«الفانز» يُحيونَ موتاهُم!

حجم الخط
1

يحدث أن ينزعج شاعر من قصيدة كتبها حين يصرّ الجمهور على سماعها في كلّ أمسية شعرية، كما حصل مع محمود درويش وقصيدته الشهيرة «سجل أنا عربي»، مثلما يحدث أن يتضايق روائي من أسئلة المحاورين، عن عمل واحد له مهملين إبداعاته الأخرى، ولنا في الطيب الصالح وأيقونته «موسم الهجرة إلى الشمال» خير مثال على ذلك. ولكن أن يصل الأمر إلى حدّ أن يغتال الكاتب شخصيته الرئيسية، التي بنى عليها مجده الأدبي، فتلك حكاية أخرى!
في نهاية سنة 1891 كتب الروائي الطبيب آرثر كونان دويل رسالة إلى أمه جاء فيها: «أفكر في قتل هولمز وإنهاء أمره إلى الأبد. إنه يشغل ذهني عن أشياء أفضل»، أجابته والدته بثلاث جمل: « لن تفعل ذلك! لا تستطيع! يجب ألا تفعل»، ولكن كونان دويل، الذي كان يومها قد كتب روايتين و24 قصة عن المحقق الشهير شرلوك هولمز وصديقه ومسجّل إنجازاته واتسون، لم يستمع إلى نصيحة والدته، وأنهى حياة بطله في مواجهةٍ مع الشرير موريارتي، بوقوعهما معا في شلالات ريشنباخ في بلدة سويسرية صغيرة تدعى ميرنغين. وكان كونان يعتقد أن الأمر انتهى وسينصرف للأمور الجادة، مثل كتابة الروايات التاريخية بعدما كتب نهاية بطله في روايته «المشكلة الأخيرة»، ولكنها لم تكن سوى مشكلة أولى فقط فما حدث لم يتوقعه أحد، حيث ألغى 20000 مشترك اشتراكاتهم في مجلة «ستراند»، التي كانت تنشر قصص شرلوك هولمز، حتى كادت المجلة أن تفلس وتغلق أبوابها، وتظاهر أمام مكاتبها الكثيرون، ولبس قراء عديدون شارات سوداء حزنا على بطلهم، وأُرسلت آلاف الرسائل إلى كونان دويل احتجاجا، بعضها يصفه بالوحش، وولدت يومها ظاهرة الفاندوم « Fandom» وهي الأب الشرعي لمصطلح الفانز «fans» أي المعجبين في لغة السوشيال ميديا الحديثة. فهؤلاء القراء الأوفياء، الذين تعودوا على أن يصطفّوا كل شهر لشراء مجلة «ستراند» ومتابعة تطورات قصة محبوبهم هولمز – تماما مثلما يحدث في متابعة المسلسلات التلفزيونية المشوقة – شعروا بأن كاتبهم الأثير خذلهم حين أنهى حياة بطلهم، ورغم أن بعض الكتاب حاول استغلال الموقف، فكتب روايات بطلها شرلوك هولمز، إلا أن هذا التعويض المفترض لم يرُقْ للقراء الأوفياء للكاتب الأصلي، بل حتى إن أحد أشهر كتّاب الرواية البوليسية الفرنسيين موريس لوبلان مخترع شخصية اللص الظريف أرسين لوبين، كتب قصة قصيرة بعنوان «شرلوك هولمز يصل متأخراً» مستغلا الظرف، لكن كونان دويل رفع دعوى ضده اضطرت لوبلان إلى التحايل بتغيير اسم الشخصية إلى «هرلوك شولمز».

بقي أرثر كونان دويل على عناده سنوات عديدة، منشغلا بكتابات تاريخية لاقت رواجا أيضا وبالسفر وبعمله في الطب اختصاصه الأصلي، وحاول قطع الطريق على المجلة بطلبه مبالغ كبيرة لمعاودة كتابة عن شرلوك هولمز، ورغم أن المجلة وافقت على طلبه، إلا أنه لم يعد إلى الكتابة عن شخصيته الشهيرة إلا بعد ثماني سنوات في رواية «كلب باسكرفيل»، لكن كونان دويل أوضح أن أحداث هذه الرواية حدثت بعامين قبل قصة «المشكلة الأخيرة»، أما البعث الحقيقي لشرلوك هولمز بعد موته، فكان بعد ذلك بعامين أي عام 1903 في قصة «مغامرة المنزل الخالي»، حيث زعم آرثر كونان دويل أن موت هولمز كان مزيّفًا. وقد عُرفت هذه السنوات العشر التي لم يكتب فيها كونان دويل عن بطله بالانقطاع الكبير «The Great Hiatus» عند الهولمزيين. بعد ذلك واصل آرثر كونان دويل – إلى أن توفي سنة 1930- نشر قصص شرلوك هولمز، التي وصلت إلى 4 روايات و56 قصة وهي ما عرفت لاحقا بـ» Canon of Sherlock Holmes» أي المجموعة الأصلية لأعمال هولمز. ولكن الأهم أن شرلوك هولمز تحول إلى ظاهرة عالمية، ودخل موسوعة غينيس باعتباره «الشخصية الأدبية البشرية الأكثر تمثيلاً في السينما والتلفزيون». وترك أثرا بالغا في كلِّ من كتب رواية الجريمة من أغاثا كريستي إلى أمبرتو إيكو الذي لم يخفِ آثار هذا التأثر، فبطل روايته الشهيرة «اسم الوردة» اسمه «غوليالمو دي باسكرفيل» على اسم رواية كونان دويل، وللبطل مساعد دوّن مآثره تماما كما كان واتسون مع هولمز، ناهيك من طريقته في التحقيق القائمة على الملاحظة الدقيقة والاستنتاج وهو أسلوب شرلوك هولمز بامتياز.

وبعيدا عن التأثيرات الأدبية التي تجلت فيمن تأثروا بروايات كونان دويل، والتأثير حتى على النقد الأدبي، حيث ظهرت آثار الروايات الشرلوكية على الدراسات النقدية كنظرية التلقي، أو نظرية موت الكاتب عند رولان بارت، نقف عند هذا التأثير الشعبي الجارف الذي تجلى بقوة في ما رويناه من ردة فعل الجماهير على مقتل شرلوك هولمز وكبر ككرة الثلج إلى يومنا هذا، إلى درجة أن كثيرين يعتقدون فعلا أن شرلوك هولمز شخصية حقيقية أرخ لها الدكتور واتسون أما كونان دويل فليس سوى وكيل أدبي له، ويكفي أن نذكر أن عنوان بيت شرلوك هولمز221B بيكر ستريت لندن، الذي ابتدأ وهميا حيث لم تكن أرقام منازل الشارع تصل إلى هذا الرقم أصبح بعد سنوات بيتا قائما يزوره الآلاف شهريا، وتصل عليه منذ سنوات طويلة آلاف الرسائل سنويا، واضطرت الشركة التي تمتلك المبنى إلى توظيف سكرتيرة بدوام كامل خصيصا للرد على الرسائل الموجهة إلى هذا المحقق غريب الأطوار لطلب المساعدة. وظاهرة معجبي شرلوك هولمز fandom جديرة بالدراسة نفسيا واجتماعيا، وشهدت تحولات عديدة ابتدأت بمعجبين تقليديين بعضهم انتظم في جمعيات ونواد، أي في إطار تنظيمي أشهرها مجموعة بيكر ستريت غير النظامية The Baker Street Irregulars (BSI) التي تأسست سنة 1934 ومن أعضائها البارزين الرئيس الأمريكي فرنكلين روزفلت، وقد نظمت هذه الجمعية مؤتمرات وصدرت عنها دراسات، ولكنها كانت نخبوية ذكورية. ولكنّ تبني السينما والمسرح لشخصية شرلوك هولمز، أخرجها من سجن الورق وألقى بها في حضن الجماهير، لذلك أعجبت فئات جديدة، ومن ضمنها النساء والشباب بهولمز، خاصة بعد مسلسل «بي بي سي» الشهير عن شرلوك سنة 2010، علما أن هولمز صُوّر تلفزيونيا أكثر من 250 مرة، وهذا يضمن أنه لن يتقدم في العمر أبدا، فهناك دائما هولمز جديد لجيل جديد.

لهذا التعلق بشرلوك هولمز أسبابه النفسية والاجتماعية، التي جعلت القراء يعجبون به منذ ظهوره أول مرة سنة 1887 في رواية «دراسة في اللون القرمزي» إلى حد الآن، وكمثال على هذا التأثير المتواصل والتأثر، الفيلم الذي عرضته نتفلكس قبل خمس سنوات بعنوان «إينولا هولمز» عن شقيقة صغرى مفترضة للمحقق الشهير. وهذا الهوس بهولمز مرده إلى شعور القارئ بالألفة مع شخصيته، فهو ليس شخصية مثالية تعطي نموذجا غير قابل للتحقق، بل فيه عيوب قاتلة كتعاطي المخدرات مثلا، وهو في بعض جوانبه شخص انطوائي أقرب إلى التوحد، يتعرّف فيه القارئ على ما يريد أن يكونه من حدة الذكاء والشجاعة والتمرد على المجتمعات الضيقة، والعقل المنطقي المنهجي الذي يؤمّن احتياجات المعجب العاطفية والعقلية، كما أن الظاهرة الشرلوكية تمثل استمرارية قرائية بدأت من نشر مغامراته متسلسلة في مجلات مثل «ستراند» حيث أسست لطقوس قراءة ومتابعة واسعة ومتكررة، تماما كالأثر الذي يُحدثه تعلُّقُ المشاهد بمسلسل تلفزيوني، ثم ترجمتِ السينما والمسرح تمظهرات هذه الشخصية بصريا، فكست الخيال لحما وأعطته وجها، وحين ولجنا العالم الرقمي استطاعت شخصية شرلوك هولمز التأقلم بسهولة فائقة معه، فالقاعدة الجماهيرية العريضة ورّثت شغفها به للعالم الافتراضي، بل أصبح مصطلح «شرلوك هولمز الرقمي» جزءا من الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، والفاندوم تحولوا إلى فانز بأعداد كبيرة، ما زال يفتنهم ذكاء هذه الشخصية الخيالية، التي ظهرت في القرن التاسع عشر، ولا تزال تضج بالحياة أكثر من كثير من البشر في القرن الحادي والعشرين، ولو سألنا هولمز عن سر خلوده لأجابنا، بعد أن ينفث دخان غليونه، «بسيطة يا عزيزي واتسون»!

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول وليد:

    تبدو قوة أي عمل فني اليوم مرتبطة بقدرته على الحفاظ على الفاندوم وتجديده باستمرار، فالجمهور لم يعد ثابتًا كما كان في الماضي، بل أصبح سريع التغيّر ومتطلّبًا، خصوصًا مع دخول جيل زد الذي يُشكّل تحديًا حقيقيًا للكثير من العلامات الثقافية القديمة. هذا الجيل لا يمنح ولاءه بسهولة، ويبحث عن محتوى ديناميكي، متجدد، متفاعل، ومرتبط بقضاياه ومعاييره القيمية. وهنا يظهر الضغط على شخصيات كلاسيكية مثل شيرلوك هولمز، فهو يمتلك فاندوم تاريخيًا ضخمًا ومتجذرًا، لكنه يواجه خطر أن يصبح مجرد “تراث” ما لم يُقدَّم بطرق تجعل الجيل الجديد يشعر بأن الشخصية تخاطبه هو أيضًا. وهذا ما يفسّر نجاح نسخ معينة مثل Sherlock (2010) التي أعادت الشخصية في قالب معاصر وسريع وذكّي بصريًا، بينما تراجعت نسخ أخرى بقيت وفية لأسلوب القرن التاسع عشر دون ابتكار. التحدّي الحقيقي اليوم هو إيجاد صيغة توازن، اي احترام الأسطورة الأصلية دون أن تتحول إلى قطعة متحف، وفي نفس الوقت، إدخال نبض جديد يحافظ على حيوية الفاندوم ويمنع انتقاله إلى حالة سبات كما حدث مع العديد من الامتيازات القديمة (Franchises) التي فشلت في التواصل مع جيل زد.

اشترك في قائمتنا البريدية