لوس أنجليس – «القدس العربي»: حتى الأسبوع الأخير من عام 2021، تخطى دخل “سبايدر مان – لا طريق للوطن” حاجز المليار دولار في شباك التذاكر العالمية ليصبح أول فيلم يحقق ذلك منذ اندلاع أزمة فيروس كورونا في ديسمبر/كانون الأول عام 2019، عندما كان فيلم حرب النجوم التاسع “نهضة سكايووتر” آخر فيلم يتعدى دخله المليار دولار.
لكن عوائد “سبايدرمان” القياسية لا تعكس الصورة الكاملة، إذ توقف دخل شباك التذاكر العالمي هذا العام عند واحد وعشرين مليار دولار، وهو ما يمثل واحدًا وسبعين في المئة فقط من دخل عام 2019. ومن أكثر الأسواق تضررا سوقُ أمريكا الشمالية الذي تدهور من تسعة مليارات قبل عامين إلى ما يقارب أربعة ونصف مليار دولار. وللعام الثاني على التوالي، يتغلب عليه السوق الصيني، الذي وصل دخله هذا العام أكثر من سبعة مليارات دولار، ما يشكل ارتفاعا نسبته مئة وثمانية وعشرون في المئة عن العام الماضي، ليبقى متربعا على عرش أكبر سوق في العالم.
كما أن فيلمين صينيين وهما “معركة بحيرة جانجيغن” و”أهلا أمي”، احتلا المرتبتين الثانية والثالثة في قائمة أكثر الأفلام دخلا هذا العام، فضلا عن فيلم “محقق تشايناتاون 3″، الذي درج في المرتبة السادسة.
بقية الأفلام الأكثر دخلا كانت كلها أفلام أجزاء أو إعادة أو أبطال قوى خارقة، مثل “جيمس بوند- لا وقت للموت”، و”السرعة والغضب التاسع” و”الأرملة السوداء”، و”فينوم: ليكن هناك مجزرة” و”ديون” و”الابديون” و”تشانغ تشي: أسطورة الحلقات العشر”، الذي يعتبر أول فيلم مارفيل لبطل قوى خارقة آسيوي.
تلك الأفلام الرابحة ليس من بينها فيلمٌ أصليٌ واحد، فكلُها تتضمن شخصيات تقليدية أو روايات مألوفة، جذبت جماهير عريضة في الماضي، ومن بطولة أبرز نجوم السينما، وذلك لأن وضع استوديوهات هوليوود الاقتصادي لم يعد يمكنها من المخاطرة في طرح أفلام جديدة على ذوق جماهير السينما. وعندما حاولت أن تكسر تلك المعادلة دفعت الثمن غاليا.
ملحمة ريدلي سكوت التاريخية، “المبارزة الاخيرة”، الذي شارك في بطولته باقة من نجوم هوليوود مثل مات ديمون وبن أفليك وآدم درايفر، لم يتعد دخله ثلث ميزانية إنتاجه، بينما جمع فيلم سيرة حياة والد محترفتي التنس فينوس وسيرينا وليامز، “الملك ريتشارد”، ما يقارب نصف تكلفة إنتاجه في شباك التذاكر، رغم مديح النقاد لأداء بطله ويل سميث وتصدره تكهنات الفوز بأوسكار أفضل ممثل هذا الموسم.
الأبطال الخارقون يجذبون الجمهور
إذا قيم الأفلام الفنية ومضمونها وجاذبية أو شهرة نجومها لم تعد العناصر الأساسية لتحقيق الأرباح في شباك تذاكر دور العرض، وذلك لأن شخصيات الأفلام الخيالية، كأبطال القوى الخارقة، صارت أكثر شهرة وجاذبية للجماهير، الذين يتدفقون لمشاهدتها في دور العرض بصرف النظر عن الممثلين الذين يجسدون أدوارها.
لكن نفوذ النجوم ما زال فعالا على منصات البث الالكتروني، التي باتت واحة الأفلام الدرامية والفنية ومنقذتَها. تلك المنصات تدفع عشرات ملايين الدولارات لنجوم هوليووديين لاغرائهم بالمشاركة في مشاريعها، التي كثيرا ما تبرز في مهرجانات الأفلام العالمية وتحصد جوائزها وتهيمن على جوائز الأوسكار، ما يعزز من سيط تلك المنصات ويرفع من عدد الاشتراكات.
شبكة نتفليكس دفعت ثلاثين مليون دولار لليوناردو ديكابريو للقيام ببطولة فيلم أدام ماكي الساخر “لا تنظر للأعلى”، الذي يعتبر منافسا قويا على جوائز الأوسكار، بجانب أفلام أخرى لنتفليكس مثل فيلم جين كامبيون “قوة الكلب” من بطولة بينيدكت كامباربتش وفيلم ماغي جيلينهول “فتاتي المفقودة” من بطولة اوليفيا كولمان ودوكوتا جونسون.
بينما قدمت شبكة أمازون فيلم “الريكاردوز”، من بطولة نيكول كيدمان وخافيير بارديم.
أما شبكة “أبل بلاس” فقدمت نسخة جويل كوين السينمائية لمسرحية شكسبير “مأساة هاملت” من بطولة دينزل واشنطن وفرانسيس ماكدورمان، فضلا عن فيلم “أغنية البجعة” من بطولة ماهرشالا علي.
تفوق عدد مشتركيها العالميين على عدد المشتركين في الولايات المتحدة، ما دفع شبكات البث أيضا للبحث عن مشاريع بلغات غير إنكليزية ومحلية، فاكتشفت كنوز، كانت تتجاهلها هوليوود، تخطت محليتها وجذبت جماهير من كل أنحاء العالم، وباتت أكثر شعبية من الأعمال الأمريكية.
أبرزها كان مسلسل النجاة والإثارة الكوري “لعبة الحبار”، الذي شاهده أكثر من مئة وأربعين مليون مشاهد ليصبح أكثر المسلسلات التلفزيونية مشاهدة على شبكة نتفليكس.
نتفليكس أطلقت هذا العام أيضا مسلسلا عربيا من الأردن وهو “مدرسة الروابي للبنات” الذي تصدر قائمة أعلى المشاهدات في العالم العربي، بينما أثار مضمونة الجدل هناك.
ثقافة الإلغاء
فضلا عن خسارتها في شباك التذاكر، واجهت هوليوود تحديا أخطر وهو ثقافة الإلغاء. فبعد أن خرج عدوها دونالد ترامب من البيت الأبيض بداية العام، صارت مؤسساتها توجه سهامها على بعضها البعض فغرقت في حرب أهلية دمرت بعض أهم رموزها.
في شهر فبراير/شباط أتهم صحافيون أمريكيون، ينتمي معظهم لجمعية اختيار النقاد، ومنظمة حقوق المرأة “تايمز أب”، جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية بالعنصرية وطالبوا بإلغاء جوائز الغولدن الغلوب السنوية التي تمنحها.
فقامت استوديوهات هوليوود ونجومها بمقاطعة جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية، ما دفع شبكة “أن بي سي” إلى إلغاء بث حفل جوائز الغولدن الغلوب في العام المقبل.
فاقنتصت جمعية اختيار النقاد موعد حفل توزيع الغولدن غلوب آملة أن تستبدل جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية كقوة مؤثرة على جوائز الأوسكار. لكن سرعان ما انقلبت الأمور على المهاجمين.
في شهر سبتمبر/أيلول تحطمت منظمة ُ “تايمز آب” واستقال كل أعضاء مجلس إدارتها بعد اتهامها بمؤازرة حاكم نيوريوك، أندور كوومو، في معركته ضد النساء التي اتهمته بالتحرش بهن جنسيا. بينما أجبر متحور اوميكرون جمعية اختيار النقاد على إلغاء حفل توزيع جوائزها هذا العام. وهكذا خسرت هوليوود كل فرص الترويج لأفلامها في طريقها الى جوائز الأوسكار.
الأفلام ونجومها أيضا لم يفلتوا من حملات ثقافة الإلغاء والمقاطعات. فقد واجه مات ديمون حملة شرسة اتهمه فيها المثليون بالعداء لهم بعد أن صرح في مقابلة صحافية خلال الترويج لفيلمه “ستيلووتر” أن أبنته وبخته لاستخدامه كلمة شاذ في وصفهم. ستيلووتر وفيلمه الآخر، “آخر مبارزة” فشلا فشلا ذريعا في شباك التذاكر.
فيلم نتفليكس “قوة الكلب” أيضا واجه حملات انتقاد واسعة بعد اتهامه بالعداء للمثليين، بينما طالبت حملات أخرى بمقاطعة فيلم بول توماس اندرسون، “ليكوريس بيتسا”، بسبب مشاهد اعتبرها البعض عنصرية ضد الآسيويين.
وفي بعض الدول العربية، منع عرض أفلام هوليوودية أخرى مثل فيلم أبطال القوى الخارقة “الأبديون” وفيلم ستيفين سبلبرغ الموسيقي “قصة الجانب الغربي” بسبب احتوائها مشاهد مثلية.
هوليوود قلما تعير هوليوود اهتماما لحملات مقاطعة أفلامها في العالم العربي، لأن دخلها هناك ضئيل جدا، فهي تفضل سحب أفلامها من دور العرض هناك بدلا من الخضوع لمطالب تعديلها. لكن عندما وجهت تلك الحملات أسهمها الى أفلام عربية كانت عواقبها وخيمة وأحيانا مروعة.
في شهر يوليو/تموز، حقق فيلم عمر الزهيري، ريش، أول جائزة كبرى للسينما المصرية في مهرجان كان العريق وذلك بفضل أسلوبه المميز، حيث استبدل الميلودراما المصرية بالسخرية العبثية لطرح أحداثه السيريالية. لكن عندما عرض في مهرجان الجونة المصري في شهر أكتوبر/تشرين الأول اشتعلت حملات استنكار شرسة ضده اتهمته بالإساءة لسمعة مصر من خلال الإفراط بمشاهد الفقر المدقع.
لحسن حظ صناع ريش، السلطات المصرية ساندته، بل أعلن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عن تأسيس صندوق لإنهاء الفقر في مصر وأهداه للفيلم. لكن فيلم محمد دياب، أميرة، كان أقل حظا وما زال في معركة صراع على البقاء.
أميرة يتناول قصة فتاة فلسطينية تكتشف أنها ليست ابنة والدها السجين، الذي أنجبها من خلال تهريب نطفته إلى أمها. وبعد عرضه في مهرجانات فينسيا والجونة وقرطاج، توجه الى مهرجان الكرامة في الأردن، حيث واجه حملة صاخبة، أسفرت عن سحبه من تمثيل الأردن في منافسة الأوسكار لأفضل فيلم دولي وإلغاء كل عروضه.
تراجع فن السينما
إذا انقلبت الأمور على فن السينما في عام 2021. فبدلا من أن يكون مرآةً للمجتمع تسلط الضوء على عيوبه وتثير الجدل حولها بات هو الشائب، الذي يحاسبه المجتمع. فلم يعد صناع الأفلام يحتكرون السردية الاجتماعية، بل عليهم أن يواجهوا ملايين المنافسين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يتلاعبون بمضمون الفيلم، كثيرا بدون مشاهدته أو فمهمه، ليبدو عدائيا للمجتمع. فيثيرون غضب الجماهير عليه ويطالبون بإلغائه من أجل تعزيز عدد متابعيهم ومعجبيهم. وإذا فعلا صارت الأعمال الفنية تلغى بدلا من أن تناقش، فستبقى فقط الأعمال التي تروج للمفاهيم والقيم السائدة، ولن تكون السينما فنا يثير الجدل ويطور الأفكار، بل أداة للترفيه والتسلية، وحسب مثل الأفلام الهوليوودية التي تتصدر دخل شباك التذاكر.