، وإلى ما بعدها حتى عام 2035، أي اعتماد التنمية عالية الجودة، في السوق المحلية، بدون إهمال الأسواق الخارجية. الجانب الثاني الذي هو الأبرز؛ تنمية القرى والريف، والعمل الجاد والمنتج على أن يحظى الشعب الصيني بالعيش الرغيد؛ الجانب الآخر الذي حظي باهتمام كبير من الرئيس الصيني؛ هو الانفتاح على العالم بلا شرط أو قيد؛ لخلق عالم عادل تكون المساواة رايته وطريق عمله، والسبب في سياستها هذه؛ هي مصالحها القومية أولا وأخيرا، لتخليق سياسة عالمية تتفرد بها، تختلف بالكامل عن سياسة أمريكا في العالم وحتى مع حلفائها، لتشكيل قطب مغناطيسي جاذب لدول العالم الثالث، وحتى لدول متوسطة القوة والدول الكبرى أيضا. سكرتير الأمن القومي الامريكي، في مقابلة معه على إحدى قنوات التلفزيون العربية، قال بالمعنى وليس بالحرف؛ أنه ليس في سياسة أمريكا احتلال الصين وهذا أمر غير وارد أبدا؛ فالصين تمتلك جيشا قويا جدا، لكن سياستنا في الوقت الحاضر وفي المستقبل؛ هي تطويق الصين، وتحجيمها؛ ببناء تحالفات مع دول الجوار للصين، كما كنا قد فعلنا مع الاتحاد السوفييتي، وقد نجحنا في الانتصار عليه في الحرب الباردة.
عالم آخر ينمو ويتطور داخل رحم العالم الحالي سيحطم أعمدة النظام العالمي الحالي، وستتراجع السطوة الأمريكية
الصين تختلف عن الاتحاد السوفييتي من حيث النشأة والأهداف والقاعدة الديموغرافية، والولايات المتحدة في هذا القرن تعاني من مشاكل بنيوية، سواء ما كانت له علاقة بالنظام الرأسمالي، أو المجتمع الأمريكي، الذي يشهد انقساما حادا، إضافة إلى تراجع نفوذها في العالم بمن فيه حلفاؤها، وتحديدا دول الاتحاد الاوروبي. في الانتخابات الأمريكية، قال ما معناه؛ بعد الانتخابات الأمريكية لن تكون علاقة أوروبا مع أمريكا كما كانت عليه قبلها، بصرف النظر عن من سيكون حينها قد سكن البيت الابيض. وأضاف؛ أن أوروبا ومنذ أربع سنوات تعمل على أن تكون مستقلة عن أمريكا، في الحقل العسكري، أي لا تعتمد على المظلة الأمريكية، وفي حقل الاقتصاد يكون لها برنامجها الرقمي، أي أن تكون مستقلة عنها أيضا. والأهم الذي يقع في السياق ذاته؛ هو أن النظام الرأسمالي برمته يشهد اختناقات حادة، هذا النظام الذي ساهمت أمريكا، أو كانت شراكتها فيه هي الأكبر والأوسع والأقوى، على صعيد تثبيت ركائزه وأعمدته في العالم؛ ليشكل إطارا للنظام العالمي، الذي يشهد الآن مؤشرات تفككه وانهياره. هناك عالم آخر ينمو ويتطور ويتوسع داخل رحم العالم الحالي، عندما يكبر بما فيه الكفاية، سيؤدي بتطور محركات صيرورته، لتحطيم أعمدة النظام العالمي الحالي، وبالتالي ستتراجع السطوة الأمريكية. أما الصين فهي دولة اعتمدت في صعودها على ذاتها، بعد أن انتزعت استقلالها من اليابان بمقاومة شرسة؛ وبعد أن وفرت بجهدها الذاتي عوامل وعناصر صعودها، وحازت بجهدها المتفرد هذا على جميع عناصر القوة والقدرة والردع الاستراتيجي، ما أجبر أمريكا في بداية سبعينيات القرن العشرين؛ على إعادة العلاقات الدبلوماسية والسياسية معها باعترافها، اي امريكا بصين واحدة؛ بحزمة واحدة لمتغير استراتيجي قاد الى احتلال الصين مقعدا دائما في مجلس الأمن الدولي. علاقة الصين الاقتصادية والتجارية مع دول الاتحاد الاوروبي واسعة جدا، وآخذة في النمو في علاقة متكافئة وندية، أي التوازن في المنفعة لطرفي العلاقة. والأمر ذاته ينطبق على الدول الاعضاء في تجمع أوراسا وفي البريكس، وفي غيرهما من التكتلات، وهي عضو فاعل ونشيط ومؤثر فيها.
أمريكا تلعب لعبتها، بتفعيل وتنشيط الخلافات بين الدول، سواء ما كان منها؛ خلافات على الحدود، أو ما كان منها في البحار، وما تضمه أعماق هذه البحار (بحر الصين الجنوبي والشرقي) من المغانم المتحصلة من قاعها. في هذا السياق الدول المعنية هي اليابان والهند وفيتنام والأرجنتين وحتى روسيا، وتعتبر علاقة الأخيرة مع الصين، علاقة تعاون وشراكة في مختلف المجالات. وتحاول أمريكا التقرب من روسيا للتأثير في علاقة الأخيرة مع الصين بمختلف الطرق المتاحة لها، كإرسال رسائل وإشارات تودد الى روسيا من جهة، ومن الجهة الثانية تصدر ضدها العقوبات المتتالية، في عملية مزدوجة المرامي والأهداف، كما لو أنها تريد أن تقول لروسيا عليها ان تختار بين هذا الطريق أو ذاك. من الجانب الثاني تستخدم الأسلوب ذاته مع الصين في لعبة خاسرة وفاشلة. أمريكا تعاني من مشاكل بنيوية، كما أشرنا اليه، سواء ما كان منها على صعيد المجتمع، أو على صعيد النظام الرأسمالي، أو في علاقتها مع مناطق نفوذها، أو مع أصدقائها أو حلفائها، فهي تتعامل مع جميع هؤلاء من منصة متعالية، مهما كانت مرجعية الإدارة الأمريكية؛ جمهورية أو ديمقراطية، الفرق الوحيد هو نوع ولهجة الخطاب السياسي، وقحة فاضحة للأهداف، أو ناعمة تختفي الأهداف تحت رقة الكلمات الثعلبية. المجتمع الأمريكي، يعاني من انقسام عميق جدا؛ فنسبة السكان من أمريكا اللاتينية تزداد بشكل لافت، على حساب البيض من الأصول الأوروبية، والأمر نفسه ينطبق على السود، ومع تصاعد العنصرية والشعبوية سيزداد هذا الانقسام عمقا؛ ليفضي كنتيجة لتطور واقع الحال الى اهتزاز الانسجام المجتمعي، كما حصل في الانتخابات الاخيرة.
هناك علامة فارقة في السياسة الخارجية للعملاقين الاقتصاديين، أمريكا والصين؛ الأولى وكما اسلفنا القول فيه؛ تتبع سياسة فرض الشروط، بينما الثانية، لا تفرض اي شرط أو قيد؛ تتبع في علاقتها مع الدول العالم، سياسة اقتصادية وتجارية واستثمارية ومالية صرفة، أو بمعنى آخر أنها خالية تماما من أي إملاءات سياسية بأي شكل؛ ما يقود مستقبلا الى توسع نفوذ الصين في العالم، على حساب النفوذ الأمريكي، الذي سينحسر بدرجة كبيرة. هذا لا يعني أن الصين؛ كدولة عظمى ديدن سياستها، العدل والمساواة والحرية في الرأي والمواقف، سواء في السياسة الداخلية التي يتعامل بها النظام الشيوعي مع الشعب، أو في سياستها الخارجية، التي تتطلب منها كدولة عظمى، تمتلك حق النقض؛ موقفا واضحا من الظلم والمظالم التي تتعرض لها شعوب الدنيا، بل إن مواقفها تمليه عليها مصالحها بصرف النظر عن الحيف والضرر، الذي تتعرض له شعوب الارض، لكن ما يخدمها هو ابتكارها لفضاءات اقتصادية وتجارية استثمارية في جميع الحقول، خالية من الإملاءات ذات البعد السياسي الذي يمس او يجرح سيادة الدول.. باختلاف كامل عن السياسة الامريكية.
كاتب عراقي