«العيش على الأنقاض»: منازل آيلة للسقوط تهدد حياة الغزيين

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة – «القدس العربي»: لجأ مئات النازحين إلى العيش على أنقاض منازلهم المدمرة جزئياً في مخيم خان يونس بعدما أجبرهم جيش الاحتلال على التكدس في مساحة صغيرة وغير إنسانية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، تمتد من المواصي غرباً إلى مدينة دير البلح، فيما يعانون من احتمالية سقوط تلك الأنقاض فوق رؤوسهم، بعد أن باتت تشكل خطراً عليهم، وسط القصف المدفعي والجوي المستمر على المدينة الواقعة جنوبي غزة.
ويقيم عبد الكريم أبو شمالة على أنقاض منزله المدمر في منطقة بلوك (ج) في معسكر خان يونس. ويقول إن المقاتلات الحربية لجيش الاحتلال دمرت مربعه السكني كله، خلال الأيام الأولى للحرب، فاضطر إلى النزوح منطقة المواصي، ولكنه لم يستطع العيش في خيمة غير صالحة للعيش الآدمي مدة أطول من 5 أشهر.

هزة قد تنهي حياتي

يقول لـ “القدس العربي”: “الخيمة لا يوجد فيها ستر ولا أمان، المراحيض الصحية مشتركة، وكنا أحياناً نغرق في مياه المجاري، ولا توجد مياه أيضاً، وفي أي وقت قد يقصفنا الاحتلال”.
يوضح المواطن الخمسيني، أنه رفع الركام من غرفة في منزله شبه المدمر، حيث يعيش الآن، بعد أن قام بترميمات فيما تبقى من البيت، لكنه يخشى على حياته وأسرته من انهيار بعض حوائط المنزل الآيلة للسقوط فوق رؤوسهم.
يشير إلى حائط معلق في منتصف المنزل المدمرة واجهته: “هذا قد يسقط عليّ مع أي هزة انفجارية ناجمة عن أي قصف في منطقة أخرى بعيدة”.
ويطالب المنظمات الإغاثية والأممية، وكل دول العالم، بممارسة المزيد من الضغوط على حكومة الاحتلال، من أجل إجلاء قواتها من الجانب الفلسطيني لمعبر رفح، والسماح بدخول معدات التكسير والهدم وكذلك الوقود اللازم لتشغيلها، كي تعمل طواقم البلديات على رفع تلك الأنقاض، وإنقاذ أرواح المواطنين والنازحين.

خطر على الأطفال

أما علاء الحداد، وهو من سكان مخيم خان يونس، فيشير الى القلق على حياة الأطفال الغزيين، الذين يلعبون في محيط المنازل المتوقع انهيار أجزاء منها في أي وقت.
ويقول لـ “القدس العربي”: “هذه المنازل الآيلة للسقوط تشكل خطراً على الناس، الأطفال يجرون ويلهون تحت هذه البيوت، ومن الممكن في أي لحظة أن تنهار هذه الأنقاض على رؤوس الأطفال، وتتسبب في حالات وفاة وإصابات”.
ويشير بالفعل إلى حائط قد انهار في منطقة “بلوك ج”، ما أسفر عن إصابة شخصين بالغين: “حمدنا الله أنه لم يصب أي أحد من الأطفال بأذى. قطع الحجارة طالت جسدي اثنين من الرجال كانا يتسامران أسفل الحائط، ولولا فرارهما منها سريعًا، بفضل تحذير أحد المارة، لكانت قتلتهما. هذه الأنقاض كارثة بكل المقاييس”.

السيئ والأسوأ

وذكرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” أن “9 من كل 10 أشخاص في القطاع، الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 2.3 مليون نسمة، نزحوا قسرا”، موضحة أن العائلات النازحة تبحث عن مأوى أينما تستطيع سواء في المدارس المكتظة أو المباني المدمرة أو الخيام المتواضعة على الرمال أو وسط أكوام القمامة. كما أكدت أن تلك الأماكن ليست آمنة ولم يعد لدى الناس مكان يذهبون إليها. ويبدي علاء الحداد رفضه للعدوان الإسرائيلي المستمر للشهر الحادي عشر على قطاع غزة، والذي أجبر الغزيين على النزوح إلى خيام أو مدارس إيواء غير آمنة أو العيش في بيوت مدمرة.
ويؤكد الرجل الثلاثيني أن “هذه المنازل تقريبًا نصفها مائل، وقد تقع وتقتل السكان والنازحين. ويبقى موت وخراب وديار!، مشيرًا إلى أن كثيرًا من السكان والنازحين دفعوا أموالًا طائلة لبعض العمال، من أجل إزالة بعض الردم والركام، وبث بعض الحياة في تلك المباني. ويناشد الحداد كل المؤسسات الدولية والأممية أن يبحثوا في أمر عيش النازحين في منازل آيلة للسقوط، قد تقتلهم في أي لحظة، خاصة أن المواطنين يعتبرون الإقامة في هذه المنازل أفضل من الخيام: لو خيرنا الناس بين حياة الخيمة أو البيت المهدوم جزئيًا، سيختارون البيت. دائمًا نحن محاصرون بين السيئ والأسوأ”
وأحدثت الغارات الجوية الإسرائيلية أكثر من 42 مليون طن من الأنقاض في قطاع غزة، وفقًا للأمم المتحدة. وهذا الحجم من الركام يكفي لملء صف من شاحنات النفايات يمتد لمسافة تتجاوز 15 ألف كيلومتر على الطريق بين مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية إلى حدود دولة سنغافورة، حسب ما ذكرته وكالة “بلومبرغ”.
وتتكون غالبية الأنقاض من مساكن مدمرة منتشرة في جميع أنحاء القطاع، ما يعكس كثافة السكان في غزة قبل الحرب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وفقًا لـ “بلومبرغ”، التي أوضحت أن إزالة هذه الأنقاض قد تستغرق سنوات، وتكلف ما يصل إلى 700 مليون دولار، واصفة ذلك بالمهمة الصعبة، بسبب وجود قنابل لم تنفجر، وملوثات خطيرة، وبقايا بشرية تحت الأنقاض.
ويسكن جمال الغلبان، في منزل دون سقف أو واجهة، تتخلله حوائط مائلة وغير مستقرة على أعمدتها، يؤكد أن منزله يهتز وتتساقط منه بعض الأحجار مع أي قصف جوي أو مدفعي في منطقة مجاورة. مشيراً خلال حديثه لـ “القدس العربي” إلى أنه قبل عدة أيام قصفت المقاتلات الحرب للاحتلال منزلًا للجيران، فسقطت قطعة حجر على كتف ابنه، 10 أعوام: “حمدت الله أن الحجر لم يسقط على رأسه، ولكن الله ستر. فهو رؤوف ورحيم وعالم بحالنا”.
يناشد المواطن الخمسيني كل دول العالم، وبالأخص الدول العربية، ويدعوها إلى ممارسة شتى وسائل الضغط على الاحتلال من أجل إنهاء الحرب، وانسحاب قوات الاحتلال من كل مناطق قطاع غزة، تمهيدًا لبدء جهود إعادة الإعمار وتهيئة سبل عودة النازحين، وتأهيل منازلهم، كي تكون مناسبة للعيش الكريم والآدمي.
بعض معدات التكسير وإمدادات كافية من الوقود وأدوات الصيانة، هذا كل ما تحتاجه بلدية خان يونس، لرفع الأنقاض من المنازل شبه المدمرة والآيلة للسقوط، وإنقاذ النازحين من الموت، الذي يهددهم على مدار الساعة.
يقول مسؤول الإعلام في بلدية خان يونس، صائب لقان: “تنقصنا الإمكانيات الضرورية للتعامل مع الكتل الخرسانية الكبيرة، وتهيئة هذه البيوت للعيش المؤقت، لحين خروج الاحتلال من أراضينا، وبدء إعادة الإعمار”.
ويؤكد لـ “القدس العربي” أنهم يعجزون عن انتشال بعض الجثث المتحللة تحت الأنقاض للسبب نفسه وهو «نقص الإمكانيات”.
ويشعر بالانزعاج الشديد من صمت العالم على الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة، وإغلاق المعابر، ومنع استيراد المواد الضرورية لعمل فرق البلدية: “العالم خذلنا، وساعد بصمته الاحتلال على أن يحرمنا من كل سبل الحياة”.
ويكمل: “هذه الأنقاض كارثة إنسانية، واضطرار النازحين للعيش فيها كارثة أكبر”.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية