يحمل هذا الفيلم الوثائقي أبعاداً مختلفة، وتم تسجيله لأسباب مختلفة حسب منظور من قام بإنتاجه وصناعته من جهة، أو أولئك الذين يشاهدونه حسب موقعهم من قضيته الرئيسية من جهة أخرى.
فقد سعى صانعوه لاستخدام الفن السينمائي التوثيقي الأرشيفي، لاسترداد حق ضائع لباحث أكاديمي هو تيدي كاتز، بعد أن تكالبت عليه المنظومة القضائية في إسرائيل فأرهقته، بل وتحالفت ضده مع قوى فاشية تحت مسمى “القوى الوطنية”، لتشويه دراسة أكاديمية وثقها بشهادات مدنيين وعسكريين كانوا في تلك الفترة، أو شهود عيان أو فاعلين أساسيين وُجدوا ضمن أتون مجزرة تصفية مروعة حدثت لمدنيين، على يد أحد كتائب الجيش الإسرائيلي “ألكسندروني”، وأدت لقتل وتهجير سكان مدينة ثرية ووادعة، تنام على كتف البحر بالقرب من مدينة حيفا، في مرحلة ما يطلق عليه “مرحلة تأسيس الدولة” في المنظور الإسرائيلي، أو “النكبة والتهجير” في المنظور الفلسطيني.
حاول الفيلم استرجاع بعض من حقوق الباحث الأكاديمي التي نهشتها نخبة الدولة الوليدة الناشئة، من إعلام وقضاء ومؤسسات أكاديمية، تواطأت فيما بينها لوأد خلاصة توصل إليها عبر العمل البحثي، تؤكد وقوع مجزرة في المدينة الوادعة التي تعد مثالاً مصغراً حول ما وقع في باقي المدن في فلسطين، أثناء مرحلة الاحتلال وقيام الدولة الإسرائيلية.
الواقعة المفجعة
تعد مقاربة الفيلم حول الواقعة متزنة، وهو منتج ومصاغ بأيد إسرائيلية خالصة، حيث لم تكتفِ تلك المقاربة بإبداء النظر حول الواقعة المفجعة من وجهة نظر واحدة، بل قام المخرج ألون شفارتس وكاتبا الفيلم شاؤول شفارتس، وخليل إفرات، باستحضار من نقضوا الادعاء بحدوث المجزرة من أساسها وحججهم حول الموضوع، واستدعوا الذين بقوا على قيد الحياة من الشهود الذين قام تيدي كاتز بتسجيل شهاداتهم، وأعاد لهم الحق بتفنيدها أو التأكيد عليها، ومن ثم ربطها بسياق الحدث دون تدخل.
أورد بعض الباحثين الأكاديميين ضمن روايتهم المستندة إلى وثائق تاريخية، كيف تم تلفيق المزاعم الرسمية الإسرائيلية حول المغادرة الطوعية للفلسطينيين، وبناء على طلب مباشر من “بن غوريون” ذاته، وكيف تم تجنب استخدام عبارات محددة ضمن السردية التأريخية التي تم انتقاء عباراتها بعناية بما يتوافق مع المعايير الدولية، من مثيل: “طرد العرب”، أو “إخلاء قرى وسكان”، أو “سلوك عنيف ضد الأسرى بخلاف معاهدة جنيف للأسرى”، أو “سلوك عنيف ضد السكان العرب وأعمال وحشية”، “قتل، أعمال قتل تنافي شروط القتال، اغتصاب، سرقة، نهب”، “مواد من شأنها المس بصورة جيش الدفاع كجيش محتل يفتقر للأسس الأخلاقية”…، لتدعيم الأسطورة التأسيسية لوجودها في الدولة الوليدة. بينما ذهب آخر لسرد كيفية صناعة تلقي أوامر التصفية العرقية بدون تلقي أوامر مباشرة من القيادة السياسية العليا، من مبدأ التصرف الفردي الداعم حسب ما يقتضيه الظرف، لإتمام عملية “التطهير العرقي” حسب الفيلم.
ادعى باحث إسرائيلي ضمن الفيلم، أن هناك ممارسة فعلية لطمس أي أرشيف يمكن أن يضع مصيبة الفلسطينيين، الذين خضعوا لكل ممارسات القهر أثناء التهجير من قبل الجيش الإسرائيلي، في جانب واحد مع ما عاناه الإسرائيليون في شوارع أوروبا أثناء التعرض للاضطهاد، ومن ثم الوصول للجريمة التي ارتكبتها النازية والفاشية بحقهم في المحرقة، والتي تمثل قمة البؤس الإنساني في أحد أحقر جرائمه ضد عرق ودين محدد.
Metro-Goldwyn-Mayer MGM أبرز الفيلم تورط شركة كبيرة، مرّ على إنشائها مئة عام، ذات تاريخ عريق بصناعة المحتوى السينمائي والتلفزيوني للترفيه والتسلية والفنون، وهي ذاتها التي التصقت بذاكرتنا الطفولية حول سلسلة “توم وجيري”.
قامت تلك الشركة بتلفيق عمليات الترحيل الطوعي وجعل الأمر يبدو سلساً، وكأنه تم برضى السكان المحليين، الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها مجرد لاجئين، تم طردهم لما بعد حدود الدولة الوليدة، واختلاق معركة حربية بإخراج سينمائي تمثيلي لمحاكاة المعركة المفترضة مع عدو ليس موجوداً أصلاً، عبر استخدام طواقم من الصحافيين الإسرائيليين والأجانب، وطواقم سينمائية أخرى، ومن ثم تم استخدام ما نتج عن هذا التلفيق الأنيق ليكون أداة ترويجية ضمن مذكرات غولدا مائير على سبيل المثال، واستعراضاً للخارج يتم عبره خداع الرأي العام العالمي.
استخدم صانعو الفيلم الوثائق والأرشيف الرسمي الإسرائيلي لقادة ورجالات الدولة لإثبات الواقعة، وكذلك تم استخدام وسائل علمية، من مثيل وسائل قياس مساحة وتحليل الصور الجوية، لتدعيم رأيهم بمكان وقوع القبر الجماعي الناتج عن المجزرة.
الشهادات المسجلة
كذلك قام شفارتز مخرج الفيلم، برقمنة الشهادات المسجلة واستمع إليها، وقال لجريدة “التايمز أوف إسرائيل” إنه مقتنع أن الجنود الإسرائيليين قتلوا ما بين 200-250 ذكراً من سكان الطنطورة في أعقاب معركة السيطرة على القرية، المزدهرة والاستراتيجية على ساحل البحر الأبيض المتوسط جنوب حيفا.
“هناك روايات مختلفة [في الشهادات] حول ما حدث، لكن عندما تستمع إلى جميعها، يكون الأمر مروعاً، وتحصل على صورة لما حدث هناك. قُتل الناس بطرق مختلفة، وفي أماكن مختلفة في القرية. استغرق الأمر ما يقارب أسبوعين لدفنهم. هناك شهادات حول جثث في الموقع لم تُدفن لمدة ثمانية إلى عشرة أيام” حسب شفارتز.
يقول شفارتز أيضاً في الحوار ذاته: إنه “حان الوقت لتسليط الضوء على التاريخ الصعب المتعلق بتأسيس إسرائيل وكسر الأساطير التأسيسية للبلاد، مهما كانت مؤلمة”. إنه قلق على مستقبل المجتمع الإسرائيلي، إذا لم يستطع إقناع نفسه بما يسميه الفلسطينيون بالنكبة، أو التطهير العرقي ونقل مئات الآلاف من السكان العرب المحليين كعملية ضرورية لإقامة دولة يهودية.
أما الباحث تيدي كاتز فيقول: إن تجاهل الموضوع تماماً، هو أمر سهل لإراحة الضمير، ذلك لمن “لم ير ولم يعرف ولم يعلم”، أما هو فلم يستطع تجاهل الأمر وكأنه لم يكن.
لمحة تاريخية عن طنطورة:
كان سكانها يملكون أراضي خاصة بهم، وبعضهم كان يعمل في حيفا القريبة، وبعضهم الآخر “اشتغل” مع جيرانه من أصحاب المزارع من الديانة اليهودية وليس عندهم، وهذا فارق له دلالته الاقتصادية المستقلة والمتمكنة.
كان للحالة الاقتصادية الجيدة للقرية أثر على البنية التحتية فيها، ما جعلها متميزة وثرية بالمرافق العامة والعمل المدني الأهلي، فكانت شوارع القرية مرصوفة كما هي شوارع المدن الكبرى، بيوتها كانت تمتلك صرفاً صحياً ومزودة بحنفيات مياه، فضلاً عن وجود جمعيتين أهليتين، الأولى تهتم بأمور السائقين، والثانية كانت خاصة بالصيادين، والمدرسة في القرية كانت من جمع تبرعات السكان الأهليين، وما تزال موجودة في مكانها، مع استبدال وظيفتها إذ أضحت مركز أبحاث صيد تابع لوزارة الزراعة، حسب المؤرخ الباحث تيدي كاتز.
سقطت القرية ليل 22-23 أيار/ مايو 1948 بيد قوات الهاغانا 33، الكتبية الثالثة من لواء الكسندروني، وخضعت للتجريف بعد إخراج سكانها منها، حسب صانعي الفيلم، بعد مزاعم من الجيش الإسرائيلي أنها منطقة وصول وتهريب للمتطوعين المصريين القادمين للقتال مع الفلسطينيين عبر البحر.
في عام 1933 قام المحامي البولندي اليهودي الشاب “رافائيل ليمكين” بإرسال مجموعة من الاقتراحات للمؤتمر الدولي الخامس لتوحيد القانون الجنائي، والذي عُقد في مدريد برعاية من عصبة الأمم، أشار فيها للبربرية بـ”اعتبارها فعلاً قمعياً ومدمراً يُوجّه ضد أفراد معينين، كأعضاء جماعات وطنية، أو دينية أو عرقية ما، وجريمة تخريب الممتلكات”.
وكان لديه الإدراك الكافي لمعرفة الحاجة الملحة “لنظام قانوني عالمي لتحميل أفراد وحكومات مسؤولية الجرائم المُرتكبة بحق جماعات مضطهدة”، ولكن هذا التوصيف تم رفضه من قبل المجتمعين لكونه مثيراً للجدل.
لاحقاً ذكرت محكمة العدل الدولية في قرارات عدة، أن أحكام “اتفاقية الإبادة الجماعية” تجسد المبادئ التي تشكل جزءاً من القانون الدولي العرفي العام، ما يعني أنه سواء كانت الدول صدّقت على اتفاقية الإبادة الجماعية أم لا، فهي ملزمة من الناحية القانونية بمبدأ اعتبار الإبادة الجماعية جريمة بموجب القانون الدولي، وعليها بالتالي التزام قانوني بمنعها والمعاقبة عليها.
وتتضمن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 (المادة 2) تعريفاً للإبادة الجماعية أنها “أياً من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي، أو الجزئي، لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية “، بما في ذلك:
قتل أعضاء من الجماعة، أو إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.
لا أعتقد أن المحامي الشاب “ليمكين” الذي اقترح نصوصاً قانونية لتوصيف جريمة الإبادة، كان سيسكت لو أنه ما زال على قيد الحياة حتى اليوم، بل أعتقد أنه كان سيتشارك مع القائمين على هذا الفيلم التوثيقي، وكان سيقوم بخطوات أكبر لناحية تفعيل العدالة.
ختاماً، وبعكس ما سيفترضه كثير من المتابعين عند مشاهدة الفيلم، فإن المخرج يعرّف نفسه في إحدى المقابلات الصحافية على أنه “صهيوني أكثر من اليمينيين الذين يريدون الاستيطان في المناطق الفلسطينية لتكون لديهم دولة واحدة”، وهو يقول: ” أنا لست مع حق العودة بأي وسيلة. أريد دولة يهودية. جاء أجدادي من المحرقة”.
وحين سؤاله، ماذا تقول للإسرائيليين الذين يخشون الاعتراف بالنكبة لأنهم لا يريدون أن تعادل المحرقة؟
أجاب: “الحدثان ليسا الشيء نفسه. في عام 1948 لم تكن هناك غرف غاز ولا خطوط سكك حديدية، ولم يكن لدى بن غوريون خطة رئيسية للإبادة الجماعية الصناعية. لكن كان هناك نوع من التطهير العرقي يجب أن نعترف به. لا يمكننا أن نقول: النكبة هي هراء”.
وعند إجابته عن سؤال: هل أنت قلق من أن كارهي إسرائيل، الذين يتهمون إسرائيل زوراً بارتكاب مذابح وتطهير عرقي للفلسطينيين اليوم، سوف يستخدمون هذا الفيلم لنزع الشرعية عن إسرائيل؟ قال: “كارهو إسرائيل سيستمرون في كره إسرائيل بغض النظر. لا أستطيع السيطرة على ما يحدث لهذا الفيلم. يمكنني فقط إنشاء قطعة سينمائية”.
كاتب سوري