الفيروس والآثار المقبلة

فتح فيروس كورونا الباب للكثير من المفاجآت التي تمس حياة الناس على كل المستويات. فالخوف ليس من المرض لوحده، فهذا طبيعي، لكن هناك خوفا كبيرا من أخطاء الحكومات والأنظمة والدول. هناك شعور يحيط بالناس على كل الأصعدة، فهل يكون خطأ الرئيس في هذه الدولة او تلك هو السبب في تأخر التغلب علي المرض؟ لهذا تعيش الناس مخاوف مضاعفة عندما تكتشف أن سوء إدارة وارتباك في أوج الوباء كان سببا لانتشاره.
لننظر مثلا للحالة الصينية. لقد عتمت الصين في البداية على المرض، ثم تصرفت بحزم للقضاء عليه. النظام الصيني الذي يقوده الحزب الشيوعي الصيني انعكاس لدولة حديثة صاعدة نحو مصاف دولة كبرى، لكنه بنفس الوقت نظام يتميز بالسرية وعدم التسامح مع الآراء المختلفة. إن التأخر في التعامل مع انتشار و باء كورونا في الصين في البداية ارتبط بعدم وجود وسائل تعبير ومنصات حرة في الصين، وبالفعل مات الطبيب الذي أنذر الصين والعالم، وتم إسكات كل صوت واخرجت الصين من أراضيها كبرى الصحف مثل الوول ستريت جورنال والنيويورك تايمز.
لكن الأزمة كشفت لنا مدى مقدرة الصين على تصحيح أخطائها. كما أن الصين لم تنكفئ على نفسها في ظل الوباء، بل انتقلت، بعد أن سيطرت على المرض، لمساعدة دول أخرى. لقد استطاعت الصين أن ترسل النجدة لإيطاليا، كما أرسلت الصين المساعدات والأطقم الطبية لصربيا، كما ولإيران، ودول أخرى. لقد أكد الرئيس ترامب منذ ايام بأن الصين أرسلت مساعدات للولايات المتحدة. هذا يوضح مدى الطموح الصيني للعالمية والقيادة.
في المقابل لم تقم الولايات المتحدة بأية مبادرة لمساعدة دول أوروبا، بل بالعكس انكفأت الولايات المتحدة على نفسها بينما قررت أوروبا ارسال مساعدات لإيران. وفي المقابل اشتكت كل من إيطاليا وإسبانيا وأيضا صربيا من التصرف الأوروبي تجاههم والذي شمل منع تصدير الأجهزة الضرورية للتنفس للمصابين بالفيروس.
كشفت الازمة أن الدول ليست موحدة، وان اوروبا الموحدة قد تتواجه مع نفسها بعد الأزمة، وكشفت ان العالم سيزداد فقرا، بسبب ازمة اقتصادية طاحنة. وسينتج عن ذلك احتجاجات كبرى ستطيح بأنظمة. كما وتؤكد الازمة المرضية بأن النفط العالمي دخل في مشكلة مبكرة، وان الأسعار المنخفضة قد تستمر كذلك. كما ان الصين قد تدخل بمأزق اقتصادي يؤثر على اليابان وكوريا ودول شرق اسيا، كما أن الاقتصاديات الصاعدة في العالم من نيجيريا للبرازيل ستواجه تعثرات كبرى. كما من الصعب ان تتجاوز الولايات المتحدة المأزق خاصة بعد أن رصدت 2 تريليون دولار لمساعدة الاقتصاد الامريكي. لكن الرقم سيخلق فجوات كبرى في هذا الاقتصاد، وسيزيد من الديون والخلل في ميزان المدفوعات.

قد يضحي النظام الديكتاتوري بملايين الناس دون أن يحاسبه أحد ودون أن يعلم أحد بما وقع. كما أن معظم الأنظمة الديكتاتورية ستصبح أكثر ديكتاتورية بسبب الفيروس

وستعاني الكثير من الدول التي تتميز بضعف وركاكة الادارة والقيادة فيها. بالطبع الدول الفقيرة ستواجه تحديات أكبر، فاقتصادها لن يتعافى بعد الازمة وستضربها الأزمات الخاصة بالبطالة والفقر والكساد بقوة. لكن المشكلة ستعبر عن نفسها بصورة واضحة في الدول الغربية. ستعاني كل دول العالم من ازمات بطالة وفقر وضيق، لكن الدول التي لا تمتلك الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي والتشريعات الضرورية لحماية الطبقات الشعبية كما هو حال الكثير من الدول العربية والأفريقية ستصطدم بالعاصفة المعيشية والاقتصادية تلو العاصفة بعد تراجع الوباء.
إن استثمار الدول في السلاح والحروب، وسواد التفرقة والعنصرية والفساد على حساب الاهتمام بالبيئة والتعليم والبحث والمدن الطبية هو الذي انكشف بفضل فيروس كورونا. ومن لا يذكر كيف افتتح الرئيس ترامب عهده بالانسحاب من اتفاقية المناخ وإدارة ظهره لقضايا البيئة وطريقة تعامله مع الحلفاء والاصدقاء في الشرق والغرب. بل من شده حنقه على كل ما صنعه اوباما في البيت الأبيض أغلق الرئيس ترامب في العام 2018 المكتب المختص في البيت الابيض بالوباء والامراض. وهذا الجانب ساهم في عدم استعداد الولايات المتحدة للتعامل المبكر مع الوباء.
ان القول بأن النظام الديكتاتوري أقدر على مواجهة الفيروس ليس دقيقا. فالنظام الديكتاتوري يخفي المعلومات، وليس مضطرا لشرح سياساته لأحد، بل قد يضحي النظام الديكتاتوري بملايين الناس دون ان يحاسبه أحد ودون أن يعلم أحد بما وقع. كما ان معظم الأنظمة الديكتاتورية ستصبح أكثر ديكتاتورية بسبب الفيروس، وهي لن تعرف كيف تنسحب من خصوصيات الناس بعد اختفاء الوباء. اما النظام الديمقراطي، فرغم فشله في التعامل مع بدايات الفيروس، الا انه بسبب حرية المعرفة يكشف لنا أخطاء السياسيين. كما ان النظام الديمقراطي بطبعه آيل لبناء جيوش من المتطوعين والمجتمع المدني. ومع ذلك ستعاني كل الأنظمة من تغول دور الحكومة التي ستجد صعوبة في الانسحاب من الحياة العامة بعد اختفاء الخطر. وما هنغاريا وبيلاروسيا الا نماذج من انماط القيادة الشديدة التغول. ففي هنغاريا يسعى رئيس الوزراء أوربان لصلاحيات مطلقة، بينما رئيس بيلاروسيا اليكساندار لوكاشينكو يرفض الغاء الرياضة وغلق الحياة العامة مصرا على ان سكان بيلاروسيا سيهزمون الفيروس من خلال شرب الفودكا.
ازمة الفيروس ليست فقط في المرض نفسه، فالجزء الثاني من المعضلة تعود للآثار الاقتصادية والانسانية والسياسية للفيروس والغلق الشامل للمدن والبلدان على الادارة والقيادة والصحة والعمل والبطالة والحياة والاقتصاد. بعد الحرب العالمية الثانية توفرت خطة مارشال الأمريكية التي انقذت اوروبا. حتى الآن لا تبدو ملامح خطة شبيهة مطروحة لإنقاذ العالم واقتصادياته.

استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. اثير الشيخلي - العراق:

    رغم ان العنوان واضح و صريح يدل على أن المقال يتكلم عن الآثار المقبلة…
    لكن للأسف انتهى المقال و لم يتحدث سوى عن ما جرى و يجري و و كيف تصرفت مختلف الحكومات و باختلاف توجهاتها و انظمتها خلال الازمة ، لكن لا كلام عن الآثار المترتبة و الأهم كيفية معالجتها
    لم يذكر سوى أن العالم مقبل أزمة اقتصادية طاحنة، وهذا اي طفل الان يعلم ذلك، و اشتكى من عدم وجود خطة شبيهة بخطة مارشال التي أنقذت أوروبا و العالم بعد الحرب الثانية!
    ثم ماذا؟!
    لا شئ!

    1. يقول ملاحظ:

      من أهم الآثار المقبلة التي ذكرها المقال:
      احتمال تصدر الصين المركز الأول في العالم بدلا من أمريكا في ظروف كهذه ؛
      احتمال حدوث احتجاجات شعبية نتيجة الأزمات الاقتصادية على نطاق واسع وقد تطيح بأنظمة بأكملها ؛
      العنوان ذكر الآثار المقبلة ولم يذكر كيفية معالجتها حتى يعالجها

  2. يقول S.S.Abdullah:

    تحطيم صنم (العصمة والكمال) عن رب موظف النظام (المسؤول البيروقراطي)، هو أول تعليق لي على عنوان (الفيروس والآثار المقبلة) والأهم هو لماذا؟!

    أحب أن أضيف إلى ورد من تفاصيل مهمة، تحت عنوان مقالة (د شفيق نظام الغبرا) على أرض الواقع، عملية تأويل الترجمة، بعيداً عمّا ورد في نص كلمة الرئيس المصري (محمد مرسي) في طهران عام 2013، في بث حي ومباشر، لما يسمح بنشره في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية،

    هي إشكالية الإشكاليات، في طريقة أداء أي وظيفة، من وظائف الإدارة والحوكمة في النظام البيروقراطي، حتى يتجنّب خصم أي شيء من راتب الموظف، بواسطة المسؤول، ولهذا مات الطبيب الصيني، الذي أبلغ عن ظهور الفيروس في الصين، أو غيره من دول العالم،

    فيروس كورونا، قام بفضح ذلك على كل مستوى دول الأمم المتحدة الأعضاء، ولاحظت لم يخرج منها، سوى موظفي تايوان ودول مجلس التعاون في الخليج العربي،

    والسؤال هنا، لماذا كان هذا الفرق، وهل له علاقة بتصريح (دونالد ترامب) عام 1988 بخصوص مفهومه لجنّة رجال الأعمال في حينها (دول مجلس التعاون بسبب عدم وجود ضرائب) الذي تغير بعد 2/8/1990؟!

  3. يقول S.S.Abdullah:

    ولذلك من وجهة نظري بعد كورونا، سيكون مُلخّص إشكالية أي دولة، هو الذكاء، في الصراع أم التكامل بين الموظف والمراجع، بعد أن يتحول مفهوم حق آل البيت بالخُمس، إلى خدمات الدولة بكفاءة وجودة تنافس غيرها من الدول، مقابل الضريبة والرسوم والجمارك؟!

  4. يقول S.S.Abdullah:

    ولذلك أحسنت، هو المُلخّص، مستقبلاً كل واحد عليه أن يُدبّر حاله، بلا تفكير أن يكون عالة على أي دولة، خارج دول مجلس التعاون أو تايوان،

    وهنا مدخلنا في خلق اقتصاد، بواسطة جهاز من ماء بوري/صنبور الحنفية، ويعمل على تصفيته، كخدمة تكون مصدر رزق للجميع، وبسطة أو وقف، على رأس أي شارع، وفي كل حي،

    مرتبط بدائرة الضريبة، حتى الجميع يستفيد، الإنسان والأسرة والشركة المُنتجة للمُنتجات والتي تربط بينها وبين سجلات الدولة لزيادة الإيرادات.

  5. يقول S.S.Abdullah:

    نحن لدينا Hardware ثلاث أجهزة كبداية لتأهيل (الموظف) وكواسطة بينه وبين (المراجع)، ولدينا Software دورة لمدة أسبوع لتأهيل (المسؤول) في استيعاب كيفية تطبيق مفهوم الحاجة أم الاختراع كفريق مُنتج،

    الأجهزة الثلاثة، لها علاقة ببطاقة التأمين الصحي لكل مقيم في الدولة،

    والبطاقة الضريبية لكل إنسان في القطاع الخاص، في الوصول إلى الشفافية واللا مركزية لتحسين الإيرادات للجميع (الإنسان والأسرة والشركة المُنتجة للمُنتجات الإنسانية وبالتالي الدولة)،

    والهدف من المنتجات هو نقل الإقتصاد، من الإقتصاد الورقي، إلى الإقتصاد الإليكتروني لربطه ومنافسة فلسفة (سوق) أمازون الأمريكي، وحكمة (سوق) علي بابا الصيني،

    والمحافظة على حياة الموظف المُخلص، من تأثيرات أداء وظيفته بأمانة من خلال الآلة، كعازل بينه والمراجع،

    من خلال تعزيز مفهوم المُنتج الحلال (بلا أي غش تجاري) في (سوق) محلي منافس للأسواق الدولية.

    الربّاط صاحب أي تقنية، يجب عليه، لو كان صاحب تقنية،

    هو إمكانية تحوير تقنيته، لخدمة حاجة أي سوق،

    وفق حاجة السوق، وليس حسب ما موجود لديه من بضاعة لتسويقها،

    هنا الفرق بين المسوّق ذو أي مصداقية،

  6. يقول احمد:

    لماذا لا تتعاون مع اساتذه في الجامعات لطرح خطة شبيهة بخطة مارشال التي أنقذت أوروبا و العالم بعد الحرب لتنقذ العالم العربي بعد هذه الازمة

اشترك في قائمتنا البريدية