العالم لم يبدأ بالتغير اليوم فقط، بل كان هناك العديد من المحطات الدالة على ذلك، قد يرى البعض في الحرب الأوكرانية التغيير بصورة أوضح، لأنّ الحرب اندلعت في منطقة كنا نظن أنها بعيدة عن الحروب، نتيجة الاعتقاد الراسخ بأن الغرب المتقدم لا يحارب بعضه بعضاً، وأن خلافاته سيحلها بالطرق الدبلوماسية، أو أنه ينقلها إلى أراضي غيره لتصفية حساباته بطريقة عنيفة.
لقد كان هناك العديد من المحطات في السابق، ولأنها مرتبطة بنا، اعتقدنا أنها مؤامرات خارجية أو أنها تدخل في إطار الصراع على السلطة، بين القوى غير المتجانسة في النظام الواحد، مع أنها كانت، في الواقع، تعبيراً عن حركية التاريخ ومكره، الذي يأبى الثبات على حال أو الاستقرار على وضع؛ هذه المحطات هي كالآتي:
الربيع العربي
كان الربيع العربي فرصة حقيقية لولوج العرب إلى التاريخ، عن طريق تأسيس عقد اجتماعي جديد، إذ يصبح للشعوب صوت مسموع، ورأي مؤثر، فتشعر بأنها عنصر فعال، وليس مجرد زائدة لا تؤثر في شيء، ما ينعكس بالإيجاب على قوة الأوطان داخلياً وخارجياً؛ كانت السنوات الأولى للربيع العربي مفاجئة للغرب، إذ لم يكن العرب استثناء في عالم الديمقراطية؛ وتوقهم إلى الحرية والديمقراطية، لا يقل بحال من الأحوال، عن الشعوب الأخرى، ما جعل الغرب يشعر بالخطر، لأن نجاح أي نموذج عربي معناه تعميم هذا النموذج، وتعميم النموذج في منطقة استراتيجية، كالمنطقة العربية، يؤدي إلى التضحية بمصالح الغرب، لاسيما بعد أن فشلت اختيارات الغرب في المنطقة، في إحداث اختراق في المجال السياسي، حيث كان الفشل هو ما ينتظرها، عندئذٍ كان القرار بأن تتم تصفية الربيع العربي، والتضحية بأشواق الشعوب وأحلامها، بإعادة المنطقة إلى الوضع السابق، يتحكم فيها حكام مستبدون عملاء، فكان الانقلاب في مصر، وتم إفشال إسقاط بشار الأسد في سوريا، وعادت وجوه النظام السابق إلى حكم اليمن، ودخلت ليبيا في أتون الفوضى، وانتصرت الشعبوية في تونس، وفشل الحراك في الجزائر، واستولى العسكر على حكم السودان من جديد.. كل هذا كان نتيجة تآمر قوى الداخل مع الخارج، والنتيجة، في الأخير، العرب خارج دائرة التاريخ، أنظمة ضعيفة، ودولا تعيش في فوضى واحتراب، وشعوبا مقهورة. ماذا لو نجح الربيع العربي؟ لكان العرب اليوم في وضع فعال ومؤثر في عملية تأسيس النظام العالمي الجديد، بدلا من السعي إلى إغضاب أمريكا وإغاظتها، وبدلا من محاولة نيل رضا الصين أو الاقتراب من روسيا.
انسحاب أمريكا من أفغانستان
أظهرت الحرب الروسية ضد أوكرانيا محدودية النظام العالمي القائم، وأنه بات قاب قوسين من الانهيار الكلي، والعالم يشهد لحظة ولادة نظام عالمي جديد
بعد نهاية الحرب الباردة، التي كان من نتائجها انهيار المعسكر الشيوعي، وانتصار الولايات المتحدة الأمريكية، كقطب وحيد يقود العالم، ظهرت أطروحة صموئيل هنتنغتون، محققةً رغبات البعض في الإدارة الأمريكية، لأنها تجعل حالة الصراع مستمرة مع أعداء في زيّ ديني وحضاري، وقد رشح هنتنغتون العديد من الحضارات، لعل أبرزها الإسلام والكونفوشيوسية الصينية، حيث اعتبرهما عدوين رئيسيين للغرب، بحيث تتصادم حضارته وقيمه معهما. لقد اختارت أمريكا، في البداية، الإسلام كعدو أول ينبغي محاربته من أجل تطويعه وتشويهه، فشنت حروباً في المنطقة، كانت بدايتها غزو العراق في 1991، بسبب خطأ قاتل ارتكبه الرئيس صدام حسين، وازدادت هذه الحرب ضراوةً بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، التي اجتاحت رموز القوة والمال لأمريكا، فبحجة محاربة الإرهاب و»القاعدة» ونشر الديمقراطية، احتلت أفغانستان 2001، ثم غزت العراق 2003.
لم تحقق أمريكا من الحرب ضد الإسلام إلا فقدان بريق قيمها، وتراجع قوتها، وازدياد عزلتها، فقد أثبت الإسلام، على الرغم من ضعف المسلمين وتشتتهم، أنه عصيٌّ على التبديل والتحريف، ناهيك من هزيمته، ولا فرق بين مواجهته وهو في حالة ضعف، ومجابهته وهو في حالة قوة.
أدركت أمريكا هذه الحقيقة بعد سنوات طويلة من الصراع مع الإسلام، وبعد حروب خاسرة، ليأتي انسحابها من أفغانستان تأكيداً لهذه الحقيقة، واعترافاً بصعوبة الأمر، قد يجادل البعض بأن انسحابها من أفغانستان هو، في الحقيقة، انسحاب استراتيجي، لأنّ هناك عدواً يسعى إلى خطف قيادة العالم منها، وهو الصين، العدو الثاني، حسب ترتيب هنتنغتون، الذي حقق قفزات كبيرة في الترتيب العالمي، وغدا ينافسها على المرتبة الأولى؛ فأمريكا اليوم أمام معركتين، معركة مؤجلة وأخرى مستعجلة، المعركة المؤجلة مع الإسلام، بينما المستعجلة فهي مع الصين، والمستعجلة أولى من المؤجلة، كما يقرر المنطق السليم، بمعنى أن كبح صعود الصين أولوية الآن. لكن، السؤال الذي يطرح هنا: هل تريد الولايات المتحدة بهذا الانسحاب التحالف مع المسلمين في حربها ضد الصين؟
ربما، وهي هنا تريد إعادة التاريخ مرة أخرى، لما استغلت الإسلام في حربها ضد الاتحاد السوفييتي على أرض أفغانستان.
الأزمة الأوكرانية
لقد أظهرت الحرب الروسية ضد أوكرانيا محدودية النظام العالمي القائم، وأنه بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار الكلي، والعالم يشهد لحظة ولادة نظام عالمي جديد؛ بوتين أدرك هذه الحقيقة، لهذا تدخل في أوكرانيا، لكي يستغلها كورقة للتفاوض مع القوى الكبرى، لكن، حسابات بوتين قد تكون خاطئة، أو أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لأنّ أي حرب، مهما كان ضعف الخصم وتواضعه، سيرهق خصمه القوي أيضاً، هذه قاعدة معروفة في الحروب، لهذا قيل إنّه لا يوجد منتصر في الحرب، لاسيما إذا طالت مدتها، ولم تنته وفق ما هو مخطط لها؛ إذ قد تتحول إلى حرب استنزاف، ولعل هذا ما يحدث لروسيا بالفعل، فقد اعتقد بوتين أن الحرب ضد أوكرانيا ستكون خاطفة وسريعة، وأن العملية الحربية التي يقوم بها الجنود الروس ستكون نزهة قصيرة، سرعان ما تحقق أهدافها، إلا أن المقاومة الباسلة للشعب الأوكراني، والخسائر الفادحة في صفوف الجيش الروسي، أطالت أمد الحرب، وخلطت أوراق بوتين.
في هذا السياق: هل كانت الحرب على أوكرانيا فخاً لبوتين؟
بالنظر إلى أجواء ما قبل الحرب، يستشف الملاحظ أنّ بوتين كان مدفوعاً إلى الحرب دفعاً، فهناك قصف إعلامي كبير، وضغط نفسي رهيب، مورس على بوتين من طرف الساسة الغربيين، وعلى رأسهم بايدن، والإعلام الغربي، ما يجعل تراجع بوتين عن فكرة الحرب، بمثابة انتحار سياسي، وتأثيره سيكون أكبر من الهزيمة في الحرب لو وقعت. اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الحرب، اكتشف الأوكرانيون أن تدخل الناتو عسكرياً لإنقاذ أوكرانيا من الدمار صار من المستحيل، وأنهم كانوا مجرد لعبة بين الجبابرة، كما أدرك الروس أن مواجهة الغرب فاتورتها غالية جداً، فقد كانت العقوبات الاقتصادية قاسية جداً، وأن الاستمرار في طريق الحرب سيفتح أبواب جهنم على روسيا، وسيقوّض من طموح بوتين في البقاء في الحكم. زيادة على ذلك أنّ الصين لم تبدِ انحيازها التام لروسيا، إذ لم تُدن روسيا، وأبقت على خيط الوصل مع الغرب مراعاة لمصالحها، وهناك قضايا كانت لسنوات طويلة على موائد التأجيل والمماطلة، هي في طريقها إلى الحل هذه الأيام، كالملف النووي الإيراني مثلا. كل ما أشرنا إليه آنفاً يقوي من فرضية الفخ الأوكراني لبوتين.
أين العرب؟
في خضم هذا الوضع، يعيش العرب في حالة من التردد واللايقين، هل ينبغي الثقة في أمريكا، التي طالما خانتهم، وغدرت بهم، واستباحت أرضهم، خاصة وهم يشاهدون هذه الأيام، تقاربها مع إيران، العدو اللدود لهم، أم يجب عليهم الانتقال إلى الضفة الأخرى، حيث الصين وروسيا؟! إن النظام العربي اليوم يعيش في حيرة شديدة من أمره؛ إلى أيّ المعسكرين ينحاز، أمريكا أم الصين؟ مع أنه في سره يبدو متقارباً أكثر إلى الصين وروسيا، وذلك لاعتبارات خاصة، تتمثل في طبيعة النظامين (الصيني والروسي)، وطبيعة النظام العربي الديكتاتورية، فالتماثل، في واقع الأمر، هو ما يجعل النظام العربي يميل إلى هذين النظامين أكثر، بالتالي، فالحسابات الاستراتيجية المستقبلية غير معتبرة في رسم خريطة تحالفات النظام العربي، فيما يحدث من ترتيبات في البيت العالمي، كل هذا وغيره يجعل العرب غير مؤثرين في النظام العالمي الجديد، ودورهم لا يعدو أن يكون وظيفياً للقوى المتنافسة.
كاتب جزائري
حالف العرب وأهل السنة والجماعة العالم الحر منذ نشأته بعد انتشار الشيوعية ببدء القرن العشرين وتوازى ذلك مع دحر العرب لإحتلال تركي همجي، وعزز ذلك حاجة نهضة العرب لتقدم علمي وبنية تحتية وأسلحة دفاعية مقابل حاجة العالم الحر لموقع العرب الاستراتيجي وحيازتهم معظم مخزون النفط (أهم سلعة بالعالم منذ بدء القرن العشرين) فبات العرب جزء لا يتجزأ من منظومة دفاع شامل عن العالم الحر لكل الأسباب، وكلما تجاهل أعداء العرب هذه الحقيقة واعتدوا على العرب سقطوا بالفخ وتفاجئوا بأنهم يواجهون كل العالم الحر وبشكل مباشر.